خرج المعتقلون من حافلات النظام إلى أحد قاعات العاصمة دمشق المكتظة واحدا تلو الآخر، في وقت سابق من هذا الشهر. حيث انضم العديد من المعتقلين السابقين لدى فصيل إسلامي معارض، في الغوطة الشرقية، إلى عائلاتهم وأصدقائهم لأول مرة منذ سنوات.

وقام جيش الإسلام، وهو فصيل معارض ذو نفوذ كبير في ضواحي شرق دمشق، بتسليم مدينة دوما للنظام السوري في منتصف نيسان. وكجزء من اتفاقية التسوية، وافق مقاتلو المعارضة على إطلاق سراح جميع المعتقلين لدى جيش الإسلام على مدى السنوات السبع الماضية.

وبالنسبة لسعاد خبيّة ونشطاء سوريين آخرين، كان إطلاق سراح السجناء في ٨ نيسان في دمشق آخر بصيص أمل بأنهم قد يرون ناشطة المجتمع المدني رزان زيتونة مرة أخرى.

وبالرغم من أن جيش الإسلام كان يتباهى منذ فترة طويلة باحتجاز آلاف السجناء، إلا أنه تم إطلاق سراح ٢٠٠ معتقل فقط قبل مغادرة مقاتلي الفصيل إلى شمال سوريا إلى جانب آلاف المدنيين في وقت سابق من هذا الشهر.

ووزان زيتونة، المحامية السورية والمدافعة عن حقوق الإنسان التي حصلت على تقدير دولي لعملها في المجتمع المدني في أعقاب الثورة السورية عام ٢٠١١، لم تكن من بين هؤلاء الذين تم إطلاق سراحهم.

وأخبرت خبيّة نورا الحوراني من منظمة سوريا على طول من منزلها في القاهرة، مصر"الأمل اضمحل عند غالبية الناس الذين كان لديهم لو القليل من الأمل" وكانت خبيّة قابلت زيتونة في مظاهرة في دمشق عام 2001 وعملت معها لسنوات قبل مغادرة سوريا.

رزان زيتونة في صورة غير مؤرخة. الصورة من Vital Voices.

 

أسست زيتونة مركز توثيق الانتهاكات في سوريا (VDC) في نيسان 2011، مباشرة بعد الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة في سوريا، لتعقب انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد من قبل جميع الأطراف والإبلاغ عنها.

وفي 9 كانون الأول 2013، قام مسلحون ملثمون بمداهمة مكاتب شركة (VDC) في دوما وخطفوا أربعة من أعضائها، زيتونة وزوجها وائل حمادة وسميرة خليل وناظم حمادي.

لم يُسمع أي خبر عن النشطاء المختطفون بعدها أبداً، وتحمل عائلة زيتونة إلى جانب العديد من النشطاء والمنظمات الإنسانية الأخرى مسؤولية عملية الإختطاف لجيش الإسلام وهو ادعاء ينفيه جيش الإسلام بشكل قاطع.

واليوم بمناسبة عيد ميلاد رزان زيتونة الحادي والأربعين، وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على اختفائها، تتذكر خبيّة صديقتها وزملائها.

وقالت خبيّة "أذكر في رزان قيمها الأخلاقية والإنسانية" مضيفةً "من أجل الحلم الذي كنا نتوق إليه معاً ولكن لم يتحقق، أتذكر الإنسان الذي كانت تؤمن به".

معظم التغطية الإعلامية التي تتناول قضية رزان زيتونة تركز اليوم على اختفائها في عام ٢٠١٣. لكن، كصديقة وزميلة، ما الذي تودين أن يعرفه العالم عن حياتها؟ برأيك، كيف ينبغي التفكير في رزان زيتونة، لكي يتذكرها الجميع؟

ترتبط رزان في ذاكرتي ووجداني بقيم إنسانية وأخلاقية جميلة، وبحلم أردناه معا ولم يتحقق.

رزان كانت أول شخص عملت معه في إطار دفاعي عن حقوق الإنسان. أول امرأة تعاملت معها من المدافعين عن حقوق الإنسان في سوريا، في وقت لم تكن النساء تتجرأ على خوض غمار هذا المجال.

