"لقد متنا ألف مرة".. أهالي خان شيخون يبحثون عن ملاذ آمن من موجة القصف العنيف

رجال الإنقاذ في الدفاع المدني السوري يلبون الواجب بعد قصف خان شيخون مساء الأحد. الصورة من الدفاع المدني السوري في محافظة إدلب.

تتميز مدينة خان شيخون بأبنيتها الطابقية المرصوفة، وأسواقها ومقاهيها المتراصة بجانب بعضها البعض. وإن كنت داخل أحد المنازل خلال غارة جوية أو قصف موالي للحكومة، فأنت تخاطر بأن تجد نفسك عالقاً تحت طبقات من خرسانة مغطاة بالدماء، كانت سابقا جدران وأسقف الأبنية المأهولة.

ويظهر ذلك واضحاً في أحد الفيديوهات التي نشرها الدفاع المدني في وقت متأخر من ليلة الأحد، المعروفين باسم الخوذ البيضاء، كيف يقوم عمال الإنقاذ برفع الجرحى من تحت أنقاض المنازل الإسمنتية التي يعمها الظلام، حيث يخرج جسم أحد المدنيين المغطى بالغبار من تحت الأنقاض، ولم يكن من الناجين خلال ذلك التفجير، بينما يتابع المتطوعون البحث عن آخرين.

وقالت أم عمر، وهي من سكان خان شيخون "لقد متنا ألف مرة"، مشيرة إلى قساوة الحياة تحت القنابل في بلدتها قبل أن تفر إلى الشمال الأسبوع الماضي.

وتقع البلدة في المناطق الجنوبية من محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة، على حافة ما يسمى بـ "المنطقة العازلة" التي تم الأتفاق عليها في أيلول العام الماضي بين القوى الدولية، والتي تهدف إلى وقف هجوم متوقع على نطاق واسع من قبل الحكومة السورية وحلفائها.

وعلى الرغم من أن الاتفاق كان يعمل إلى حد ما، فقد كثفت القوات الموالية للحكومة الشهر الماضي القصف والغارات الجوية على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في محافظة حماة الشمالية، وكذلك محافظة إدلب الجنوبية حيث تقع خان شيخون وسط الأراضي الزراعية والريف.

وبالنسبة لأم عمر وأطفالها السبعة، كان هذا يعني الإنضمام إلى آلاف السكان القادمين من ريف إدلب والذين نزحوا بسبب موجة القصف الأخيرة، والتوجه إلى المخيمات الحدودية المكتظة، حيث لا يوجد مأوى آخر متاح، فحملت معها ما تملكه من أغراضها القليلة الثمينة، بينما بقي زوجها هناك لرعاية ما تبقى من ممتلكات.

وقالت المرأة البالغة من العمر 42 عامًا، لمراسل سوريا على طول محمد عبد الستار إبراهيم "الحمد لله، نحن الآن نقيم في منزل أشخاص طيبين استقبلونا. إنه مأوانا".

متى تم تهجيرك؟ وكيف تركت خان شيخون؟

غادرت خان شيخون في 5 آذار. استخدم الدفاع المدني سياراتهم لنقل الناس إلى أطمة، لأن هذا هو المكان الذي توجد فيه المخيمات.

بقي زوجي هناك لأن منازلنا ستكون عرضة لأشخاص غير الشرفاء يستغلون هذا الوضع لنهب المنازل.

نحن لا نتواصل كل يوم لأن الإنترنت لا يعمل دائمًا، ولكن كلما سمعت عن تفجير في خان شيخون، يتوقف قلبي. أستمر في الاتصال به حتى يجيب، وإذا لم يرد على الهاتف فورًا، تراودني أفكار كئيبة، وأشعر بالخوف الشديد. وعندما يجيب، أشعر كما لو أنني ولدت من جديد.

لقد تشردنا مؤخرا، بسبب القصف الذي حدث، فنحن أسرة فقيرة وليس لدينا أي إمدادات.

