شارع الجلاء موقع أكبر سوق في دوما، كانون الأول 2014. الصورة من خالد عيون.

 

لا يحب نعمان أبو راتب أن يتحدث عن طبيعة حياته خلال فترة الحصار في الغوطة الشرقية، حيث عاش الشاب البالغ من العمر 42 عاماً الجزء الأكبر من الخمس سنوات الماضية في شقة ضيقة مع عائلته  في ضواحي الغوطة الشرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً.

وقال أبو راتب، وهو أب لخمسة أولاد، لسوريا على طول "لا أحد يعلم كيف كنا نعيش غير الله" وطلب حجب اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، مضيفاً "لا أعلم كيف بقيت الناس على قيد الحياة [في ظل الحصار]".

وفي  عام 2013، حاصر الجيش السوري والميليشيات المتحالفة معه الغوطة الشرقية، وهي مجموعة من المدن والقرى الواقعة شرق العاصمة السورية، مما أدى إلى فصل المعارضة والمدنيين هناك عن ببقية البلاد، ولكنّ الأراضي الزراعية والبساتين داخل الجيب المحاصر، ومجموعة من أنفاق التهريب المنظمة تنظيماً جيداً وفّرت درجة من الاكتفاء الذاتي للسكان.

وأصبح قصف الطائرات الحربية السورية والروسية، وكذلك قصف المدفعية المنتظم، واقعاً يومياً لسكان الغوطة، وسيطر الجيش السوري على الجزء الأكبر من الأراضي الزراعية في الغوطة الشرقية، في أيار عام 2016، وبعد عام تقريباً، أغلق جميع أنفاق التهريب في جيب المعارضة، وبدأ الطعام والوقود ينفد تدريجياً من الأسواق المحلية.

وارتفعت أسعار السلع الأساسية في ظل الحصار الحكومي، وفي حلول عام 2017، تضاعفت تكلفة المواد في الغوطة الشرقية 24 مرة عما كانت عليه في أسواق دمشق، الواقعة على بعد بضعة كيلومترات فقط.

ويعمل أبو راتب في مهنة الحدادة، وانتهى به المطاف إلى العمل بوظائف غريبة ليحصل على المال في مسقط رأسه دوما، أكبر مدن الغوطة الشرقية وأكثرها أهمية، ولم يكن راتبه كافياً، مما اضطره للعيش هو وعائلته على المساعدات الغذائية والأموال التي تأتي من المنظمات الخيرية الدولية والمحلية التي تعمل داخل الحصار.

وذكر أبو راتب "بصعوبة كنا نتمكن من الحصول على طرد غذائي هنا، أو بعض المساعدات من الأهل في الخارج".

وتسيطر الحكومة السورية الآن على ما تبقى من الغوطة الشرقية، ومع ذلك، فإن مدن وقرى المنطقة، التي كانت ذات يوم مركزاً صناعياً وزراعياً للعاصمة السورية، تعرضت للتدمير حيث التهمتها سنوات من القصف والقتال، وأكد السكان لسوريا على طول أن البطالة متفشية ويعاني الكثير من السكان من الفقر ويكافحون من أجل الحصول على لقمة العيش.

ورغم أن السلع الأساسية مثل الغذاء والملابس والأدوية موجودة في أسواق الغوطة الشرقية، وتباع بتكلفة أقل مما كانت عليه سابقاً خلال سنوات الحصار، إلا أنه دون تحويلات من الخارج، ومساعدات من المنظمات الإنسانية، فإن أعباء البنية التحتية المدمرة والبطالة المنتشرة تؤثر على المدنيين بشدة أكثر مما كانت عليه أثناء الحصار، وفقاً لما أكده العديد من السكان الحاليين لسوريا على طول.

وقال أبو راتب أن الأمر أشبه بمثل يقول "الجمل بليرة، وليرة ما في".

وأضاف "كل شيء رخيص، لكن لايوجد عمل".

"الآن، لا يوجد شيء"

ومدينة دوما هي العاصمة الإدارية والاقتصادية لضواحي دمشق الشرقية، وكانت المئات من الشركات والأسواق المحلية تتجمع في تلك المنطقة، وتوفر للطبقة العاملة فرص عمل قبل بدء الحرب، ويمتد أكبر سوق في الغوطة الشرقية على طول طريق طويل رئيسي في دوما، تحتشد فيه عشرات المتاجر والمحلات على جانبي الطريق.

