عمان- بعد ثلاث محاولات سابقة، أقر الكونغرس الأميركي، نهاية العام الماضي، قانون "قيصر" لمحاسبة نظام بشار الأسد وحكومته على الجرائم المرتكبة بحق السوريين منذ اندلاع ثورة آذار/مارس 2011. وهو قانون مثّل لحظة فارقة "طال انتظارها" بحسب اسماعيل باشا.

باشا، وهو مدير منظمة "أميركيون من أجل سوريا حرة"، اعتبر في حديث إلى "سوريا على طول" أن مصادقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على القانون، في 20 كانون الأول/ديسمبر 2019، وبما يمثل المرحلة النهائية لنفاذه، هي انعطافة مهمة في محاسبة مرتكبي جرائم الحرب، ذلك أنه "أخيراً، سيحاسب الأسد والمقربون منه على جرائمهم التي لا حصر لها ضد الشعب السوري"، كما قال. وكان مجلس الشيوخ قد صوّت لصالح قانون "قيصر" بأغلبية 74 صوتاً من أصل 80، بعد تمريره من مجلس النواب بموافقة 377 عضواً مقابل معارضة 48 آخرين.

وعملت  الجالية السورية في الولايات المتحدة على تقديم القانون، عبر منظمات وشخصيات أميركية من أصول سورية، على مدار السنوات الثلاث الماضية، ليتم إقراره مؤخراً بعد دمجه بميزانية الدفاع الأميركية للعام 2020.

بداية "قيصر"

في آب/ أغسطس 2013، انشق مصور جنائي في الشرطة العسكرية السورية، حمل لاحقاً لقب "قيصر" حفاظاً على حياته، مسرباً معه 50 ألف صورة لـ11 ألف معتقل قتلوا بأبشع الطرق في معتقلات الحكومة السورية وأجهزتها الأمنية. 

وفي 31 تموز/ يوليو 2014، أدلى "قيصر" بشهادته أمام الكونغرس الأميركي. و"استشعاراً للرغبة الضعيفة بتنفيذ عمل عسكري أميركي، أدرك المجتمع المدني السوري-الأميركي الحاجة إلى الضغط الاقتصادي على النظام وروسيا وإيران لتقديمهم إلى طاولة المفاوضات"، بحسب إريكا هانيتشاك، مديرة العلاقات الحكومية في منظمة "أميركيون من أجل سوريا حرة" التي شكلت تحالفاً مع المجتمع السوري الأميركي ضم أيضاً هيئات "سوريون مسيحيون من أجل السلام"، و"المجلس السوري الأميركي" و"فريق المهمات العاجلة السوري". وقد بذل التحالف جهوداً كبيرة لوضع قانونٍ لمعاقبة نظام الأسد استناداً إلى صور "قيصر".

إذ منذ تقديم مشروع القانون في العام 2016، كما أوضحت هانيتشاك لـ"سوريا على طول"، عقدت "أميركيون من أجل سوريا حرة" وبقية أعضاء التحالف، "أكثر من 450 اجتماعاً مع أعضاء في الكونغرس ومساعديهم، مع إقامة حفلات استقبال للأعضاء الجمهوريين والديمقراطيين، إضافة إلى إنشاء شراكات مع منظمات شعبية وأفراد للتواصل مع ممثليهم في الكونغرس" لدعم القانون.

مبينة أن السبب الرئيس لعدم إقرار قانون قيصر منذ ثلاث سنوات هو معارضة السيناتور راند بول من ولاية كنتاكي. إذ كان مجلس النواب الأميركي صوت منذ العام 2016 ثلاث مرات لصالح القانون، لكنه كان يتعطل في مجلس الشيوخ. مضيفة أن تحالف المجتمع السوري الأميركي طور لذلك استراتيجية تقوم على "إرفاق قانون قيصر بقانون يجب تمريره، هو قانون ميزانية الدفاع، لضمان عدم تمكن السيناتور بول، أو أي عضو آخر في مجلس الشيوخ، من إعاقته".

