عمان- الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، والظلام الدامس يخيم على شوارع مدينة اللاذقية. وإذ تكشف أضواء السيارات العابرة الرؤيا قليلاً، إلا أنها تزيد الرعب والخوف في نفس داليا خلال عودتها من عملها في وقت متأخر من الليل.

"ما حملنا سلاح، بس حملنا أوجاع الحرب حتى نموت". بهذه العبارة تختصر داليا المعاناة التي ورثتها المرأة السورية من الحرب المستعرة منذ أكثر من ثماني سنوات.

تعمل داليا، 30 عاماً، في إحدى صالات الأفراح في مدينة اللاذقية منذ اختفاء زوجها في العام 2014، سعياً إلى تأمين إيجار منزلها ومصاريف أطفالها الثلاثة إضافة إلى والدتها المسنة. 

وتقول لـ"سوريا على طول": "عندما تجد نفسك عرضة لأن تُرمى وأطفالك في الشارع، ستقبل بالعمل المتاح مهما كان سيئاً، فالفرص شبه معدومة".

تكافح داليا لتأمين أساسيات الحياة لعائلتها في ظل غياب المعيل وارتفاع تكلفة المعيشة، حالها حال آلاف نساء المدينة اللواتي حملن النصيب الأكبر من وزر الصراع، وأجبرن على القيام بأدوار لم تختبرنها من قبل. إذ تقول: "لم أعمل طيلة حياتي. وفجأة وجدت نفسي مجبرة على مواجهة مصيري وتأمين لقمة العيش في أسوأ الظروف". 

وتضيف: "أعاني الأمرين خارج (المنزل)، وفي أغلب الأحيان أجهش بالبكاء لأرتاح قليلاً".

إذ رغم كثافة الحضور العسكري والأمني في اللاذقية، بحكم أهميتها الاستراتيجية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتواجد القاعدة العسكرية الروسية فيها، إضافة إلى كونها إحدى معاقل النظام تاريخياً، تشهد المحافظة فلتاناً أمنياً وانتشاراً للسلاح والجريمة، ما يشكل خطراً مضاعفاً على المرأة هناك، ويعيق عملها وحركتها بشكل عام.

وسبق أن تعرضت داليا لحادثة تحرش وسرقة أثناء عودتها إلى المنزل، كادت "تودي بحياتها"، كما تروي. إذ اعترضت طريقها سيارة أمن يستقلها ثلاثة شبان بزي عسكري، حاولوا التحرش بها، ثم قاموا بسرقة حقيبتها ولاذوا بالفرار بعد تنبه الأهالي إلى أصوات الصراخ.

منذئذ، تعاني داليا اضطرابات نفسية حادة، ويسيطر الخوف على حياتها. لكنها "مجبرة " على العمل في هذه البيئة، على حد تعبيرها.

وتقول لـ"سوريا على طول": "أخاف أكثر عندما أرى رجالاً بزي الأمن ... كل فترة تحدث جريمة، لكن ماذا أفعل؟! ... لم أجد عملاً آخر". مضيفة أن "أغلب أصحاب الأعمال وكذلك مراكز المساعدات يستغلون ظروف النساء بشتى الوسائل".

ويفتح الفقر المدقع وحاجة المرأة المتزايدة للعمل، باب الاستغلال على مصراعيه. إذ تتعرض النساء في مدينة اللاذقية، خصوصاً الأرامل، إلى استغلال مادي وجنسي.

تقول ميساء محمد، المرشدة الاجتماعية في المدينة، وتعمل على تقديم الدعم النفسي للنازحات، لـ"سوريا على طول": " إن الأذى النفسي الذي ولدته الحرب يفوق الدمار المادي. فالخوف والصدمات والفقد المفاجئ والعنف الجنسي والجسدي الذي تتعرض له المرأة يدخلها في حالة من الاكتئاب، قد تنتهي بالاستسلام أو الانتحار".

"عار اجتماعي"

بين أصوات عشرات الرجال في سوق الخضار، بالكاد تميز صوتاً أنثوياً ينادي "بطاطا... بطاطا".

إنه صوت أم محمود. امرأة خمسينية، تجرّ كل صباح عربة خضار خشبية إلى ساحة السوق، حيث تلتقط أنفاسها أخيراً بعد أن تستقر في المكان الذي اعتاد ابنها محمود الجلوس فيه، إلى حين استدعائه للالتحاق بالجيش، ثم مقتله وشقيقه في الحرب.

