شباب سوريون وسط دمشق في أيار. تصوير: لؤي بشارة/ AFP

غادرت سونيا الحسن (24 عاماً)، في أوائل شهر تموز، مسقط رأسها في ضواحي دمشق الشرقية، التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً، وذلك للمرة الأولى بعد خمس سنوات من الحصار الذي كانت تفرضه القوات الموالية للحكومة على المنطقة.

واستقلت الحسن، معلمة مدرسة ابتدائية، سيارة أجرة من منزلها الواقع في دوما، التي كانت في يوم من الأيام أكبر وأهم مدينة في جيب الغوطة الشرقية المحاصرة، وشقت طريقها إلى وسط مدينة دمشق. وهناك، بدأت عملية التسجيل في جامعة دمشق على أمل في استكمال دراستها والحصول على تحصيل علمي جيد.

وكانت رحلة غير متوقعة لم تكن بالحسبان قبل أشهر بالنسبة لها.

وتقول الحسن لسوريا على طول "عندما وصلت إلى الجامعة رأيت آلاف الطلاب يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، منهم من يدرسون ومنهم من يريد التسجيل الآن، ونحن أمضينا الخمس سنوات الماضية [في الغوطة الشرقية] نفكر فقط كيف سنأكل ونشرب ونبقى على قيد الحياة".

وللمرة الأولى منذ سنوات، تعود الحسن وغيرها من الطلاب السوريين من الغوطة الشرقية إلى العاصمة دمشق من أجل التسجيل في الجامعة أو إنهاء ماتبقى لهم من سنوات دراسية تأخروا عنها كثيراً، وذلك بعد صدور مرسوم رسمي من مجلس التعليم العالي التابع للحكومة السورية، الشهر الماضي، يتيح لهم "تسوية أوضاعهم" كطلاب.

وبموجب القانون السوري لا يحق لطلاب الجامعات، الذين تخلفوا عن حضور حصصهم لأكثر من سنة،  التخرج من الجامعات الحكومية، إلا أن مرسوم الشهر الماضي أعطى الطلاب فرصة جديدة لإكمال تعليمهم العالي والذي نص على أن هؤلاء الذين "تحرروا من المناطق المحاصرة" مؤخراً يمكنهم إنهاء دراستهم على الرغم من عدم قدرتهم على الذهاب إلى الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة لعدة سنوات في الماضي.


وبالنسبة للطلاب الذين تخرجوا من المدرسة الثانوية ولكن لم تسنح لهم الفرصة للتسجيل في الجامعة بسبب الحرب، مثل الحسن، فإن المرسوم نص على العودة إلى التعليم بعد سنوات دون دراسة رسمية أيضاً.

ومضت تلك السنوات تحت القصف واستمرت ضمن حصار محكم إلى أن انتهت بسيطرة القوات الحكومية على الغوطة الشرقية في شهر نيسان.

وتعتبر الحسن من بين مئات الآلاف من سكان الغوطة الشرقية الذين لم يكن أمامهم إلا خيارين إما ركوب حافلات الإجلاء إلى محافظة إدلب الشمالية الغربية، الواقعة تحت سيطرة المعارضة، أو البقاء في المنزل وبدء حياة جديدة مجهولة تحت حكم الأسد بعد سنوات من حكم المعارضة.

أما بالنسبة للطلاب الذين اختاروا البقاء في الغوطة الشرقية، فإن مرسوم حزيران يعتبر تغييرا مرحبا به يسمح لهم بالتخرج من الجامعة أخيراً بعد انتهاء سنوات الحصار التي حطمت آمالهم في الحصول على تحصيل علمي عال.

وعلاوة على أن الدراسة تفتح الباب أمام فرص وظيفية جديدة، فهي أيضاً فرصة للحصول على بطاقة جامعية رسمية تمكن الشباب من تأجيل خدمتهم العسكرية الإلزامية، والمطلوبة من جميع الرجال السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 42 سنة، لمدة عامين.

 

Embed from Getty Images

نساء يحضرن مهرجاناً أقامته الدولة في مدينة دوما في الغوطة الشرقية في آيار. تصوير لؤي بشارة.

وقال سامر ياسين، طالب حاصل على الشهادة الثانوية ولم يتمكن من التسجيل في الجامعة، لسوريا على طول "عندما أسجل يمكنني الحصول على بطاقة جامعية، والتي يمكنها حل العديد من المشاكل الأمنية بالنسبة لي منها التجنيد والاحتياط".

وحصل الياسين، البالغ من العمر 27 عاماً، على شهادة الثانوية العامة عام 2012 وهو العام الذي سبق الحصار المدمر للحكومة السورية على الغوطة الشرقية.

ولم يتمكن الياسين، المحاصر في الغوطة الشرقية، من الذهاب إلى المناطق الحكومية للحصول على شهادة جامعية في دمشق على الرغم من أنه يعيش على بعد 12 كيلومتراً بالسيارة.

وبدلاً من ذلك وكحل أخير، التحق الياسين وغيره من شباب الغوطة الشرقية بجامعات افتراضية على الإنترنت، إلا أنه وفي ذروة حملة القصف والحصار الذي فرضته الحكومة السورية على الغوطة الشرقية، في وقت سابق من هذا العام، لم يتمكن ياسين والكثيرين غيره من إكمال دراستهم بسبب انقطاع الكهرباء والقصف الجوي وقذائف المدفعية المنهالة فوقهم.

