لجأ زكوان كحالة إلى ملجأ تحت الأرض مع زوجته وابنه البالغ من العمر عاماً عندما بدأ النظام السوري هجوماً جوياً ومدفعياً مدمراً منذ ثلاثين يوماً على مسقط رأسه الكائن في مدينة عربين بالغوطة الشرقية.

ومنذ ذلك الحين لا يخرج كحالة، البالغ من العمر 29 عاماً، وأمثاله خارج ملاجئهم إلا للأمور الضرورية من تأمين الطعام والماء أو إنجاز بعض الأعمال الضرورية، حسب قوله.

وأضاف كحالة، وهو محاسب في أحد المدارس المحلية، لسوريا على طول "تقضي زوجتي وطفلي معظم ساعات النهار في الملجأ ".

ومع استمرار تساقط القذائف بقيت عائلة كحالة وجيرانها الشهر الماضي مختبئين في قبو تحت مبنى سكني في ضاحية عربين شمال شرق دمشق، وتقع مدينة عربين داخل جيب الغوطة الشرقية الواقعة تحت سيطرة الثوار والمحاصرة من قبل القوات الحكومية منذ عام 2013.

كما بفعل المئات من السكان الآخرين الشيء نفسه، بحسب ما أكده مسؤولون محليون ومدنيون لسوريا على طول.

في أقبية غير مكتملة في عربين، تفترش عشرات العائلات في عربين الأرضيات الترابية بين الأنقاض والأثاث المهمل، ويمضي البعض أوقاتهم في الحديث عن مخاوفهم، أو فتح الطريق وفك الحصار، أو آخرون يلعبون الورق، وجميعهم ينتظرون توقف القصف على مدينتهم.

داخل أحد ملاجئ عربين كانون الثاني. الصورة صفحة من مركز الغوطة الإعلامي.

وعلى الرغم حصار النظام السوري للغوطة الشرقية وقصفه لها لسنوات، إلا أن تواجد الأهالي لوقت طويل تحت الأرض ماهي إلا ظاهرة حديثة نسبياً في عربين، بحسب ما صرح به ثلاثة مواطنين.

تقع عربين خارج إدارة المركبات على الحافة الشرقية من الغوطة الشرقية، حيث القتال قائم بين النظام وفصائل المعارضة، وكثف النظام ضرباته الجوية على الغوطة الشرقية منذ بداية كانون الثاني رداً على المعارك في محيط إدارة المركبات.

وكان للسكان الذين يعيشون بالقرب من إدارة المركبات بما في ذلك بلدة عربين النصيب الأكبر من القصف، الشيء الذي دفعهم للاختباء في ملاجئ تحت الأرض.

وصرح سراج محمود، الناطق باسم الدفاع المدني في ريف دمشق أن "السكان يستخدمون حالياً الملاجئ خوفاً من القصف".

وبالنسبة للعائلات التي اختارت البقاء في المدينة ولم تنزح إلى البلدات المجاورة، فإن الأقبية والمساكن المؤقتة التي هي دون مستوى سطح الأرض توفر لهم قدراً من الأمان، بينما تكون الطوابق العليا عرضة للقصف.

وأضاق المحمود إن قذائف الهاون والمدفعية الخفيفة "لا يمكنها أن تصل إلى الملاجئ" في الوقت الحالي.

جالسون نترقّب

في واحدة من عشرات الأقبية المؤقتة في عربين، تجلس سمر العربيني البالغة من العمر 20 عاماً مع والديها وأشقائها، لتكمل يومها الثامن والعشرين تحت الأرض في ملجئ "غير صالح للسكن" وفقاً لما قالته لسوريا على طول.

ولم تسمع معلمة الابتدائي العربيني أي خبر عن طلابها أو زملائها منذ أن أغلقت المدارس المحلية أبوابها قبل عدة أسابيع، ولم يكن لديها أي وسيلة ترفيهية تلهيها عن أصوات القصف في الخارج، وقالت "لا يوجد شيء نفعله" وفي الطابق السفلي للمبنى "جالسون ونترقب، ولا نعرف حتى إذا كان هذا الملجئ سيحمينا".

