أم رائد، امرأة من دوما، فرت مع عائلتها إلى القنيطرة، علها تجد في مخيماتها ملاذا آمنا، لكن الكثير من المخاوف تدور في بالها.

إنها لا تشعر بالأمان في الخيمة، في محافظة القنيطرة، جنوب غرب سوريا، حيث فرت هي وزوجها وأطفالها السبعة من دوما، في الغوطة الشرقية، العام الماضي. تشعر بالقلق بشأن الجوع، والمياه الملوثة. تخشى على أطفالها، الذين لسعتهم العقارب، كما أنها قلقة على زوجها، الذي يعاني من مرض في القلب.

وقالت أم رائد، لسوريا على طول، "نحن بحاجة كل شيء، الماء والدواء لزوجي، كما أنني أخشى على أطفالي".

أم رائد، واحدة من 3500 سوري، غالبيتهم نزحوا من درعا وريف دمشق، تحيط بهم الأطراف المتنافسة، وتقطعت بهم السبل في خمسة مخيمات مخصصة للنازحين يصعب الوصول إليها، في محافظة القنيطرة.

في هذه المرحلة من الحرب، تكاد محافظة القنيطرة أن تكون منسية، حيث لا تدور فيها معارك بارزة. أما النازحون فهم محصورون هناك بين مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل ومحافظة درعا، حيث فروا هربا من الغارات الجوية المتواصلة، والمواجهات البرية والمعارك في المحافظات المجاورة.

مسكن في مخيم البريقة في محافظة القنيطرة. تصوير: أبو سعيد الجولاني.

وتسيطر الفصائل الثورية على غالبية مناطق المحافظة، بما فيها الجيش السوري الحر، أحرار الشام، جيش الإسلام وجبهة فتح الشام (المعروفة سابقا باسم جبهة النصرة)، بينما يسيطر النظام على جزء من الأراضي في شمال القنيطرة، يقصف منها مناطق سيطرة الثوار بانتظام. وفي الجنوب تقع الأراضي التي يسيطر عليها فصيل تابع لتنظيم الدولة.

وعلى مدى سنوات، دارت مواجهات بين الفصائل الثورية والنظام، فضلا عن الاشتباكات بين الفصائل نفسها، في سبيل بسط النفوذ. واليوم تعد القنيطرة هادئة نسبيا، بمنأى عن الضربات الجوية الروسية والأمريكية وضربات النظام المكثفة على أجزاء أخرى من البلاد.

لكن السوريين الذين فروا، أملا بالعثور على مكان هادئ في القنيطرة، يقولون الآن أن السلامة لاتقتصر على مكان يلجأون إليه ويحتمون فيه من القصف. إنهم يقيمون في الهواء الطلق، في خيام متناثرة، بالقرب من حدود منزوعة السلاح في الجولان، يشربون مياها ملوثة، يقطعون مسافات طويلة من أجل شراء الخبز، في حال توفر معهم ثمنه، منهمكين في مصاعب الحياة اليومية. والخوف من وقوع غارات تضرب خيامهم المتهالكة، يحيط بهم.

في السياق، قال أبو رائد الحاري، ناشط في مناطق سيطرة المعارضة في القنيطرة، لسوريا على طول، "هذه المخيمات ليست آمنة، فقد تتعرض للقصف في أية لحظة"، مضيفا "هذا هو السبب في أن عدد النازحين هنا أقل من المخيمات الموجودة على الحدود الأردنية".

وفي الأسبوع الماضي، قصفت قوات النظام قرية خاضعة لسيطرة الثوار في القنيطرة، على بعد 200 متر من مخيم البريقة، الذي يشكل ملاذا لـ1650 نازحا.

وكذلك، قال أبو غيث، أحد سكان مخيم الرحمة، في القنيطرة، والذي فر من الغوطة الشرقية بدمشق، "نخشى أن يتم قصف المخيمات في أي وقت، حتى وقت النوم، حيث لا يوجد أي مكان آمن في بلدي كله".

وتقع معظم مخيمات القنيطرة، في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش السوري الحر، بالقرب من شريط ضيق من الأراضي يفصل سوريا عن مرتفعات الجولان. وأنشأت الأمم المتحدة هذه المنطقة العازلة في عام 1973، عقب محاولة فاشلة من قبل سوريا لاستعادة هضبة الجولان، التي خسرت جزء كبير منها لإسرائيل خلال حرب الستة أيام، عام 1967.

وتمتد المنطقة العازلة، على بعد 45 ميلا من جبل الشيخ على الحدود السورية اللبنانية وصولا إلى الحدود الأردنية، وكانت تقيم فيها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك حتى عام 2014، عندما انسحبت القوات إلى الأراضي الإسرائيلية عقب هجمات من الجانب االسوري للحدود.

وقد تكون المنطقة العازلة السبب وراء توجه آلاف السوريين إلى هناك، ولكن موقعها يجعل من الصعب على المنظمات الإنسانية الوصول إليها.

أطفال في مخيم البريقة، القنيطرة . تصوير: أبو سعيد الجولاني.

وقال الناشط أبو سعيد الجولاني، لسوريا على طول "لقد توقفت معظم المنظمات الإغاثية المحلية والدولية عن إرسال مساعدات غذائية إلى ريف القنيطرة، بسبب المعارك في غرب درعا بين الجيش الحر وخلايا تنظيم الدولة".

وأضاف، منذ أن بدأت المعارك، آذار الماضي، "قطعت الطرق بين المحافظتين، كما تعرضت للقصف في بعض الأحيان".

ووفقا لما قاله الجولاني، فإن المساعدات التي تأتي تتكون أساسا من مواد غير غذائية مثل البطانيات والفرش، وبعض الأدوية.