كانت جدية وتركز تماما في هدفها. كنت ألحظ أنها لا تعطي بالاً لجميع التيارات السياسية التي كانت تمثل المعارضة في تلك الفترة أي ما قبل الثورة. التقيتها وأثارت فضولي في ٢٠٠١ وهي تسند ظهرها لجدار مكتب الأمم المتحدة في منطقة وسط دمشق حين كنا نتظاهر لأجل فلسطين، وتحديدا لأجل فك الحصار عن مخيم جنين.

[في أيلول ٢٠٠١، حاصرت الدبابات الإسرائيلية بلدة جنين بالضفة الغربية وشنت هجوما عليها، وتضم جنين مخيما للاجئين يحمل نفس الاسم. وكانت هناك عملية عسكرية أكثر أهمية في نيسان ٢٠٠٢ بعد اقتحام عام ٢٠٠١].

لم تكن تشبهنا بالتعبير عن انفعالها، وعند الهتاف كانت صامتة.

لم تتغيب عن أي من تلك المظاهرات وما تلاها من مظاهرات. فها هي ترفض احتلال العراق في ٢٠٠٣ وترفض الحرب على الجنوب اللبناني ٢٠٠٦ والمظاهرات التي انطلقت بجرأة في يوم المطالبة بحقوق الإنسان في سوريا، والقاسم المشترك بين تلك التظاهرات جميعها لم يكن سياسياً بل إنسانياً.

عندما أتذكر رزان أتذكر الإنسان الذي كانت تؤمن به، أتذكر قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر من جميع القيم المتكلسة التي رفضتها رزان وحلمت  بتغييرها.

هل يمكن أن تخبرينا عن ذكرى لك مع رزان، ربما موقف يستحضر في ذاكرتك عندما تواجهين أوقاتاً صعبة؟

تربطني برزان ذكريات كثيرة بحكم معرفتنا القديمة، ولكن أكثر ذكرى كان لها تأثير بداخلي هي آخر مرة رأيت فيها رزان في منزلي بنهاية عام ٢٠١٢. تلك الفترة كان هناك تهجير من دوما وكان النظام يحاول أن يقتحمها. كانت رزان متوارية عن الأنظار، تتجنب الظهور في الأماكن العامة والرسمية لأن النظام كان يبحث عنها.

بعدها دخلت رزان إلى دوما وزارتني في منزلي مع زوجها وائل برفقة مخرج سينمائي، كانوا يقومون بتصوير فيلم عن الثورة، ودخلوا بيتي بظروف أمنية صعبة للغاية، وهذه نقطة تسجل لرزان بسبب الشجاعة التي كانت تتمتع بها وكيف استطاعت الانتقال إلى دوما بهذه الظروف.

كان شيء مستغرب بالنسبة لي عندما رأيتهم عند باب منزلي. وقتها كان الهدف من الزيارة تصوير لقطات لقنّاص البرج الطبي المقابل لمنزلي. استمر التصوير لمدة ٣ أو ٤ ساعات وكان خطيراً جداً، ففي أي وقت وعند أي حركة قد يستهدفنا قناص النظام. تم نصب الكاميرا على أحد شرفات المنزل بطريقة ما وتم التقاط لقطات طويلة للقناص.

رزان زيتونة وزوجها في صورة غير مؤرخة. الصورة Martin Ennals Award.

 

كانت تلك آخر مرة رأيت فيها رزان، وللأسف بعد أيام من خروج المخرج لدمشق تم اعتقاله، وأيضا تم استهداف منزلي بطيران الميغ. بعد ذلك، خرجت من دوما بسبب قصف منزلي والقصف العنيف على دوما وأسباب أخرى، إلا أن رزان وقتها قررت البقاء.

بقيت رزان في دوما فعلاً، لكن دوما ذاتها التي اختارت رزان العودة إليها والبقاء فيها اختطفت فيها.

عودتها إلى دوما كان قراراً صعباً وينطوي على مغامرة كبيرة، ولكن رزان كان لديها مشروعها الذي تريد تحقيقه.