وخلال الحصار، شنت الطائرات الحربية التابعة للحكومة المئات من الغارات الجوية على دوما - التي كانت في ذلك الوقت تحت سيطرة جيش الإسلام - مما أدى إلى تدمير المدينة وقتل الآلاف من سكانها، وطال القصف البلدات والقرى المحيطة بدوما دماراً مماثلاً، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية الاقتصادية الرئيسية التي كانت تزود العاصمة السورية بكل شيء من الأثاث والأجهزة والسلع المصنعة إلى الفواكه والخضروات.

واستعاد الجيش السوري والميليشيات المتحالفة معه الغوطة الشرقية في نيسان 2018 بعد إبرام صفقة إجلاء شهدت إجلاء ما يقارب 70 ألف شخصاً من مقاتلي المعارضة والمدنيين إلى الشمال الواقع تحت سيطرة المعارضة.

وجاء الاتفاق بعد حملة جوية وبرية وحشية استمرت ثلاثة أشهر، أسفرت عن مقتل مئات المدنيين ونزوح الآلاف، وبالنسبة إلى أولئك الذين اختاروا البقاء – والبالغ عددهم 400 ألف شخصاً - تم إعطاؤهم مهلة ستة أشهر لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية.

وبعد انتهاء القتال ظهرت تحديات جديدة، ومع وجود الكثير من الشركات والأسواق التجارية المدمرة في الغوطة الشرقية، ووجود مايقارب خُمس السكان الأصليين فقط، فإن استعادة تلك الأسواق والشركات - ناهيك عن إعادة بنائها- مهمة صعبة جداً.

قال أبو محمد الشامي، البالغ من العمر 25 عاماً، والذي طلب حجب اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، لسوريا على طول "توقف كل شيء، لم يعد هناك أي عمل".

وأضاف آخرون إنه من الصعب الحصول على عمل، في ظل اختفاء شبكة من المنظمات الداعمة التي كانت موجودة سابقاً بعد عودة السيطرة الحكومية، وأكد الحدّاد أبو راتب أنه كان يعتمد على المساعدات والطرود الغذائية من المنظمات الإنسانية.

سوق الغوطة الشرقية في أيار. الصورة من دوما الآن.

وقُتل شقيق أبو راتب في السنوات الأولى من الصراع، على حد قوله، ودعا زوجة أخيه الأرملة وأطفالها للعيش في نفس المنزل، و كانت العائلتان تتقاسم الطرود الغذائية والأموال التي تصلهم من الجمعيات الخيرية والمنظمات، وبعض الحوالات المالية التي تصل من أقاربه في الخارج، فضلاً عمّا يجنيه من عمله،

ولم تكن المساعدات كثيرة، إلا أنها كانت كافية للبقاء على قيد الحياة.

وقال أبو راتب "كنا جميعاً في نفس البيت نساعد بعضنا البعض".

وأضاف "الآن، لا يوجد شيء، لا يوجد عمل ولا مساعدات للأرامل والأيتام ولا شيء".

وخرجت غالبية المنظمات الدولية والمحلية من الغوطة الشرقية إلى جانب المعارضة والمدنيين في وقت سابق من هذا العام.

وذكر محمد كتوب، مدير الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) في تركيا "أن الحكومة السورية تحد بشكل كبير عمل المنظمات الإنسانية [في الغوطة الشرقية]".

وقامت سامز بتشغيل العديد من المرافق الطبية في الغوطة الشرقية سابقاً، وقدمت العلاج لآلاف السكان المحليين من خلال موظفيها الذين تواجدوا على الأرض أثناء الحصار، وقال كتوب أن جميع موظفي المنظمة الطبيين والميدانيين تقريباً خرجوا من المنطقة في الوقت الذي سيطرت فيه القوات الحكومية على الغوطة الشرقية في ربيع عام 2018.

وأوضح كتوب "نحن لسنا مسجلين [كمجموعة لتقديم المساعدة] في دمشق، ولا يمكننا العمل هناك، وتكمن القضية الكبرى في الوقت الحالي في أنه [حتى] المجموعات الإنسانية العاملة في دمشق لا تستطيع مراقبة ما يحدث في الغوطة الشرقية، ولا يمكنها سوى توفير خدمات محدودة للغاية".

ووفقاً لكتوب، وهو في الأصل من سكان دوما، لا تستطيع سامز إلا أن تجمع معلومات محدودة عن الأوضاع في الغوطة الشرقية عن طريق الأقارب والأصدقاء الذين مازالوا هناك، وفي الوقت نفسه، فإن المنظمات الإنسانية الموجودة في دمشق "لاتقدم لنا الكثير من المعلومات".