ويضيف أيمن عبد النور، مدير منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام أنه "في المرات الثلاث الماضية حين كان القانون يتوقف عند مجلس الشيوخ ولا يمرر، كنا نصاب بالإحباط ونعود لنقطة البداية". منوهاً بالدور المهم الذي لعبه أميركيون من أصول سورية، معتبراً أن قانون قيصر "أميركي محض". 

وسيكلف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من يتولى متابعة القانون بالشراكة مع وزارة الخزانة خلال 90 يوماً.

تكلفة تحقيق العدالة

علقت وزارة الخارجية الأميركية على إقرار قانون "قيصر" الذي يفرض عقوبات هي الأقوى من نوعها على النظام السوري وشركائه، لاسيما إيران وروسيا، باعتباره "خطوة مهمة من أجل تعزيز المحاسبة عن الفظائع التي ارتكبها بشار الأسد ونظامه في سوريا".

غير أن هذه العقوبات، كما يجادل البعض، ستنعكس سلباً على حياة المدنيين، كونها ستشمل قطاعات عدة منها مصرف سوريا المركزي، والقطاع النفطي، وأي جهة تساهم في إعادة الإعمار، وأي دولة أو جهة تدعم نظام الأسد مالياً.

لكن محمد العبد الله، رئيس المركز السوري للعدالة والمساءلة، ومقره واشنطن، اعتبر أن القانون "وضعنا أمام معادلة معقدة". إذ إنه يفرض لأول مرة عقوبات "على جميع الأطراف من أي دولة أو جنسية كانت من الذين يحاولون مساعدة النظام مالياً أو عسكرياً"، ويشمل ذلك كل من يحاول إيصال مبالغ مالية أو تقديم دعم تقني أو إلكتروني أو عسكري أو أمني أو تأهيل قطاع النفط والغاز والاستثمار فيه والسيطرة عليه. وهو ما يعني بالمحصلة "ردعاً لأي جهة أو شخصيات أخرى ترغب في العمل مع النظام، باعتبار أن الروس والإيرانيين أصبحوا تحصيل حاصل". 

في المقابل، رأى العبد الله في حديثه إلى "سوريا على طول" أنه فيما "تعتبر هذه العقوبات ذكية، باعتبارها مستهدفة لأطراف وشخصيات بحد ذاتها بسبب سلوكها، إلا أنها "ستؤثر على المدنيين. موضحاً أن العقوبات على مصرف سوريا المركزي، على سبيل المثال "ستساهم في إضعاف قيمة الليرة [فوق] ضعفها الحالي بسبب فساد النظام وسحب الاحتياطي الأجنبي لدعم المعارك. وهو ما سيؤثر على المواطنين".

يؤكد على ذلك آرون لوند، الباحث في مؤسسة القرن (The Century) في مدينة نيويورك. إذ إنه "يفترض أن يُستثنى من العقوبات كل ما هو مرتبط بالاستخدام الإنساني أو التجارة المدنية المشروعة، لكن في الممارسة العملية لا يطالب الناس أحياناً بمثل هذه الإعفاءات". متسائلاً في حديثه إلى "سوريا على طول": "سوريا بلد صغير، فلماذا ستخاطر الشركات بنفسها في الوقوع في هذه المشاكل القانونية؟".

على الطرف المقابل، أوضح عبد النور أنه في حال "ثبت أن مصرف سوريا المركزي متورط في عمليات تبييض الأموال لصالح النظام، ستشمله العقوبات ويمنع التداول معه بالدولار، وسيتحول تعامله إلى اليورو؛ إذ وقتها سيكون الحصار أكبر. أما في حال ثبت عكس ذلك، فإن المركزي السوري لن يتضرر من العقوبات". 

كذلك، رأى عبدالنور أن "الوضع الاقتصادي [في سوريا] متدهور منذ عشرات السنوات بسبب الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية. وبالتالي فليس قانون "قيصر" من سيزيد الأعباء على السوريين". متسائلاً: "لو أن الولايات المتحدة قدمت منحة مالية لمساعدة الشعب السوري، كم يتوقع أن يصل منها إلى الشعب قبل أن يسرق النظام الأموال ويدفعها لتمويل حربه ضد السوريين؟". وبالنتيجة فإن "المشكلة ليست في القانون وإنما في فساد النظام".

