في إحدى مدن المنطقة العازلة بإدلب.. الهاربون من عمليات القصف يفقدون الأمل في الاتفاق التركي الروسي

المخيمات المؤقتة في شوارع جرجناز الريفية في 4 كانون الأول. تصوير محمد أيوب.

كثيراً ما كانت الأرضية الباردة، التي يتخذها محمود خطاب سكناً له ولزوجته وأطفاله الثلاثة، تهتز كل ليلة بسبب عمليات قصف الحكومة المستمر على بعد بضعة كيلومترات في جرجناز بمحافظة إدلب، شمال غربي البلاد، والممتدة عبر بساتين الزيتون حيث لجأ هو وأسرته.

وقال الرجل البالغ من العمر 52 عاماً، رغم أن التربة السطحية الناعمة للأراضي الزراعية المحيطة تخفف من حدة الضربات، إلا أن قعقعة الألواح الأرضية ترعب أطفاله، كما أن كوخهم الخشبي الصغير حيث ينامون الآن، لا يهتز بعنف مثلما كان يهتز منزلهم القريب من وسط المدينة، والذي هربوا منه الأسبوع الماضي.

وعلى الرغم من أن الأمان النسبي لهذه الضواحي الريفية، يوفر بعض الراحة من القنابل التي تعيق الحياة اليومية لمن تبقى من سكان جرجناز، إلا أن خطاب يصف كيف أن خروجهم مجبرين من بيتهم لأول مرة، ترك العائلة بأكملها في حالة يرثى لها.

وقال خطاب "حياة التشرد أسوأ من الموت، أصيبت عائلتي بحالة نفسية سيئة منذ أن اتخذنا قرار الفرار من منزلنا".

وتعتبر جرجناز، المدينة الزراعية الصغيرة، واحدة من عشرات القرى المحاصرة التي تنتشر في المنطقة العازلة شمال غربي سوريا، والتي يُفترض أنها أنشئت لمنع العنف.

ومنذ 30 تشرين الثاني قتل ما لا يقل عن 18 مدنياً وأصيب 51 آخرون بجروح بسبب عمليات القصف، وفقاً لناشطين محليين.

وأنشئت المنطقة العازلة، البالغ طولها من 15 إلى 20 كيلومتراً،  وتحيط بمحافظة إدلب وأجزاء من محافظات اللاذقية وحماة وحلب كذلك، نتيجة المفاوضات بين حكومتي روسيا وتركيا في أيلول، كما تم الترحيب بهذا الاتفاق على نطاق واسع في وقت سابق من هذا العام، لتفادي الهجوم الوشيك الموالي للحكومة على آخر معاقل المعارضة المتبقية في سوريا.

ووفقاً للاتفاق، كان من المتوقع أن تقوم مجموعات المعارضة بتسليم جميع الأسلحة الثقيلة من المنطقة بحلول 10 تشرين الأول، وإخلاء المنطقة بشكل كامل من الجماعات الإسلامية المتشددة قبل 15 تشرين الأول، وهناك شكوك حول ما إذا كانت تلك الشروط قد تم الالتزام بها قبل الموعد النهائي المحدد لكل منها.

وعلى الرغم من اتفاقية وقف إطلاق النار التي تغطي المنطقة رسمياً، إلا أن أشهراً من المواجهات المتقطعة وتصعيد العنف المتبادل بين الجيش السوري وحلفائه من جهة، وفصائل المعارضة من جهة أخرى، هددت بشكل كبير استمرار الاتفاقية التي تم التوصل إليها بشق الأنفس.

وتأمل القوى الإقليمية في الحفاظ على الاتفاقية. وفي 20 تشرين الثاني، تعهد وزيرا الدفاع التركي والروسي بمواصلة التنسيق "لإغلاق جميع القضايا المتبقية في إدلب"، وفقاً لبيان صادر عن وزارة الدفاع الروسية.

وأضاف البيان "الوضع الحالي في سوريا يتطلب حلاً فورياً ومناقشة القضايا المعلقة"، ومع ذلك، تم اختبار الاتفاق.

ورداً على الهجوم المزعوم بغاز الكلور، الذي اتهمت فيه فصائل المعارضة وطال الأجزاء التي تسيطر عليها الحكومة في مدينة حلب في 24 تشرين الثاني، قامت القوات الموالية للحكومة - المدعومة من عدة طائرات حربية روسية- بقصف البلدات الواقعة تحت سيطرة المعارضة على طول المنطقة العازلة.

"بقيت فقط لتوثيق ما يحدث"

وأدى التصعيد المفاجئ إلى إنهاء خمسة أسابيع من الهدوء النسبي على خطوط الجبهة الشمالية الغربية، وهي المرة الأولى التي استخدمت فيها الطائرات الحربية الروسية لضرب مواقع المعارضة منذ بدء سريان الاتفاقية الروسية التركية في منتصف شهر أيلول.

وإلى حين كتابة هذا التقرير، كان من المتوقع أن يذكر بيان صادر عن البيت الأبيض، المتوقع صدوره يوم الثلاثاء، أن الحكومة السورية زيفت الهجوم باستخدام الغاز المسيل للدموع، قبل إلقاء اللوم على المعارضة.

