"كرامة الموتى" على المحك في شرق حلب مع قرب بدء عملية نقل آلاف القبور العشوائية

بعد انتهاء الغارة الجوية، خرجت أم أحمد من بين جدران ما تبقى من منزلها في شرق حلب وهي تصرخ.

كانت تنادي يائسة "عمر! يا عمر!"، عبر الدخان المتصاعد، كان ابنها البالغ من العمر ١٢ عاماً لا يزال في الداخل. لكن صوت القصف الذي أصاب منزل أم أحمد، في وقت سابق، لا يزال يرن في أذنيها، لذا لم تسمع أنه لم يكن هناك أي رد.

كان ذلك في صبيحة اليوم السادس عشر من تشرين الثاني ٢٠١٦، وكانت المناطق المحاصرة، التي تسيطر عليها المعارضة، في ثاني أكبر مدن سوريا تواجه قصفاً عنيفاً من قبل النظام لفرض سيطرته عليها، وأحالت مئات الغارات الجوية، التي شنتها الطائرات الروسية والسورية، المباني السكنية في منطقة السكري على الجبهات، حيث كانت تعيش أم أحمد، إلى ركام.

وهناك، بعد ساعات فقط من انتهاء الغارة الجوية التي قتلته، دُفِن عمر، بسرعة في أرض خالية بجوار مكتب هيئة الطب الشرعي التابعة للمعارضة، وكان شقيقه الأكبر، أحمد، الوحيد الحاضر من أفراد الأسرة. وقام اثنان من موظفي الهيئة بمشاهدة وتوثيق الدفن.

تقول أم أحمد لسوريا على طول "لم يكن لدينا خيار آخر سوى دفنه هناك"، حيث امتلأت المقابر الرسمية في المناطق الشرقية للمدينة القديمة - التي استولى عليها الثوار لأول مرة في عام ٢٠١٢ - منذ وقت طويل، وعلى نحو متزايد، دُفن ضحايا القصف المكثف خارج مكتب هيئة الطب الشرعي، أو في الحدائق العامة والساحات.

هيئة الطب الشرعي في حلب توثق دفن أحد الموتى في شرق حلب في عام ٢٠١٦. تصوير: أديب منصور.

انتهى الهجوم الشرس على شرق حلب بعد أسابيع من الهدن الهشة وصفقات الإجلاء. ومع استعادة الحكومة السورية السيطرة، انضمت أم أحمد لآلاف من السكان الآخرين ممن استقلوا الحافلات الخضراء متجهين غربا، ولم تكن متأكدة من عودتها لزيارة قبر ابنها.

تقول أم أحمد "بقيت قطعة من روحي مدفونة هناك".

واليوم، بعد مرور أكثر من عام على معركة حلب، لا تزال جهود إعادة الإعمار جارية. حيث خصصت الحكومة السورية ملايين الدولارات لإعادة إعمار البنية التحتية للمدينة، ووضعت خططاً لإصلاح المدارس والمستشفيات والمرافق العامة.

ولكن مع إعادة إعمار حلب ببطء، فإن مصير المقابر المؤقتة حيث تم دفن آلاف الجثث، مثل عمر، لا يزال معلقاً.

وفي ليلة الأربعاء الماضي، أعلن مجلس مدينة حلب أنه من المقرر أن يبدأ يوم الخميس نقل تلك الجثث من مواقعها الحالية، في المناطق التي كانت تحت سيطرة الثوار سابقا، إلى مقبرة في ضواحي المدينة.

وفي الإعلان، دعا المجلس التابع للحكومة السورية عائلات حلب إلى زيارة مكتب دفن في المدينة "للعمل على نقل الجثث"، ولم يحدد المجلس إطاراً زمنياً كاملاً للعمليات أو تفاصيل حول طريقة العمل.

وأثار الإعلان عن خطة نقل القبور لأول مرة في كانون الثاني، قلق مسؤولي الطبابة الشرعية، التابعة للمعارضة في حلب، من عدم قدرة الحكومة السورية على تحديد هوية الجثث، طالما أن سجلات الموت والدفن أخرجت من المدينة خلال عملية الإجلاء في عام ٢٠١٦، ووسط فوضى المعركة النهائية، دفن بعض القتلى دون أي توثيق على الإطلاق.

في هذه الأثناء، يقول أقارب قتلى شرق حلب - ممن يقيمون داخل المدينة وخارجها- إنهم قلقون من احتمال فقدان بقايا أحبائهم، ويخشون السؤال عن العملية أو المشاركة فيها بشكل جدي.

وتسلط التعقيدات والمخاوف المحيطة بخطة نقل المقابر المؤقتة في حلب - بالإضافة إلى مخطط مماثل في مدينة حمص- الضوء على عدد قليل من التحديات التي تواجه حكومة الأسد في سعيها لإعادة بناء اثنتين من أكثر المدن تضرراً في البلاد، والتي كانت ساحات معارك سابقة دفن القتلى بين حطامها.

الخطة

قال مجلس مدينة حلب في بيان نشر على صفحته الرسمية على الفيس بوك في كانون الثاني إن خطة الحكومة لنقل الجثث من جميع المقابر المؤقتة إلى خارج المدينة تهدف إلى "حماية" الأماكن العامة.

وجاء في البيان أنه بسبب "الفترة التي مرت بها حلب نتيجة الحرب الإرهابية على سوريا اضطر العديد من الأهالي من دفن موتاهم في الأماكن غير المخصصة للدفن"، مضيفاً أنه تم تخصيص مبلغ ٥٠ مليون ليرة سورية للعملية.

ولم يتم الإعلان عن موعد لبدء التنفيذ حتى ليلة الأربعاء، حيث صدر بيان آخر عن المجلس يوضح أن عملية نقل القبور ستنطلق يوم الخميس، بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري ومديرية صحة حلب.

وبالرغم من ذلك، قال متحدث باسم الهلال الأحمر السوري فرع حلب لسوريا على طول عبر الهاتف، يوم الخميس، إن منظمته "لن تشارك في العملية"، وأضاف أن الهلال الأحمر يعمل حصرياً على نقل الجثث قرب الخطوط الأمامية وفي مناطق الاشتباكات.

في السياق، قام متحدثون من محافظة حلب ومديرية الصحة في حلب، عند تواصلنا معهم، يوم الخميس، بتوجيه جميع أسئلة سوريا على طول بشأن نقل القبور إلى مجلس مدينة حلب. بدورها تواصلت سورية على طول مع مجلس مدينة حلب عدة مرات في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك يوم الخميس، لكنها لم تتلق أي رد.

ووفقًا للبيانات العامة الصادرة عن مجلس مدينة حلب، سيتم نقل أكثر من ٥٤٠٠ قبر فردي من ٣٨ موقعًا منفصلاً في المدينة.

يقول محمد كحيل، مدير الطبابة الشرعية بحلب، إن عدد القبور العشوائية في المدينة أعلى بكثير من العدد الذي أقرت به الحكومة.

وكانت لجنة الكحيل، وهي جزء من مديرية صحة حلب التي تديرها المعارضة، مسؤولة عن توثيق وتسجيل الوفيات في المناطق التي يسيطر عليها الثوار في شرق حلب منذ تأسيسها في عام ٢٠١٣ إلى أن استعادت الحكومة المدينة في نهاية عام ٢٠١٦ وغادرتها مؤسسات المعارضة.

يقدر الكحيل أن هناك ما يقدر بـ ١٠ آلاف قبر عشوائي في حلب، ينتشر معظمها في أربعة مواقع رئيسية، بما في ذلك مكان فارغ بجوار مكتب اللجنة في حي السكري. ويقول إن العشرات من مواقع الدفن الأخرى لا تحتوي على أكثر من ١٠ جثث.

وتابع الكحيل إن إحصائيات الدفن "تقريبية"، حيث أن اللجنة الشرعية لم تكن قادرة على توثيق جميع عمليات الدفن التي حدثت على أطراف المتنزهات العامة وفي الحدائق خصوصاً "عندما ارتفعت وتيرة القصف وأصبحت الحياة اليومية شبه مشلولة" في أواخر عام ٢٠١٦.

"كرامة الموتى"

لا تزال الإجراءات والممارسات التي سيعتمدها مجلس مدينة حلب التابع للحكومة السورية خلال عملية نقل الجثث غير واضحة. حيث أن المشروع لم يبدأ بعد، والبيانات العامة غامضة.

ويقول خبير الطب الشرعي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا، أندريس رودريغيز زورو، لسوريا على طول أنه يجب توخي الحذر أثناء عملية النقل "لضمان حماية كرامة الأموات وعدم فقدان العائلات لبقايا أحبائهم".

وأضاف زورو إن إجراءات التخطيط والتوثيق والنقل وإعادة الدفن يجب أن تتم بشكل مثالي بإشراف خبراء شرعيون.

ويخشى مدير لجنة الطبابة الشرعية في المعارضة، محمد كحيل المتواجد في ريف حلب الغربي، والذي تحدثت معه سوريا على طول عدة مرات في الأسابيع الأخيرة، من أن أي هيئة حكومية أو هيئة تابعة لها مكلفة بنقل قبور حلب قد لا تكون قادرة على تطبيق المعايير الدولية بسبب نقص المعلومات، وقال "النظام لا يملك أي معلومات عن هؤلاء الجثث".