أحد ملاجئ عربين كانون الثاني. الصورة صفحة من مركز الغوطة الإعلامي.

وتحت بيت عائلة كحالة يحاول جيرانه إيجاد أي طريقة لتمضية وقتهم بينما هم محاصرين في الداخل، حيث يلعب سكان المبنى المذكور عند أحد جوانب الطابق السفلي ألعاب الورق (الشدة)، أوالشطرنج، أو يلعبون بالألعاب الموجودة على هواتفهم النقالة، الشيء الذي كانوا يمارسونه في مقاهي المدينة المغلقة منذ زمن، وتستخدم المولدات والبطاريات لشحن الأجهزة، وعندما يتحدثون مع بعضهم البعض غالباً ما يكون الحوار "متعلق بالأوضاع السياسية والأحداث الجارية".

وعلى الجانب الآخر من الطابق السفلي، يتجمع جيران كحالة الإناث حول الحواسيب المحمولة، ويشاهدون مسلسل أرطغرل التركي الشهير الذي يتكلم عن تركيا في فجر الإمبراطورية العثمانية، وعندما ينقطع الانترنت "يتحدثون عن السياسة أو يحاولون تنظيف الملجئ من حولهم" بحسب كحالة.

وعلى الرغم من أن الطوابق السفلية، وإن كانت غير مريحة، آمنة نسبياً للهروب من القصف الخارجي، إلا أن المتحدث باسم الدفاع المدني سراج محمود يحذر من عدم إمكانية حماية السكان بشكل كامل.

وتفيد الأنباء بأن عشرات الصواريخ من نوع أرض_أرض هي واحدة من الأسلحة التي تستخدمها الحكومة السورية لاستهداف الغوطة الشرقية يومياً، بحسب ما قاله المحمود، مضيفاً "والمشكلة أنهم لا يستهدفون الأحياء بصاروخ واحد أو صاروخين، بل يتم استهدافها براجمة يعني أكثر من 13 أو 14 صاروخ في كل مرة".

وفي بعض الحالات، يؤدي القصف إلى تدمير وتسوية المباني بأكملها" الشيء الذي يؤدي إلى هبوط البناء على رؤوس ساكنيه" على حد قوله، مضيفاً "لا يمكن لأي ملجئ أن يتحمل ذلك، إلا إذا كان مجهزاً تجهيزاً جيداً".

من جانبه، يقدر أكرم هاشم، عضو المجلس المحلي في عربين أن عدد المنازل التي "دمرت" في جميع أنحاء المدينة يقدر بـ 700 منزلاً جراء القصف، وقال أن الأضرار تمتد إلى سبعة أحياء مجاورة، أربعة منها لم تعد "صالحة للحياة البشرية".

وفي أحد أقبية عربين، يواجه أبو صالح محمد، البالغ من العمر 50عاماً من مصاعب جسدية ونفسية نتيجة الأسابيع التي قضاها تحت الأرض.

حيث انتقل أبو صالح وأولاده الخمسة إلى القبو منذ 25 يوماً، ويقيم حالياً مع 14 عائلة أخرى، في قبو لا توجد فيه تدفئة ولا تمديدات صحية مناسبة.

وقال "أمضينا هنا 25 يوم في البرد، والرائحة كريهة جداً، والقمامة في كل مكان، وما حدا داير على حدا".

وتعاني إحدى بنات محمد من حساسية في الصدر، يعتقد أنها ناجمة عن الظروف السيئة في القبو، كما أن صحتها تزداد سوءاً، وهو الآن أمام خيار صعب، إما الحفاظ على أمان عائلته نسبياً في ظروف غير صحية تحت الأرض، أو الخروج من تحت الأرض بحثاً عن علاج، ومع الغارات الجوية والقصف المدفعي خارج الأقبية يبقى خيار خروجه مع عائلته خياراً قاتلاً.

وأضاف المحمد " لا أعرف ماذا سنفعل، لكن أطفالي لايمكنهم الصمود أكثر من ذلك".

يذكر أن وكالة الأنباء السورية سانا لم تصرح عن قصف الحكومة السورية للغوطة الشرقية في الأسابيع الأخيرة.

 

ترجمة: بتول حجار