حياة الدبيس

 

عمّان- عادة، يستدعي البحث عن كلمة "الزعتري" في محرك البحث "غوغل" آلاف النتائج والصور المتعلقة بمخيم الزعتري للاجئين السوريين، والتي قد تتخللها نتائج خجولة عن القرية الأردنية التي احتضنت المخيم الذي حمل اسمها. الأمر الذي يجسد فعلاً حال القرية على أرض الواقع.

إذ قبل اللجوء السوري، كانت "الزعتري"، في محافظة المفرق في البادية الشمالية، "قرية منسية، يكاد لا يعلم أخبارها أحد من غير قاطنيها. وإذا مرّت سيارة لغير أهلها ذاع خبرها، واستقصى السكان عن زائر القرية"، كما تستذكر روان بني خالد في حديثها إلى "سوريا على طول".

في تموز/ يوليو 2012، أنشأت الحكومة الأردنية مخيم الزعتري للاجئين السوريين على أرض صحراوية تبلغ مساحتها 8500 دونم، وتبعد 10 كيلومترات عن الحدود الأردنية-السورية، ما شكل حدثاً مفصلياً في تاريخ القرية التي صار لها أيضاً نصيب من الاهتمام المحلي والدولي بمخيم الزعتري الذي يعدّ أكبر مخيمات اللجوء في العالم.

ويبلغ عدد قاطني المخيم أربعة أضعاف سكان القرية التي تضاعف عدد سكانها أيضاً. إذ بحسب إحصائية للأمم المتحدة، صادرة في شباط/ فبراير الماضي، يبلغ عدد اللاجئين السوريين في مخيم الزعتري 78,597 شخصاً. في المقابل، "يبلغ عدد سكان القرية نحو 20 ألف نسمة، بعد أن كان 8 آلاف نسمة قبل اللجوء السوري" بحسب ما يذكر رئيس بلدية الزعتري السابق، عبد الكريم مشرف، لـ"سوريا على طول".

ويعود أحد أسباب نمو القرية سكانياً إلى كونها تمثل نموذجاً على صعيد استقبال اللاجئين السوريين وادماجهم في المجتمع المحلي. 

إذ "تقبل أهالي [قرية] الزعتري اللاجئين باعتبارهم من ذوي القربى"، لاسيما وأن غالبية أهلها ينتمون لعشيرة "بني خالد"، التي تنتشر أيضاً في مناطق عدّة في سوريا، أهمها محافظة حمص وباديتها. وتالياً "استملك بعض اللاجئين أراضٍ [في القرية] وبنى بيوتاً عليها"، بحسب مشرف.

قرية بصخب عالمي

ما كان لأمجد بني خالد (20 عاما) تخيل أن "صمت القرية" الذي كان يتذمر منه، سيصبح مجرد ذكرى عابرة. فقبل 10 سنوات، كما يستذكر، كان شارع الحيّ الذي يسكنه في قرية الزعتري مساحة لعب آمنة له ولأقرانه من الأطفال، قلما يعبره أحد.

كذلك، كان أبو محمد، صاحب دكّان الحي، "مصدر أخبار القرية"، التي "يعرف سكانها تفاصيل حياة كل بيت فيها"، وفقاً لأمجد.

اليوم، تعجّ قرية الزعتري بسيارات المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية العابرة منها إلى المخيم، فيما "تغلق طوابير الناس [المصطفة] عند مطعم الشاورما شارع الحي الذي كان ملعباً" لأمجد في صغره، بحسب وصفه.

فوق ذلك، أصبحت القرية النائية التي لم يكن يقصدها غالباً إلا سكانها، طريقاً لسياسييّ العالم ومشاهيره المتوجهين إلى المخيم، وبينهم "فنانون كان حلماً أبعد ما يكون عن التحقق مشاهدتهم خارج شاشات التلفاز"، كما تقول روان.

كذلك، رغم العبء الملقى على كاهل الأردن، على أكثر من صعيد، نتيجة استقباله لمئات آلاف اللاجئين السوريين، فإن الاهتمام الدولي بملف اللاجئين السوريين الذين يشكل "الزعتري" أكبر المخيمات المقيمين فيها، أدى إلى تسارع "تطوّر الحركة العمرانية، وانتعاش سوق العقارات في المحافظة ككل" وضمنها منطقة الزعتري، "فضلاً عن تحسن شبكة المواصلات وازدياد نشاطها"، بحسب مشرف.