وفي الوقت الذي أدت فيه المواجهات المتكررة والمستمرة على نحو منهجي إلى زعزعة أسس اتفاقية ساهمت بعودة أهالي قرى بأكملها إلى منازلها المهجورة على طول الخطوط الأمامية، تم إجبار آلاف العائلات على ترك منازلها مرة أخرى.

وبحسب ما أوردته وسائل الإعلام المحلية، فإن جرجناز، وهي بلدة ريفية كان عدد سكانها حوالي 11،000 نسمة قبل الحرب، شهدت نزوح أكثر من 70 ٪ من سكانها منذ عودة الاشتباكات وتصاعد القصف الجوي من قبل القوات الموالية للحكومة.

طفل يقف خارج منزل عائلة نازحة في المنطقة العازلة، في إدلب. تصوير: محمد أيوب.

وفي الوقت ذاته، أشارت مصادر أخرى إلى أن عدد النازحين قد يكون أعلى من ذلك.

وقال فايز الدغيم، وهو ناشط إعلامي وأحد آخر الأشخاص الذين بقوا في البلدة أن "المدنيين نزحوا بعد قرابة عشرة أيام من القصف المكثف الذي استهدف جرجناز، وأجبر أكثر من 95٪ من السكان على النزوح" ولكنه بقي كصحفي لتوثيق ما يحدث بحسب قوله.

وفي حين أن العديد من الأسر قد تمكنت من استئجار أو تأمين سكن مع العائلة والأصدقاء في البلدات المجاورة، فقد شق آخرون طريقهم إلى مخيمات عشوائية تنتشر حول الأراضي الزراعية المحيطة بالعديد من البلدات الريفية في المناطق العازلة التي يجري استهدافها حالياً.

أبو حمدو، عنصر في الدفاع المدني السوري فرع إدلب، قال لسوريا على طول أن حوالي 125 عائلة - ما يقارب ال 650 شخص- فروا من جرجناز واتجهوا نحو مخيمات ومساكن عشوائية في المنطقة، بالتزامن مع انخفاض درجات الحرارة هذا الأسبوع وظروف الشتاء القاسية.

وقال خطاب، وهو أب لثلاثة أطفال، معبراً عن يأسه وفقدانه للأمل "لقد كان النزوح مأساوياً بكل معنى الكلمة. وبالطبع لا يوجد أي مساعدات أو معونات إغاثية لأننا نتعرض للقصف بكافة أنواع الأسلحة، والعالم يقف متفرجاً".

"القصف لا يتوقف"

قال محمود أيوب، عضو المجلس الإغاثي الذي يوزع المساعدات محلياً من مدينة التح، على بعد 10 كيلومترات من جرجناز، إن 500 عائلة من جرجناز تعيش الآن في مخيمات عشوائية في المنطقة.

ووفقاً لأيوب، فإن الوضع المتدهور ترك الآلاف بحاجة إلى المساعدات والإمدادات الطارئة مع حلول فصل الشتاء. ووجهت السلطات المحلية نداءات يائسة لمنظمات الإغاثة المحلية، التي يتخذ العديد منها معرة النعمان المجاورة كمقر لها، طالبة الإغاثة العاجلة للمصابين والنازحين.

وأضاف أيوب، إن المنظمات كانت مترددة في دخول المنطقة العازلة خوفاً من القصف، تاركة السلطات المحلية في جرجناز تعاني جراء أزمة النزوح وشح المعونات والموارد.

وتابع قائلاً "كمجلس محلي، لم يكن لدينا بصراحة أي خطة طوارئ، تقع منطقتنا داخل المنطقة العازلة، إلا أن النظام غير ملتزم بالاتفاقية على الإطلاق".

وبالمثل، قال السكان النازحون لسوريا على طول أن جميع آمالهم باستمرار الاتفاقية تلاشت.

وقالت أم محمد، وهي امرأة نزحت قبل أسبوعين من جرجناز جراء القصف من قبل القوات الموالية للحكومة "لقد تنفس الناس الصعداء، وازدهرت الحياة في جرجناز في الآونة الأخيرة، لأنها تقع ضمن المنطقة العازلة المقررة في سوتشي".

واستأجرت هي وعائلتها الآن شقة صغيرة في معرة النعمان، وهي مدينة في محافظة إدلب، أصبحت موطناً للمدنيين النازحين من جميع أنحاء المنطقة.

وأضافت "يبدو الأمر وكأنه سجن هنا، أتمنى حقاً أن أعود، لكني لا أفكر فعلياً بذلك، بما أن القصف لم يتوقف، والنظام لا يلتزم بأي اتفاقيات".

"بالنسبة للنظام، فإنه يقصف في أي وقت".

 

آلاء نصار

آلاء من سكان وادي بردى في دمشق ، درست اللغة العربية في جامعة دمشق ولكنها لم تستطع إكمال دراستها بسبب الثورة، غادرت آلاء سوريا إلى الأردن ،وهي تأمل بإيجاد حلول جذرية للحرب ا.

باريت ليموج، صحفي ومترجم

باريت ليموج صحفي استقصائي قدم تقارير عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونشرت تقاريره سابقاً في الجزيرة، وعين الشرق الأوسط، وبنك بي إس نيوشور، والمونيتور، وهافينغتون بوست، وغيرها. درس الصحافة في جامعة كينجز كوليدج وهو يتابع حاليا ماجستير في العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت.