يطل المخيم على حفرة مليئة بالأتربة في قرية الهول الصغيرة في محافظة الحسكة، وتحرس مدخله قوات الأمن الكردية.

دخلت العاملة في المجال الإغاثي، أنيتا ستاروستا، إلى جانب مجموعة من العاملين في الهلال الأحمر الكردي، البوابة الأسبوع الماضي- وكان في الواجهة منطقة استقبال مخيم الهول الواسعة. إنها مساحة تغمرها الفوضى واليأس، وتملأها طوابير النساء اللاتي بقين خلف تنظيم الدولة، مرتديات النقاب الأسود، بينما ينتشر بينهن الأطفال الجرحى.

ويعتبر المخيم مكان احتجاز لمن بقي من عناصر تنظيم الدولة الذي كان يطلق على نفسه اسم "الخلافة". ويعد مخيم الهول، الذي يضم صفوفاً لا نهاية لها من الخيام، ويقطنه أكثر من ٧٣ ألف امرأة وطفل، حلاً مؤقتاً للمجتمع الدولي لأزمة إنسانية وقانونية متزايدة. ويكمن في صميم هذه الأزمة السؤال عما يجب فعله مع النساء التابعات للتنظيم، وأطفالهن الذين ولدوا تحت حكم المجموعة المتشددة.

وفي زيارتها الأخيرة للمخيم مع المنظمة غير الحكومية الألمانية Medico، التي تهدف إلى وضع أسس بناء مستشفى ميداني جديد، تفاجأت ستاروستا بالنقص الحاد في الرعاية الطبية والمواد الأساسية في المركز الذي تديره جمعية الهلال الأحمر الكردي.

وأسرعت إحدى النساء إلى ستاروستا في منطقة الاستقبال، وطلبت منها بلغة إنجليزية متقنة المساعدة في العودة إلى بلدها الأم.

وقالت ستاروستا لمراسل سوريا على طول، باريت ليموج "رأيت عينيها فقط. لا أعرف من أين هي، لكن من الواضح أنها جاءت من مكان آخر من العالم".

وهزم التنظيم بصعوبة بالغة، بعد سنوات من القصف الدموي وقتال الشوارع في جميع أنحاء شرق سوريا، وكذلك العراق. لكن هناك أزمة جديدة تتفاقم، حيث خلف التنظيم عشرات الآلاف من النساء والأطفال بعد هزيمته.

ووفقا لستاروستا، فقد تم وضع نساء التنظيم في بيئة حيث يتزايد التعاطف الفطري فيها وينمو.

وقالت "إذا لم يتوصل المجتمع الدولي إلى حل لهذه المشكلة، فإن الوضع سيبقى هكذا. ستبقى هؤلاء النساء والأطفال في الهول لسنوات".

 

هل يمكنك أن تصفي لنا كيف كان دخولك إلى المخيم؟

عندما وصلنا إلى المخيم، مررنا أولا بكامل القرية، التي كانت تحت سيطرة التنظيم حتى عام ٢٠١٥ وحررتها غارات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في ذلك الوقت. لذلك ما يزال هناك سجن للتنظيم، وما يزال المكان الذي نفذوا فيه عمليات الإعدام موجوداً. ويمكن رؤية الأنفاق التي بناها التنظيم هناك.

كانت مجرد قرية صغيرة ولكنها أيضا مهمة جداً بالنسبة للتنظيم. هناك عدد قليل من التلال، لذا شكلت القرية موقعاً استراتيجياً لهم.

عندما دخلنا المخيم كان مزدحماً بشكل واضح. كان الجو غريباً جداً- ليس عدوانيا، ولكن من الصعب وصفه.

رأينا في كل مكان أيضا النساء والأطفال المصابين والمتعبين. كان الأمر مختلفا عن أي مخيم آخر زرته للاجئين.

هل كان هناك حرية في التواصل مع الناس في المخيم؟

كان باستطاعتنا التحدث إليهم. وكان أول تفاعل لي معهم في منطقة الاستقبال- مع امرأة واحدة تتحدث بلغة إنجليزية ممتازة. لا أعرف من أين جاءت، لكنها اقتربت مني كونها رأت أني من العالم الغربي، وسألتني عما إذا كنت من الصليب الأحمر الدولي، قائلة إنها فقدت زوجها وأطفالها، وسألت عما إذا كنت أستطيع مساعدتها.

 

ثم جاءت امرأة أخرى وسألت عما إذا كنت أعرف مكان زوجها. أعتقد أن الكثير من النساء فقدن أزواجهن في المعركة أو أنهن من مقاتلات التنظيم اللاتي تم أسرهم الآن. التفاعل بهذه الطريقة ليس سهلاً.