ذهبنا إلى مخيم أطمة [على طول الحدود السورية التركية]، لكننا لا نعرف أحداً هناك ولم نجد أي مكان نقيم فيه، بعد أن بحثنا لمدة ثلاث ساعات ونحن في سيارة للدفاع المدني. فقدنا الأمل في العثور على مأوى.

أعقاب غارة جوية في خان شيخون في ١٩ شباط. تصوير أنس الدياب/ فرانس برس.

وبالصدفة، رأى أحد الأشخاص أطفالي والوضع الذي كانوا فيه، لذا أخذونا إلى منزل في سرمدا لكي نقيم مع السكان الموجودين هناك.

وصادفنا إحدى العائلات التي نقلتنا إلى منزلها بعد رحلة طويلة ومشقة، والطقس السيىء والأمطار تهطل فوق رؤوسنا. الحمد لله، نحن نعيش الآن في منزل هؤلاء الأشخاص الطيبين، بعد أن تخلت عنا كل المنظمات.

نمضي أيامنا في هذا المنزل نتحدث عن القصف ومتى سينتهي، ومتى سنعود إلى منزلنا. هذا كل ما نتحدث عنه.

أطفالي دائما يقولون إنهم يشتاقون لمنزلنا وحينا إلى مدرستهم. يسألونني باستمرار متى سنذهب إلى المنزل. يريدون انتهاء القصف حتى نتمكن من العودة إلى بيتنا.

كيف كان الوضع في خان شيخون قبل النزوح؟

قبل مغادرتنا خان شيخون، كنا نموت ألف مرة كل يوم.

هناك خوف- خاصة عندما تسقط القذائف حول منزلك والشظايا تتناثر. كنا متعبين من الوضع. لم يكن لدينا أي مكان للاختباء باستثناء منزلنا، ونحن نرى أمامنا الجرحى والقتلى من جيراننا وسكان المدينة.

اعتدنا على هذه الأشياء. ولكن في الآونة الأخيرة كان هناك تزايد في القصف. كنت أدخل المنزل عندما يبدأ القصف، وأبعد الأطفال عن النوافذ وأجلس في الزاوية حتى لا تطالنا الشظايا.

هل تركتم خان شيخون وحدكم، أم كان هناك نزوح جماعي من المدينة عندما غادرت؟

في الوقت الذي غادرنا فيه خان شيخون، كنا من بين آخر الأشخاص الذين بقوا هناك، مع أكثر من عائلة وكذلك الدفاع المدني. الحمد لله، نحن الآن نقيم في منزل أشخاص طيبين استقبلونا. إنه مأوانا.

لم نتلق أي معونات أو مساعدات غذائية حتى الآن. نأمل أن يتوقف القصف حتى نتمكن من العودة إلى مدينتنا. لقد تعرضت منازلنا لأضرار لكنها أفضل من النزوح والعيش تحت رحمة المنظمات، والبعض منهم لا رحمة في قلوبهم.

إن شاء الله، ستنتهي هذه المأساة وسنعود إلى منزلنا قريبا. نحن نفكر كل يوم في العودة.

 

محمد عبدالستار إبراهيم

من محافظة الحسكة، مدينة عامودا، انتقل محمد إلى الأردن في عام 2004 بعد الأنتفاضة الكردية آنذاك ضد نظام البعث. مع بداية الثورة في الداخل السوري عمل ناشطاً مع تنسيقية الثورة السورية في الأردن. وانتقل فيما بعد إلى النشاط الإغاثي والتعليمي والدعم النفسي. ويسعى إلى تعلم الصحافة لنقل الحقيقة كما هي. ومحمد كاتب قصصي وروائي.

مادلين إدواردز

تخرجت مادلين إدواردز من كلية تشارلستون في عام 2016 ونشرت تقاريرها سابقاً في صحيفة ديلي ستار في بيروت.