في ربيع 2015، ومع اقتراب قوات الثوار من السيطرة على مدينة إدلب من النظام، سارع العاملون في متحف إدلب الوطني إلى إنزال مجموعة الأثار، بينها ألواح مسمارية لا تقدر بثمن، وتعود إلى 2500 قبل الميلاد، إلى مستودعات مقفلة تحت الأرض.

وبعد ستة أيام من سيطرة جيش الفتح، وهو تحالف ثوري يضم أحرار الشام وجند الأقصى وجبهة النصرة، على مدينة إدلب، تسبب برميل متفجر من قبل النظام بإحداث فتحة في سقف إحدى غرف المستودعات، وكشف محتوياتها.

ومع تردد شائعات بأن القطع الأثرية نهبت، لم يُسمح لأيٍ كان، سواء من العاملين في المتحف أو غيرهم، بدخوله. وأوصد المتحف، منذ ذلك الحين، تحت حراسة شديدة من قبل أحرار الشام.

ولتسعة عشر شهراً، بقي مصير المجموعة الأثرية يكتنفه الغموض، حتى لأولئك الذين كانوا يعملون في المتحف ذات يوم.

وفي بداية تشرين الأول، عادت بعض القطع الأثرية المنهوبة للظهور في إحدى مقرات جند الأقصى في ريف إدلب، وذلك بعد سيطرة أحرار الشام، الفصيل الخصم على المقر، في الاقتتال الثوري الدائر بينهما. وأظهرت صوراً نشرت على الإنترنت من قبل الأحرار صناديق بلاستيك مملوءة بأكياس مرقمة تحتوي على التحف الأثرية والقطع الفخارية.

وسرعان ما ميز أيمن النابو، القطع الأثرية، والنابو هو مؤسس ومدير مركز آثار إدلب، وهو منظمة مؤلفة من موظفي المتحف سابقاً وتهدف إلى حماية أثار المدينة. ويوثق المركز أيضا بيع وتهريب القطع الأثرية. وعمل النابو في قسم البحوث في المتحف قبل إغلاقه بعد سيطرة الثوار على مدينة إدلب.

صناديق البلاستيك المملوءة بالقطع الأثرية في مقر لجند الأقصى، بريف إدلب. حقوق نشر الصورة لأحرار الشام. 

والقطع الأثرية الظاهرة في الصور التي نشرتها الأحرار هي عبارة عن "قطع فخارية"، وفق ما قال نابو لـ نورا حوراني، مراسلة في سوريا على طول، مشيراً إلى أنها ليست ذات قيمة مادية كبيرة، وإنما لها قيمة تاريخية، حيث تستخدم كعينات للدراسة، لتحديد عمر الطبقات والسويات التي تم اكشاف القطع بها، ولتحديد عمر التلال الأثرية.

وقال نابو إن "السارق لن يميز القطع الثمينة من غيرها". وإدلب هي موطن لأكثر من 760 موقعاً أثرياً، وهو ما يمثل ثلث مجموع المواقع الأثرية في سوريا و51 في المئة من التلال الأثرية في البلد.

ورغم أن ظهور بعض القطع الأثرية، إلا أنها لم تسلم إلى مركز أثار إدلب. وما يزال مصير القطع الأثرية المتبقية مجهولاً، وربما اختفت أيضاً. وقال نابو "للأسف المناطق المحررة تحولت إلى سوق سوداء لتجارة الآثار، وفي هذه الأوضاع هي تجارة نشطة جداً".

هل تتوقع أن المتحف أفرغ بشكل كامل؟ وهل طالبتم بالدخول للتأكد من أعداد القطع التي تم سرقتها؟
نحن نعلم أنه تم إخراج كميات من القطع الأثرية وليس جميعها، لكن أكثر ما يهمنا من الآثار الألواح المسمارية التي تم اكتشافها في موقع ايبلا والتي يبلغ عددها حوالي 15000، وحاولنا أن نستفسر عن القطع المتبقية أو ما تبقى بالمتحف ولكن لم نصل إلى نتيجة مع الجهات صاحبة القرار، سواء من جيش الفتح او الأحرار أو النصرة، لم يكن لديهم إرادة بتفعيل دائرة آثار بديلة عن التي سقطت من يد النظام.

وأنا بدوري قدمت عدة طلبات لإدارة جيش الفتح بتفعيل مديرية الآثار، أسوة بما تم تفعيله من مديريات مدنية وتعليمية في المدينة، كما طالبت بتشكيل لجنة جرد مختصة لمعرفة ما تم إخراجه من المتحف ولكن دون جواب لا سلباً ولا ايجاباً.

وعلى ما يبدو أن هناك ملابسات بشأن قرار إدارة المتحف، فالمتحف له مجموعة من الشركاء الذين شاركوا بتحرير إدلب مثل فيلق الشام وأحرار الشام وجبهة النصرة وجند الأقصى، وبقي المتحف نقطة غامضة حتى لحظة الاشتباكات بين الأحرار والجند وظهور الصور.

كيف تأكدتم أن الآثار التي تم عرضها هي آثار من متحف إدلب الوطني؟

القطع التي تم عرضها بالصور والفيديو، هي قطع كانت محفوظة في مستودعات متحف إدلب الوطني قبل الثورة، ومجموعة جميعها في القبو الأرضي، وكانت معدة للدراسة من قبل بعثاتنا الأثرية.

 (النابو، وأعضاء آخرون من مركز أثار إدلب، عملوا في متحف إدلب الوطني قبل سيطرة الثوار على المدينة في عام 2015)

 وإحدى مهامنا كانت حفظها في أكياس خاصة وترقيمها بأرقام ورموز معينة وفق المربعات والتلال الأثرية ومواقع التنقيب التي تم اكتشافها بها.