وأفادت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أنها قدمت "المواد الإغاثية الأساسية" لـ1400 نازح في مخيمات القنيطرة، في حزيران.

إلى ذلك، أشارت أم رائد لسوريا على طول، بأن آخر مساعدات حصلت عليها كانت منذ 3 أشهر تقريبا، وبإمكان سكان المخيم أن يذهبوا إلى البلدات المجاورة لشراء احتياجاتهم، إلا أن معظمهم فقيرون جدا وليس لديهم أي دخل أو أقرباء يمكنهم الاعتماد عليهم.

وفي السياق، قال الناشط أبو رائد إن "الجمعيات الخيرية والمنظمات الإغاثية نادرا ما تقدم مساعدات لهذه المخيمات"، حيث يوجد منظمة محلية واحدة تقدم مساعدات إلى 400 شخص من مخيم واحد.

وأضاف أن الحاجة الملحة للحصول على مساعدات، دفعت بعض الفصائل العسكرية في القنيطرة، في الآونة الأخيرة، لتسهيل دخول المساعدات الإسرائيلية للنازحين والمحتاجين.

بدوره، قال مصدر عسكري رفض ذكر اسمه، لسوريا على طول، في حزيران الماضي، أن "المساعدات دخلت عن طريق أحد المعابر الحدودية مع الجولان، عبر الشريط الحدودي مع إسرائيل"، وتم نشر صور للمواد الإغاثية كتب عليها باللغة العبرية مما أثار الجدل على مواقع التواصل الإجتماعي.

من جانبه، أكد أبو عبد الله، أحد سكان القنيطرة الذي حصل على مساعدات غذائية في حزيران الماضي، أن "الحاجة الملحة للأهالي في المخيمات والمناطق المحررة، تدفعهم للقبول بتلك المساعدات، لكي لا نموت من الجوع"، مضيفا أن السلل الغذائية، شملت حليب الأطفال، السكر، الأرز، الشاي، الزيت، الطحين، وبعض المعلبات.

ومن جهته، أصدر مجلس محافظة القنيطرة بيانا أدان فيه "توزيع السلل الإغاثية القادمة من العدو الإسرائيلي، والتي وزعها العملاء الخونة على المواطنين الأبرياء".

وأضاف أبو عبد الله أن "العرب والمسلمين خذلونا وقطعوا عنا المساعدات لو كان هناك مساعدات بديلة لها، لما أخذنا مساعدات إسرائيل، ولا يمكن لأحد أن يتهمنا بالخيانة والتعامل مع إسرائيل".

"أي شخص يصاب بمرض، قد يموت قبل أن يصل إلى نقطة طبية"

معظم مخيمات القنيطرة لا تحتوي على حمامات ولا تتوفر فيها المياه، حيث يقوم سكان المخيمات بشراء المياه من صهاريج المياه، والتي لاتصلح للشرب أيضا، مما تسبب بانتشار الأمراض الجلدية والسل، بحسب ما أفادت به التقارير.

إلى ذلك، قال عبد الرحمن الخالد، طبيب عام في مشفى القنيطرة الميداني، لسوريا على طول، أن "الأمراض والأوبئة انتشرت في هذه المخيمات بسبب انعدام المرافق والرعاية الصحية".

وأضاف الخالد أنه "في كل يوم يتم استقبال حوالي 20 حالة تعاني من التهاب أمعاء حاد، والسبب الرئيسي هو شرب المياه غير الصالحة للشرب وغير المعقمة".

والعيش في العراء يجعل النازحين أقرب للتعرض للدغات العقارب والأفاعي، الموجودة على أرض القنيطرة، بما فيهم عقارب ستوكر المميتة، وهي من أكثر العقارب فتكا في العالم.

وبحسب أبو رائد الحاري، فإن "الكثير من الأهالي والأطفال تعرضوا لحالات لدغ في هذه المخيمات"، مضيفا أنه "تم تقديم أدوية مضادة لسموم العقارب والأفاعي من قبل مؤسسة انجاز" في مخيم الكرامة فقط.

ويبعد كل مخيم حوالي 500 متر عن أقرب نقطة طبية، أي مايعادل خمسة دقائق سيرا على الأقدام، ولكن في حال إصابة أي شخص بأزمة قلبية، فإن هذه المسافة قد تعني الفرق بين الحياة والموت، بحسب الأهالي.

وأكد أبو غياث، أحد سكان المخيم لسوريا على طول، أن " أي شخص يصاب بمرض، قد يموت قبل أن يصل إلى نقطة طبية".

وفي حال الوصول إلى المشفى، فإن الخدمات الطبية محدودة بسبب قلة الدعم الخارجي، بحسب الخالد، الذي أضاف "نعاني من نقص بالأدوية والأجهزة الطبية، وخصوصاً بعد عدم استطاعتنا تأمين هذا النقص من الجانب الأردني، والنازحيين لن يستوعبوا أننا على الرغم من وجودنا، إلا أننا نفتقد وجود الأدوية والإمكانيات الشيء الذي يحد من دورنا، لأن دورنا يبقى محدودا على حسب الإمكانيات المتوفرة لدينا فقط"، حيث تم إغلاق الحدود الأردنية عقب هجوم الركبان الإنتحاري في حزيران الماضي.

وبالنسبة لأم رائد، فإن الحياة في مخيمات القنيطرة بمثابة مكان خطير داخل بلدها لإنتظار إنتهاء الحرب، مشيرة إلى "أننا على الرغم من بقاءنا في بلدنا ورفضنا الخروج منه أشعر بالقهر والأسى على مايجري".

وأضافت "كل يوم أدعي أن تنتهي معاناة وطني وتنتهي الحرب".