وعندما أعادت الحكومة السورية سيطرتها على حلب، كان كحيل وطاقمه خرجوا من المدينة وأخذوا معهم جميع ملفاتهم التي تتضمن معلومات مثل شكل الجثة وأسباب الوفاة وموقع الدفن.

ويؤكد كحيل أن لجنة الطبابة الشرعية مستعدة وراغبة في تقديم المعلومات الضرورية لأي هيئة دولية محايدة أو منظمة حقوقية يتم تعيينها لهذه المهمة.

وكانت لجنة كحيل ناشدت في شهر شباط "كافة هيئات المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان" لمنع نقل أي قبور "إلا تحت إشراف هيئات ومنظمات حقوقية محايدة" ووفقاً للمعايير الدولية، وذلك في بيان نشر على الإنترنت، لكنهم لم يتلقوا أي رد بحسب قوله.

وأضاف أن فريقه مستعد لدخول مدينة حلب إذا لزم الأمر لكن "لا يمكننا أن نذهب إلى حلب دون حماية، لأننا مطلوبين ومستهدفين من النظام".

"أي شخص ممكن يخبر عنا"

ودون ملفات الطبابة الشرعية فإن الحكومة السورية لاتستطيع التعرف على الجثث "إلا إذا تأكدوا أن هذا القبر هو قبر فلان من الناس إما عن طريق شهود عيان أو اللجوء إلى فحص DNA" بحسب الكحيل.

والحصول على شهود عيان جديرين بالثقة "شبه مستحيل لأن معظم الأهالي يخشون العودة إلى مناطق النظام خوفاً من الاعتقال والقتل" على حد قوله.

حيث غادر عشرات الآلاف من سكان حلب الشرقية المدينة إلى أراضي المعارضة خلال عملية الإخلاء التي تمت في أواخر 2016، وعاد بعضهم إلى المدينة فيما بعد، بينما بقي آخرون خارجها أو في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة.

مقابر مؤقتة في حلب عام 2016. تصوير محمد كحيل.

استطاعت سوريا على طول في الأسابيع الأخيرة التحدث مع ثلاثة أشخاص من سكان حلب الشرقية ممن لديهم أقارب دفنوا بالقرب من مبنى لجنة الطبابة الشرعية في حلب، وأعرب الجميع عن قلقهم بشأن هذه الخطوة وطلبوا عدم نشر أسمائهم الحقيقية خوفاً من العواقب المحتملة.

وعلى الرغم من أن مجلس محافظة حلب أشار في بادئ الأمر إلى الحاجة لإعلام السكان وعائلات القتلى بخطة نقل القبور في كانون الثاني، إلا أن أياً من أفراد الأسر الذين تحدثوا إلى سوريا على طول في الأسابيع الأخيرة لم يعرفوا أي تفاصيل عن الخطة، ويبدو أن الدعوة التي نشرت يوم الأربعاء لعائلات القتلى لمراجعة مكتب دفن الموتى في مدينة حلب هي أول نداء رسمي يوجه لهم.

وقالت سعاد، التي قتل زوجها في غارة جوية عام 2015 ودفن في المقبرة العشوائية بعد فترة وجيزة "أليس كافياً أنه مات بأبشع ظروف القهر والحرمان ، والآن يريدون نبش القبر وملاحقته تحت التراب".

وزيارة مدينة حلب للمشاركة في نقل الجثث أمر مستحيل، "لا أحد يستطيع أن يضمن أن لا يتم اعتقالي" حسبما أكدت سعاد المقيمة حالياً في بلدة الأتارب، الواقعة تحت سيطرة المعارضة في ريف حلب الغربي،

كما أعربت عن قلقها حيال دعوة مجلس مدينة حلب، يوم الأربعاء، وقالت أنها "فخ لإعتقال الناس".

ومن داخل مدينة حلب تعيش خديجة على بعد بضعة كيلومترات من قبر زوجها مع أطفالها الأربعة في حي الزبدية الذي كان تحت سيطرة المعارضة، وقالت أنه دُفن في حي السكري عام 2015 ، بعد أن قُتل نتيجة القصف التابع النظام.

وأضافت خديجة "منذ دخول النظام إلى المنطقة، لم نذهب إلى القبر"وتشعر بالقلق من زيارة المنطقة لأن ذلك يمكن أن يعرضها هي وأسرتها لخطر الاعتقال، مضيفةً "أي شخص ممكن يخبر عنا".