وأضاف "هذا يقلقنا كثيرًا".

"عصب السوق"

ولأن الحصار المحكم الذي فرضه الجيش السوري منع المنظمات الإنسانية إلى حد كبير من إدخال  المساعدات من خارج الغوطة الشرقية، لذلك قاموا بشراء المواد اللازمة للطرود الغذائية وحزم المساعدات من الشركات المحلية بدلاً من ذلك.

وقال عبد الرحمن أبو حسن، صاحب محل تجاري يبلغ من العمر 40 عاماً "كانت هذه المنظمات عصب السوق منذ سنوات".

وأضاف أن العاملين في مجال الإغاثة في الغوطة الشرقية هم عملاء أبو الحسن الوحيدين الذين كان لديهم رواتب ثابتة، وقال "كان الهدف الأساسي بالنسبة لنا كمحلات وتجار هو الاعتماد على المنظمات والعاملين فيها لأن لديهم رواتب ثابتة دائمة".

والآن العديد من عمال الإغاثة السابقين عاطلون عن العمل، أما بالنسبة للآخرين، مثل محمد سليم، أحمد المدرسين في دوما، فإن رواتبهم الحالية تشكل جزءاً بسيط مما كانت عليه أثناء الحصار.

ويعيش سليم، البالغ من العمر 42 عاماً، في مدينة دوما مع زوجته وطفليه، ورغم عمله بدوام كامل مع وزارة التربية السورية، إلا أنه يعمل كمدرس غير مثبت (عامل مؤقت) ونتيجة لذلك يتقاضى جزءًا من الراتب الحكومي.

وقال السليم "إن راتبي الشهري 18 ألف ليرة سورية، كيف سيكفيني هذا الراتب للعيش".

وأثناء حصار الغوطة الشرقية، عمل سليم في مدرسة حكومية سابقة كانت تحت سيطرة الإدارة المحلية التي تديرها المعارضة، وكان راتب المدرس في تلك المدرسة حوالي 100 دولار تقريباً، على حد قوله، وقام هو وزملاؤه بالعمل في التدريس في المنظمات غير الحكومية للحصول على دخل إضافي وتغطية مصاريفهم الأساسية.

وقال واصفاً الوضع الراهن في الغوطة  "تصور أن الأشخاص الذين لديهم وظيفة ثابتة لا يستطيعون شراء ما يحتاجونه حتى لو كانت رخيصة ومتاحة، فماذا عن غالبية الناس الذين ليس لديهم عمل".

ومع فرار خمسة ملايين لاجئ سوري من البلاد و 6 ملايين نازح، اعتمد العديد من سكان الغوطة الشرقية على التحويلات المالية المرسلة من أقاربهم في أوروبا أو خارجها، لكن السكان المحليين يقولون أن الحصول على المال من الخارج أصبح أكثر صعوبة منذ أن استعادت الحكومة السورية سيطرتها على الغوطة، حيث تمنع نظام الحوالات الماليةـ، وتشدد الرقابة، فيما كان المحاصرون يحصلون على الأموال خلال فترة المعارضة من خلال "السوق السوداء".

وأكد أبو راتب وهو أحد السكان المقيمين في سوريا "لم أستلم ليرة واحدة من عائلتي في الخارج منذ خمسة أشهر ونصف".

في وقت سابق من هذا الأسبوع، أفادت وسائل الإعلام التابعة للمعارضة أن الحكومة السورية تفرض قيوداً جديدة على التحويلات المالية من وإلى المناطق التي تسيطر عليها، وتطلب من المستلم تقديم معلومات عن الحوالة وسبب التحويل قبل الحصول على الأموال.

وأكدت الحكومة السورية أنها تعمل على إصلاح وإعادة بناء الضواحي الشرقية المدمرة، وتخصص "الأموال اللازمة" لإعادة الخدمات الأساسية إلى الغوطة الشرقية في نيسان، حسبما أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

ومع عدم وجود أموال من الخارج وقلة فرص العمل، يخشى السكان وأصحاب الأعمال عدم وجود نهاية قريبة لمشكلة الغوطة الشرقية الاقتصادية.

وقال أبو الحسن لسوريا على طول "الأسواق باردة بغالبية المصالح، لا شيء كما ينبغي أن يكون".

 

ساهمت مريم الحوراني في إعداد التقرير

ترجمة: بتول حجار