من يقيم فعليا في مخيم الهول؟

سوريون، والكثير من العراقيين، والكثير من الناس من تركيا. كنا في منطقة الاستقبال حيث يتوجب على جميع الأشخاص الذين وصلوا إجراء فحص طبي أولا والانتظار حتى الحصول على خيمة خاصة بهم.

في منطقة الاستقبال هذه، شاهدنا الكثير من الأطفال الأجانب، ولكن ليس الأوروبيين - أعتقد أنه تم وضعهم مباشرة في القسم الدولي.

من هم الأشخاص الذين يتم احتجازهم فعليا في القسم الدولي؟

الجميع: ألمانيين، بلجيكيين، فرنسيين، بريطانيين، أمريكيين، روسيين، سودانيين، جزائريين. قالوا إن هناك حوالي ٥٠ جنسية مختلفة. لا أعرف إن كان هناك مكان آخر مثل هذا.

هل شعرت بأنه مثل المخيمات الأخرى التي قمت بزيارتها؟

إنه مخيم للاجئين، وليس سجناً شديد الحراسة. لقد زرت مخيمات اللاجئين الأخرى في هذه المنطقة ويبدو الأمر مشابها. هناك قوات أمن عند المدخل، لكن يمكننا التحرك بسهولة دون وجود قوات أمن داخل المخيم.

أما القسم الدولي فتحرسه قوات الأمن العسكرية- وهذا مكان خاص.

لكن بقية المخيم، بالنسبة لي، كأي مخيم للاجئين رأيته في هذه المنطقة العام الماضي. لا يسمح للأشخاص بمغادرة المخيم، لكنهم أخبرونا أن بإمكانهم استقبال الزوار مرتين في الأسبوع.

كانت هناك أنباء واسعة الانتشار عن الازدحام في الهول- هل يبدو ذلك واضح على الفور عند التجول في المنشآت؟

نعم هو كذلك، لكنني أعتقد أن الوضع يستقر فعلياً. لكن هناك المئات من النساء ينتظرن الذهاب إلى الطبيب والممرضة، لذلك لا يزال هناك ازدحام. منطقة الاستقبال الآن مزدحمة كما كان الحال قبل بضعة أسابيع.

ولا يزال هناك أشخاص يشاركون خيمهم مع 20 أو 30 شخصًا آخرين، ينتظرون الحصول على خيمهم الخاصة بهم.

تحدثت معنا امرأة من الأشخاص الذين جاؤوا من منطقة الباغوز. لديها 13 طفلاً، وزوجها إما إنه قد مات أو ليس معها. كانت قد انتظرت 20 يومًا في منطقة الاستقبال للحصول على خيمة خاصة بها.

كما أن الموظفون المحليون والمنظمات غير الحكومية يحاولون بذل قصارى جهدهم للمساعدة - إنهم يعملون 24 ساعة في القسم الصحي - لكنهم ما زالوا بحاجة إلى المال و إلى المزيد من الدعم.

هل هناك أي نظام واضح لتنظيم أو لفصل المجموعات و الأشخاص المختلفين في المخيم؟

الشعب العراقي في قسم واحد، لأن العديد منهم كانوا هناك منذ فترة. هناك فكرة - لا تزال مجرد فكرة - لإعادتهم مرة أخرى إلى العراق.

جميع الأشخاص الذين وصلوا مؤخراً هم من منطقة الباغوز. هؤلاء هم الأشخاص الذين كانوا يتنقلون مع تنظيم الدولة وكانوا معهم وقت انتهاء الخلافة.

هل لاحظت أي مشاكل في توفير المساعدات خلال وقتك في الهول؟

هناك إمكانية للحصول على المساعدة. يوجد مركزان صحيان في المخيم. بأمكانك الذهاب إلى مركز الهلال الأحمر الكردي الصحي، وهناك أيضًا مركز صحياً آخر.

كما أنهم يقومون الآن ببناء مستشفى جديدة، وهناك منظمة غير حكومية مستعدة لبناء مستشفى آخر في المخيم، ولكن هناك تأخير بالتأكيد. لقد رأيت الكثير من الأشخاص الذين يعانون من جروح مفتوحة وبحاجة إلى عمليات.

و إذا كان لدى الهلال الأحمر الكردي، شخص ما بحاجة فعلية إلى المساعدة، يتم نقله إلى المستشفيات في الحسكة أو القامشلي. لكن معظم هذه المستشفيات الآن مكتظة، لأن السكان المحليين هناك يحتاجون أيضًا إلى رعاية صحية. لذا، فإن هناك مشكلة كبيرة بالفعل، ولم تعد هناك مستشفيات محلية يمكن إحضار الناس إليها.