والخوف من الإعتقال هو الذي منعها من السؤال عن قبر زوجها أو الاعتراض على نقل المقابر المخطط لها، وأضافت " كان عندي أمل صغير بإمكانية زيارة القبر وقراءة الصلوات لزوجي ، ولكن ضاع هذا الأمل".

مقبرة الشهداء

وقبور حلب العشوائية ليست الوحيدة في البلاد، التي تواجه مشروع الترميم والتأهيل، بل تم التخطيط لنقل مماثل في حمص أيضاً، المدينة التي كانت لعدة سنوات أحد أكثر ساحات المعارك دموية في الحرب حيث تم دفن القتلى في مقابر مؤقتة أيضاً.

وفي شهر كانون الثاني، أفادت إذاعة "شام إف إم" التابعة للحكومة " أن حديقة في حي الوعر تحولت خلال فترة الأحداث الأخيرة لمقبرة، ستبقى بتوصيفها السابق كحديقة بعد أن تنتهي أعمال نقل الجثامين من مدنيين وغيرهم إلى مقابر أخرى خارج المدينة" وأشارت الإذاعة إلى أن محافظ حمص طلال البرازي أكد خطة النقل لكنه لم يذكر تاريخ البدء.

وقالت جودي عرش، ناشطة ومراسلة قناة أورينت، وكانت مقيمة في حي الوعر ، أن الحديقة التي أصبحت تعرف باسم "مقبرة الشهداء" خلال الحصار الحكومي لحي الوعر الذي استمر لعدة سنوات وانتهى مع صفقة الإخلاء العام الماضي، تحتوي على مايقارب 2000 جثة، ولم تتمكن سوريا على طول من التحقق من صحة ادعائها بشكل مستقل.

مقبرة الشهداء في حي الوعر بمدينة حمص عام 2013. من صفحة عدسة شاب حمصي.

وقد تم بالفعل تطهير منطقة أخرى في حمص، كانت تابعة للمعارضة سابقاً، من عدد من المقابر ، وفقاً لما ذكرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في مطلع عام 2015.

وأضاف المرصد أن القوات الحكومية قامت بتطويق مناطق باب دريب وحي بستان الديوان في مدينة حمص القديمة وفرضت حظر تجوال على السكان " ثم قامت بعد ذلك بحفر القبور ونبشها".

وأكد أحد السكان للمرصد أن الجثث " أُخذت إلى مكان لا  يستطيع أحد تحديده".

وحاولت سوريا على طول التواصل مع محافظ حمص عن طريق البريد الإلكتروني للتعليق حول الموضوع في 2 نيسان، ولكنها لم تتلق أي رد.

وذكر محمد، مقيم سابق في حمص يبلغ من العمر 30 عاماً ويعيش حالياً في محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة، أن جثة والده كانت واحدة من تلك الجثث التي تم نقلها من المدينة في السنوات الأخيرة.

وبعد مقتل والد محمد بقناصة النظام في عام 2012، دفنه في حديقة بالقرب من مسجد خالد بن الوليد في حي الخالدية في حمص القديمة " وكان التنقل داخل الحي نفسه صعب للغاية" مما جعل من المستحيل إقامة جنازة مناسبة له أو "دفنه" في مقبرة رسمية، على حد قوله.

وبعد أن استعادت الحكومة السورية سيطرتها على حمص القديمة في عام 2014، وبعد أن غادر محمد المدينة قال أنه سمع من أقاربه الذين لا يزالون متواجدين هناك أن جثة والده اختفت، ولا يعرف إلى أين تم نقلها، وأضاف " قام النظام بإزالة القبور أثناء عملية الترميم والتأهيل التي يقوم بها على حد تعبيره".

وصرحت جودي عرش، أن الحكومة السورية قامت بإزالة جميع المقابر العشوائية من حمص القديمة، ولم تتمكن سويا على طول من التحقق من ادعائها بشكل مستقل.

وأضافت عرش، المتواجوة حالياً بريف حلب الغربي لكنها لا تزال على تواصل مع أشخاص داخل مدينة حمص، أن " لا أحد يعلم أين قبر ابنه أو زوجته أو قريبه".

وتابعت "تم ازالتها كلها".

 

شارك في التقرير أديب منصور من ريف حلب الغربي.

نورا حوراني

حصلت نورا على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة تشرين. عملت كصحفية في "سوريا على طول" منذ عام 2015. حصلت على شهادة في صحافة البيانات لتعزيز الكتابة الصحفية المتخصصة بحقوق النسان من "مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن"، وشاركت في العديد من الندوات المتعلقة بتطوير المجتمع المدني. حازت على جائزة "النساء الرائدات في التحرير وأخبار الصحف" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2018 من الرابطة العالمية للصحف وناشر الأخبار (WAN-IFRA).