 

القطع الأثرية التي قيل أنها نهبت من متحف إدلب الوطني، السنة الماضية. حقوق نشر الصورة لـ أحرار الشام

ما أهمية هذه القطع الأثرية التي عادت للظهور؟

بالنسبة لأهمية القطع الظاهرة في الصور، فهي عبارة عن قطع فخارية ليست ذات قيمة مادية كبيرة، وإنما لها قيمة تاريخية، حيث أنها تستخدم كعينات للدراسة، لتحديد عمر الطبقات والسويات التي تم اكشاف القطع بها، ولتحديد عمر التلال الأثرية.

من المشرف والمسؤول عن المتحف؟ وهل وثقتم سرقات للآثار قبل ذلك؟

منذ سيطرة قوات المعارضة على مدينة إدلب في 2015 وضعت مسؤولية حماية المتحف وحراسته من قبل أحرار الشام منذ اليوم الأول لتحرير المدينة من النظام، ونحن كمسؤولي بعثة أثرية مباشرة في اليوم الثاني للتحرير، ذهبنا إلى المتحف وقمنا بالتوثيق والمعاينة لمدة خمسة أيام على التوالي، وكانت الأمور جيدة.

والنظام قام بسرقة بعض القطع من المعروضات، حيث أن صالة المعروضات في المتحف كانت تحوي قطع مزورة أي قطع طبق الأصل، وكذلك بعض التماثيل الحجرية والمعروضات الذهبية والتي تم إخراجها من قبل النظام.

ولكن في اليوم السادس تم إلقاء برميل متفجر من قبل قوات النظام أصاب الجهة الجنوبية من المتحف، مما أدى إلى إحداث فتحة في سقف المستودع (المستودعات تمتد على طول مساحة المتحف تحت الأرض لتصل إلى مساحات خارج مساحة المبنى).

وكل القطع الأثرية تقريبا تم إنزالها إلى هذه المستودعات من بداية الثورة ولم يبق إلا القليل من المعروضات في بناء المتحف.

بعد ذلك وصلتنا معلومات وتسريبات، ما لبثت طويلا حتى تم تأكيدها من حركة احرار الشام خلال اجتماعاتنا معهم، بأنه تم افراغ وسرقة كمية من الآثار من المستودع دون تحديد الجهة المسؤولة عن ذلك.
هل سمح لكم بالدخول إلى المتحف بعد العلم بسرقة بعض القطع؟

كلا، لم يتم السماح لنا بالدخول بعد ذلك، حيث تم وضع حراسة مشددة على المتحف وجاءت أوامر بمنع دخول أي جهة سواء كانت مختصة أو غير مختصة.

الأحرار بدورهم قاموا بفتح تحقيقات بشأن القطع التي أُخرِجت من المتحف، وتم إبلاغنا بأنهم يقومون بمتابعة الموضوع لمعرفة الفاعل، ولكن بقينا نتابع الموضوع مع الأحرار لمدة سنة كاملة دون الوصول لأي نتيجة، ومنذ ذلك الحين بقى سر المتحف مدفوناً وطي الكتمان.

ذكرت أن القطع التي عرضت بالصور ليست ذات أهمية مادية كبيرة، برأيك أليس من الأولى سرقة القطع المسمارية الثمينة؟

جميع القطع الأثرية توضع في أكياس وصناديق خاصة، وبالنسبة للقطع المسمارية الثمينة يتم وضعها بصناديق خشبية مقفلة وبطريقة خاصة تحفظها من الرطوبة والتلف باستثناء التماثيل الكبيرة تبقى مكشوفة، لذلك لا يظهر ما بداخل الصندوق، وعلى الأغلب أن الفاعل لن يميز القطع الثمينة من غيرها، ومن الممكن ان يتسبب فتح الصندوق بضرر للقطع.

لذلك هم قاموا بافراغ المستودع الذي تم كشفه بسبب القصف من جميع الصناديق، أما المستودعات المتبقية هي عبارة عن مخازن بدون أبواب، وإذا أراد أحد دخولها فعليه تدمير جدران المستودع.

هل توثقون عمليات التجارة وتهريب الآثار في المدينة وما هو دور مركزكم بهذا الخصوص؟ وهل هناك مناطق أثرية أخرى مهمة تشرفون عليها؟

للأسف المناطق المحررة تحولت إلى سوق سوداء لتجارة الآثار، وفي هذه الأوضاع هي تجارة نشطة جداً، ومن مهمات مركزنا توثيق القطع التي يتم الاتجار بها وتهريبها، ويوجد تحت حمايتنا الآن أكثر من 1700 قطعة وأكثر من 3400 قطعة موثق أنه تم إخراجها من البلد، وكل قطعة لها رقم وبطاقة تعريفية موثقة عندنا وهناك عشرات الآلاف من القطع التي يتم تداولها للبيع في السوق، وأي قطعة نسمع من الناس عنها نحاول الحصول على صور لها وتوثيقها مباشرة.

ومن صميم عملنا الحفاظ والاحتفاظ بجميع القطع الأثرية، فهي محمية في مناطق متفرقة خاصة تابعة لنا، ونملك سجلات كاملة بموجودات المتحف والقطع الأثرية، ولدينا تواصل مع المحاكم الشرعية والشرطة المجتمعية والمجالس المحلية والمدنية وهناك وثائق وتفاهمات تم توقيعها معهم.

هناك العديد من المواقع الأثرية؛ فمحافظة إدلب فيها 760 موقعا أثريا مسجلا بقرارات وزارية سابقة، منها خمسة مواقع مسجلة على قائمة التراث العالمي.

ترجمة: فاطمة عاشور