لقد قمت بزيارة قرية كردية على بعد ساعات قليلة من الهول. هل يمكنك التحدث قليلاً عن تلك التجربة بعد زيارة أسر مقاتلي تنظيم الدولة؟

بعد يوم من ذهابنا إلى مخيم الهول، قمنا بزيارة المجتمع الايزيدي في المدينة. يوجد لديهم منزل يسمى - "البيت الايزيدي"، حيث يستقبلون فيه النساء والأطفال الذين أسرهم تنظيم الدولة. إنهم يحاولون إعادة دمجهم في المجتمع. وهناك التقينا أيضاً بثلاث فتيات تم القبض عليهن من قبل التنظيم.

 

كانوا قد اعتادوا التحدث باللغة الكردية، لكن الآن بالكاد يتحدثونها، أنهم يتحدثون العربية فقط. لقد فقدت تلك الفتيات آبائهن وأصبحوا أيتاماً الآن. تتراوح أعمارهم بين الأربع سنوات والسبع سنوات، لذا كان من المدهش سماع ما عانوه في ظل تنظيم الدولة، فقد عاشوا في الأسر من قبل التنظيم. أخبرونا بقصص فظيعة عما عانوه.

إن الأولاد الايزيديين الذين أتوا  تلقوا تعليمهم بالكامل من قبل داعش. إنهم لا يريدون رؤية النساء، ويقولون لهن "اذهبن بعيدًا. لا نريد التحدث إليكن دون النقاب"، وأشياء من هذا القبيل. لقد كانوا أولاداً أيزيديين، ولكنهم تلقنوا عقيدتهم بإيديولوجية التنظيم.

لذا، يوجد هناك سؤال كبير ومهم حول ما يجب القيام به مع هؤلاء الأولاد.

هل تشعرين أن الوضع في الهول مستمر، أم أن هناك خطة للطوارئ وضعت من أجل التحضير للمستقبل؟

هناك طريقتان للإجابة على هذا السؤال. الأولى، الحالة الإنسانية هناك استقرت، ولكن الرعاية الصحية ضرورية. أريد حقاً أن أدعو الحكومات الدولية إلى دعم منظمة الهلال الأحمر الكردي لأنهم بحاجة إلى تلك المساعدة التي تخص المسألة الإنسانية.

ومن جهة أخرى، فإن السؤال الكبير هو ما يجب القيام به مع كل الناس الذين تطرفوا بسبب التنظيم، خاصة الأطفال. وهناك نساء ما زلن يتبعن أديلوجية التنظيم، قائلين إنهن يتبعن أوامر [زعيم التنظيم] أبو بكر البغدادي، الذي طلب منهن الذهاب إلى المخيم وإنشاء خلافة جديدة هناك.

هناك أيضًا نساء يقلن إنهن نادمات على كل شيء، وأنهن يرغبن فقط في العودة إلى منازلهن و بلدانهن الأصلية.

بالتأكيد، لا تزال المئات من النساء متطرفات تمامًا، وهناك أطفال نشأوا وهم يطمحون بأن يكونوا مقاتلين مع التنظيم. هؤلاء بحاجة حقيقة إلى علاج نفسي وبرامج تربوية تسهيل عودتهم مرة أخرى الى الحياة الطبيعية، وإلا سيكون هناك جيل جديد من الإرهابيين ينشأون في المخيم.

أعتقد أنه يجب أن يكون هناك حل دولي. جميع الأشخاص الذين تحدثنا معهم قالوا أنهم لا يستطيعون من إدارة الوضع بهذه الطريقة، حيث لا توجد لديهم معرفة كافية لإدارة الموقف، وليس لديهم المال، وليس لديهم ما يكفي من الأشخاص الذين يضمنون لهم أن لا يستمر ازدياد المتعاطفين مع الإرهاب في المخيم.

في الوقت الذي لا يزال هناك الكثير من النقاش حول ما يجب القيام به مع نساء وأطفال التنظيم، هل يمكنك أن تتنبئي من أرض الواقع إلام ستؤول إليه الأمور في المستقبل؟

إذا لم يتوصل المجتمع الدولي إلى حل، فإن الوضع سيبقى كما هو. سيبقى هؤلاء الناس في مخيم الهول لسنوات. هناك محاولة لإعادة الشعب العراقي إلى العراق، وهناك أيضًا فكرة لإنشاء معسكر إضافي لاستيعاب حوالي 20000 شخص فقط لتخفيف الضغط. إذا لم يتمكن المجتمع الدولي من إعادة تأهيل هؤلاء النساء والأطفال الى الحياة الطبيعية مرة أخرى، فسيبقون على قناعاتهم.

وهناك أيضاً سوريون من حمص وإدلب وحلب، ولا يمكن إعادتهم إلى مناطق النظام، لذا سيبقون هناك.

ومع ذلك، قالوا أن الذين عاشوا في مناطق الباغوز ولم يكونوا جزءًا من التنظيم، بإمكانهم العودة في غضون شهرين عندما تصبح المنطقة خالية من الألغام. أولئك، سيعيدون بنائها الآن، لكن المنطقة دمرت بشكل كامل.