وأكد عبدالنور أن "الهدف ليس زيادة معاناة الشعب السوري، وإنما دفع النظام إلى أن يقتنع بالحل السياسي ويذهب إلى [مفاوضات] جنيف، وأن يكون جاداً في التعامل مع اللجنة الدستورية لنخرج بدستور عصري".

أيضاً، فإن "الأزمات المعيشية التي قد تُلمّ بمناطق سيطرة النظام نتيجة العقوبات، قد تهدد استقرار ولاء الحاضنة الشعبية له، [ولربما] ستربط بين استمرار النظام وبين استمرار هذه الأزمات"، كما قالت ليلى الحسيني، مؤسس موقع وراديو صوت العرب من أميركا، لـ"سوريا على طول".

مع ذلك، فإن فرض قانون "قيصر" قيوداً على التحويلات المالية إلى الداخل السوري لغلق باب التمويل المباشر من حلفاء النظام، "تصعب عمليات تقديم المساعدات الإنسانية، وتعيق عمل المنظمات غير الحكومية المعنية بهذا الأمر"، وفق ما ذهبت الحسيني، الأمر الذي يجعل من العقوبات معرقلاً فعلياً لوصول المساعدات إلى مستحقيها ومحتاجيها".

تحرك جدي للمحاسبة؟

مع تراجع الدور الأميركي سياسياً وعسكرياً في سوريا، تتفق المصادر على جدية الولايات المتحدة في تطبيق العقوبات على نظام الأسد، لأنه "لم يبق غير العقوبات" في جعبتها، بحسب العبدالله، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن العقوبات "ربما تضعف النظام وتنهكه وسيتأثر بالفعل، لكنها لن تقدم أي حل حقيقي".

وفيما رأت الحسيني أيضاً أن القانون "يضع مصداقية الإدارة الأميركية على المحك"، وأن إقراره في هذا التوقيت له هدف واضح هو "توجه جمهوري وديمقراطي مناوئ للتمدد الروسي في سوريا، وغير راضٍ عن سياسات أوباما وترامب التي سمحت به"، فإنها حذرت من استغلال هذا القانون سياسياً. 

إذ تمنح بعض مواد القانون للرئيس الأميركي هامشاً لإلغاء العقوبات، "الأمر الذي يتيح لترامب إمكانية استخدام القانون للابتزاز السياسي، بغية الضغط على النظام السوري وحلفائه الروس، لتحصيل مكاسب سياسية في الساحة السورية"، بحسب الحسيني. وقد يظهر ذلك من خلال "التباطؤ في إعداد قاعدة البيانات المتعلقة بالكيانات السورية المشمولة بالعقوبات، وشركاء النظام الذين يُفترض أن تطالهم". وكذلك "تقييم البيانات نفسها وتأويلاتها، لتأتي أخيراً القدرة على تعليق العقوبات لمدة ستة أشهر، إذا رأت السلطة التنفيذية مبرراً لذلك". ذلك أن القانون يخول الرئيس الأميركي سلطة تعليق العقوبات كلياً أو جزئياً، ولا يتطلب التعليق الكلي المؤقت الوفاء بالالتزامات كافة المنصوص عليها. و"إذا قرر ترامب مرة أخرى الإنسحاب التام من سوريا، فإن هذا القرار وحده كفيل بتقويض أهمية قانون قيصر"، كما ذهبت الحسيني. 

ويضع قانون "قيصر" شروطاً لرفع العقوبات أو تعليقها، تتضمن إيقاف قصف المدنيين، وقف التهجير، وإيقاف استخدام الأسلحة المحظورة، وإطلاق سراح المعتقلين، وإنهاء الحصار على المناطق المحاصرة والسماح للمنظمات الدولية بالدخول بشكل سلسل، ومحاسبة مرتكبي الجرائم في سوريا.

وبالنتيجة يظل قانون قيصر "خطوة أولى على طريق العدالة"، كما شددت هانيتشاك. إذ "يجب على النظام وحلفائه، روسيا وإيران، أن يدفعوا ثمن جرائمهم. وزيادة الضغوط الاقتصادية هي خطوة أولى نحو هذا الهدف".