في هذا السياق، وبسبب النشاط العمراني الناتج عن التزايد السكاني في القرية، ارتفعت أسعار الأراضي في المنطقة، بحيث كان سعر "دونم الأرض داخل التنظيم في القرية يقدر بـ4 آلاف دينار أردني، فيما قد يصل سعره اليوم إلى 20 ألف دينار"، وفقاً لمشرف، الذي يذهب إلى القول إن "اللجوء –مع ما يحمله من سلبيات– ساهم [بما نسبته] 80 بالمائة من النمو التي تشهده منطقة الزعتري".

أهم من ذلك أن المنطقة "لم تكن مشمولة [قبل اللجوء السوري] بمنح البنك الدولي، فيما كانت ميزانيتها [من الحكومة الأردنية] لا تكفي لتقديم الخدمات لأهلها"، بحسب رئيس البلدية السابق. أما "بعد أن شملتها المنح نتيجة اللجوء السوري، فقد تم استثمار [ذلك] في مشاريع خدماتية في المنطقة".

ففي المجال الصحي، على سبيل المثال، ورغم اهتمام المنظمات الدولية، حكومية وغير حكومية، بإنشاء مراكز صحية داخل مخيم الزعتري، فإن القرية استفادت بدورها من هذا الأمر.

وكما يلفت أمجد، كان سكان القرية يعتمدون سابقاً في تأمين الدواء والعلاج على مركز صحي وحيد، فيما "تنتشر اليوم أكثر من مركز صحي و5 صيدليات في القرية". 

استثمارات وفرص عمل

بلغ عدد التراخيص التجارية والصناعية المسجلة بأسماء سوريين في محافظة المفرق ككل، في العام 2019، "نحو 50 ترخيصاً، في مؤشر على توسع الحركة التجارية وتطورها في المحافظة"، كما يقول رئيس غرفة تجارة المفرق، خيرو العرقان، لـ"سوريا على طول".

لكن الحجم الحقيقي لمساهمة اللاجئين السوريين في الأردن، وضمنه المفرق، قد تكون أكبر من ذلك، بحكم وجود مشاريع وأعمال تجارية وصناعية مسجلة باسم أقاربهم أو معارفهم الأردنيين لدى الدوائر الحكومية المعنية.

إذ تشترط الهيئة لحصول السوري على بطاقة المستثمر (ب) أو تجديدها، أن "لا تقلّ حصة مقدم الطلب في رأس المال المسجل في الشركة التي يمتلك حصصاً فيها عن 50 ألف دينار أردني، وأن يوفر المشروع ما لا يقل عن 10 فرص عمل دائمة، وذات قيمة مضافة للأردنيين، مثبتة من خلال كشف الضمان الاجتماعي".

أما عن تأثير اللجوء السوري على سوق العمل في الأردن، فترى رئيس قسم التشغيل والإرشاد المهني في مديرية عمل المفرق، فاطمة البدارين، أن "شريحة واسعة من العمال السوريين لم يؤثروا على شباب المفرق، لأن ما يتقنه السوريون من مهن لا يميل أبناء المحافظة إلى العمل بها".

وتوضح في حديثها لـ"سوريا على طول" أن "السوري جاء إلى الأردن متمكناً من حرف ومهن جعلته يفرض نفسه في سوق العمل".

في السياق ذاته، ساهمت المنظمات الدولية والمحلية التي تعنى بشؤون اللاجئين السوريين في توفير فرص عمل لأردنيين وسوريين على حد سواء، ولو بشكل جزئي. وهو ما حصل مع أمجد بني خالد، الذي يعمل حالياً مع منظمة إنسانية في مخيم الزعتري.

ويؤكد عبد الكريم مشرف أيضاً أن "وجود المؤسسات والمنظمات الدولية وفر فرص عمل للشباب الأردني"، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن "الإشكالية في عدم ديمومة هذه الفرص، وقصر مدتها"، مشدداً على ضرورة العمل على مواجهة هذه الإشكالية، ولاسيما على صعيد الديمومة.

ومع كلّ ما يحمله اللجوء السوري في الأردن من فوائد وتحدّيات للمجتمع المحلي في الزعتري، ترى روان بني خالد أن خروج اللاجئين من الزعتري سيعيد القرية إلى ما كانت عليه، مشبهة المشهد بـ"بيتك عامراً بالضيوف، مع ما يرافق ذلك من حركة ونشاط، ثم عند مغادرتهم تُطفأ الأنوار ويعمّ الهدوء، فيرجع البيت معزولاً كما كان".

 

تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع مؤسسة سوريا على طول "ربط المجتمعات من خلال التشارك المهني" والذي ينفذ بالشراكة مع برنامج "دايركت إيد" التابع للسفارة الأسترالية في عمان.