كان مشروعها العمل بالمجال المدني و تدريب الناس على الأفكار التي كانت تؤمن بها حول حقوق الانسان. وفعلا قامت بتدريب الكثير من الأشخاص وتركت لديهم أثرا كبيرا، حتى أنها في تلك الفترة، قامت بتدريب الشرطة المحلية وعناصر من الفصائل على أفكار حقوق الإنسان وحريته وطريقة التعامل مع الأسرى وطريقة التعامل مع السجناء.

مع الوقت تغيرت الجهات المشاركة في الثورة وأهدافها وأساليبها. هل مازال بإمكانك رؤية بعض ما قامت به رزان وأصدقائها في سوريا اليوم؟ وما هو شعورك عندما عادت دوما، وهي مدينة مليئة بذكريات رزان، إلى سيطرة الحكومة السورية؟

دوما التي اختطفت رزان هي ليست دوما التي تنتمي لها رزان والتي أنتمي أنا لها وتنتمي لها الثورة السورية.

دوما التي اختطفت رزان هي نفسها دوما المختطفة، فدوما تم اختطافها مع رزان من قبل فصائل إسلامية متشددة. وأنا أرى أن الفصائل الإسلامية تعمل لصالح النظام في الكثير من الزوايا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

لكن فعليا دوما الثورة لا تتحمل أبداً وزر اختطاف رزان، وأهل دوما الذين ثاروا على الاستبداد وعلى القهر والديكتاتور وطالبوا بالحرية ودفعوا ثمن ذلك غالياً لا يمكن أن يحملوا وزر اختطاف رزان. من يحمل وزر اختطافها هو الإسلام المتشدد والإسلام المتطرف والمرتهن والذي يعمل لأجندات بالتأكيد لا تشبه تطلعات الثورة السورية. هذا الإسلام لايشبه الإسلام الذي نعرفه، فمن قام باختطاف رزان هي عصابة لا تنتمي للثورة ولا تحمل أي قيم.

دوما حزنت كثيراً على رزان ولا زالت تنتظر وتتمنى أن تسمع خبراً جيداً عنها، لكن للأسف رزان لم تعد والنظام استطاع أيضاً أن يسيطر على دوما.

لكن رغم سيطرة النظام على دوما مازال لدينا أمل بأن نحقق شيئاً مما كانت رزان تحلم بأن تحققه.

في وقت سابق من هذا الشهر، سلم فصيل جيش الإسلام دوما إلى الحكومة السورية. وكجزء من التسوية، أطلق الفصيل سراح مئات الأسرة، لكن رزان وبقية أصدقائها الأربعة لم يكونوا من بينهم. في ضوء هذا ما مدى صعوبة التمسك بأمل رؤيتها مرة أخرى؟

نعم صحيح الأمل اضمحل عند غالبية الناس الذين كان لديهم لو القليل من الأمل، ولكن الأمل بالنسبة لي كان مختفي قبل خروج المعارضة من خلال متابعتي الدائمة والقريبة جداً لقضية رزان ومن خلال متابعتي للدلائل وشهود العيان والتسجيلات التي سمعتها كلها أخذتني إلى زاوية مظلمة وهي أنه تم تغييبها للأبد.

واعتقد أن العصابة يلي اختطفت رزان لا يمكن أن تترك رزان على قيد الحياة أو تتركها طليقة، لأنها ستكون الدليل الأشد فظاعة وقسوة على دور هذه العصابة بتدمير الثورة السورية، وقتل نشطائها وكل الجوانب الجميلة والمشرقة والتي كانت رزان ورفاقها أحد هذه الإضاءات المهمة في ثورتنا.

ولكن كل الدلائل والشهود ومن خرجوا من سجون جيش الإسلام أو تم تحريرهم والكثير من الناس شهدوا على دور جيش الإسلام ودور أشخاص مرتبطين بجيش الإسلام بتهديد رزان في المرة الأولى واختطافها بالمرة الثانية.

للأسف رزان لاقت مصيرها على يد أشخاص كانوا يدّعون أنهم ينتمون للثورة وظهر الارتباط الحقيقي لهم.

لايمكن أن أقول أن رزان مازالت على قيد الحياة إلا في حالة واحدة أنها بيعت للنظام وهذا مالا أملك عليه أي دليل، لذلك من المؤكد أنه تم تصفيتها.