واليوم، يخطط ياسين الالتحاق بالجامعة لأول مرة قبل انتهاء موعد التسجيل في أيلول. وعلى الرغم من أنه لا يزال سحب الطلاب الشباب إلى الجيش بعد التخرج ممكناً، إلا أن التفكير في الذهاب إلى الجامعة يشعر الياسين بأنه "عاد إلى الحياة" بعد سنوات من الحصار، على حد قوله.

ولا تخلو عملية الالتحاق بالجامعة من المخاطر فهي تعني الذهاب إلى مكتب التسجيل في جامعة دمشق وملء الإستمارات التي تظهر معدله والفرع والجامعة التي يريد الالتحاق بها، وهي عملية تستغرق عدة أيام وأكثر في دمشق.

وإلى أن يحصل الياسين على البطاقة الجامعية ويبدأ الدراسة مرة أخرى، فإنه يخشى من مغادرة دوما للتسجيل في جامعة دمشق وسط المدينة، حيث أن  نقاط التفتيش الحكومية منتشرة على طول الطريق السريع المؤدي إلى وسط دمشق، ويخاف الياسين من أن يتم سوقه للخدمة العسكرية قبل أن يتمكن من التسجيل في الجامعة.

وأضاف "إذا تمكنت من التسجيل دون أن يتم ملاحقتي على الحواجز، فسوف أتمكن من الحصول على وثيقة تسجيل في الجامعة ومن ثم الذهاب إلى شعبة التجنيد للتأجيل".

وقبل أشهر قليلة، كان ذلك الطريق السريع جزءاً من خط المواجهة بين مقاتلي المعارضة في الغوطة الشرقية والقوات الموالية للحكومة ثم بدأت الحملة الجوية والبرية لاستعادة المنطقة المحاصرة. ودمر الهجوم الشامل الذي شنته دمشق وحلفائها الجيب الذي تم تجويعه وقصفه لعدة أشهر، في حين ردت المعارضة بالقصف واطلاق قذائف الهاون على الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة بشكل متقطع.

وتسببت الحملة العسكرية في كارثة لمئات الآلاف من المدنيين.

واحتمى سكان الغوطة خلال الهجوم لأيام في الملاجئ المؤقتة التي أقيمت في أقبية مبانيهم السكنية. وتم إغلاق شبكة الأنفاق التي كانت وسيلة لإدخال المواد الغذائية والأدوية إلى المنطقة. ولمرتين على الأقل بين تشرين الأول ونيسان، استهدف القصف الذي شنته الحكومة المباني المدرسية التي كانت تضم أطفالا صغارا، وساد جو من الاكتئاب والقلق في المنطقة.

وبحلول آذار، قتل ما لا يقل عن ألف شخص من سكان غوطة البالغ عددهم ٤٠٠ ألف، وفق ما ذكرته منظمة أطباء بلا حدود.

 

Embed from Getty Images

نساء مجتمعات في مهرجان أقامته الدولة في دوما في أيار. تصوير: لؤي بشارة/ AFP

وخلال الهجوم وسنوات الحصار، عمل عبد الرحمن مراد، وهو من أهالي دوما، كموظف في منظمات المجتمع المدني المحلية، التي كانت تقدم المساعدات للمدنيين داخل الغوطة.

وكان أمام مراد، وهو في العشرينات من عمره، عام واحد على تخرجه من كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية في الجامعة التي تديرها الدولة في عام ٢٠١٢. لكن مع تزايد العنف وحصار قوات الحكومة للغوطة الشرقية، لم يعد بإمكانه الوصول إلى مركز المدينة لإجراء امتحاناته. وأصبح حلمه بالتخرج من جامعة دمشق بشهادة في الهندسة الميكانيكية بعيد المنال.

ومرت السنوات وأصبح مراد غير مؤهل لإنهاء تعليمه أو الاستفادة من رصيده من المواد الجامعية التي التحق بها، وفقا للقانون السوري.

وقال مراد لسوريا على طول، من دوما "عدت إلى نقطة الصفر".

ولكن منذ صدور مرسوم الشهر الماضي، بدأ مراد من حيث توقف. حيث يذهب من دوما إلى جامعة دمشق عدة أيام في الأسبوع للالتحاق بالدورة الصيفية وإنهاء السنة الخامسة والأخيرة من دراسته في الهندسة الميكانيكية، فقد "مرت عشر سنوات تقريبا منذ التحقت بالجامعة لأول مرة" بحسب مراد.

وكان مراد قلقا من المرور على الحواجز وهو في طريقه إلى دمشق، ومن الالتحاق بالجامعة مجددا بعد مرور ست سنوات كاملة على مغادرته.  وقال مراد "لكن قلت لنفسي بقيت سنة واحدة فقط حتى أنهي دراستي".

وعلى الرغم من احتمال سحبه للتجنيد الإجباري في وقت قريب، والامتحانات على الأبواب، قال مراد لسوريا على طول إنه سعيد بقراره الآن.

وأضاف "إنه أمر رائع، أن أعود لجامعتي، اعتقدت أن الأمر أصبح مستحيلا".