نساء هناك وهناك، يقمن بمهن قد لا تناسب وقدراتهن التعليمية وحتى الجسدية، أو  يألف المجتمع السوري عملهن بها قبل ذلك. فالنساء في المخابز والمطاعم ومحطات الوقود وخلف مقود الباصات والشاحنات.

وسيبدو للناظر جلياً أن الحرب اجتاحت شوارع المدينة بطريقة مختلفة، وأتت على بنيتها الاجتماعية والثقافية مغيرة ملامحها بشكل عميق.

حتى أم محمود لم تتخيل أن تقوم يوماً بمثل هذا العمل الشاق، لولا أنها فقدت ابنيها في الحرب، وتقول لـ"سوريا على طول": "أشاهد الدهشة والاستغراب في عيون الناس، لكنني أرى (أيضاً) التعاطف ممن يعرفون وضعي".

لكن نور، 22 عاماً، الطالبة في قسم الآداب بجامعة تشرين، تقول لـ"سوريا على طول": "لم يكن مألوفاً أن أرى نساء يعملن بمثل تلك المهن قبل الحرب، لكنني لم أعد استغرب عندما أركب سيارة أجرة تقودها سيدة؛ على العكس، أشعر بالأمان أكثر".

من جهته، يذكر أبو علاء، صاحب معمل لصناعة الطوب على أطراف المدينة، لـ"سوريا على طول" أن هناك امرأتان تعملان " في معملي، إحداهن تقوم بتحميل الطوب على الشاحنة، فيما تقود الأخرى إحدى الشاحنات". مضيفاً: "أشعر بالشفقة عليهما لأن هذا العمل شاق بالنسبة لامرأة... أعرفهما جيداً، ظروفهما صعبة، وأسمع بسببهما كلاماً مزعجاً وشائعات وكأن (عملهما) عار اجتماعي، لكنني اتعاطف معهما".

وتقوم الحكومة السورية بتوفير فرص عمل للعنصر النسائي لم يعهدها المجتمع السوري سابقاً، بسبب نقص اليد العاملة من الرجال.

وكان سامر حداد، مدير شركة النقل الداخلي بدمشق، أعلن عن التوجه لقبول النساء سائقات على شبكة خطوط النقل. موضحاً أن الموضوع عرض على وزارة الإدارة المحلية والتي بدورها وافقت عليه، مشيراً إلى أن الشركة تواجه عدداً من الصعوبات في تأمين اليد العاملة بسبب هجرة السائقين والموظفين خلال فترة الحرب.  

توضح ميساء محمد، المرشدة اجتماعية من اللاذقية، لـ"سوريا على طول": "تعيش المرأة ضغوطاً اجتماعية معقدة نتيجة الحرب؛ فهي تواجه صراعاً بين إعالة الأسرة وتأمين العمل وبين عدم الخروج عن مسار العرف الاجتماعي". 

وتضيف: "هناك نوع من القبول الاجتماعي لمهن النساء الجديدة بشكل تدريجي، لكن بنسبة منخفضة. ويعود السبب إلى إدراك التغيرات والظروف القاهرة التي فرضتها الحرب على النساء".

بدورها تقول أم محمود: "مهما فعلت (فإن) الناس لن ترحمك. ورغم تعرضي المستمر للمضايقات، لكن يبقى هذا العمل أفضل من التسول".

اللاذقية مدينة النساء

ما لبثت رهف جابر أن قالت لزميلاتها في أحد مكاتب مبنى المحافظة في اللاذقية، عند خروج الموظف الجديد من مكتبهن: "صار عنا عريس"، حتى انفجرن بضحك هستيري.

واستمرت الجابر، 42 عاماً، وزميلاتها في إطلاق النكات عن وجود الموظف الجديد حتى نهاية الدوام، وكأنه حدث استثنائي لم يعتدن عليه.

تقول لـ"سوريا على طول": "الموظفون داخل الدوائر الحكومية قليلون، وكذلك الأمر في الجامعات وغيرها... نادراً ما نجد شباباً".

وتتابع، مشيرة إلى حجم الخسائر الكبيرة التي تعاني منها المدينة بالنسبة لعدد الرجال: "في مكتبي وحده 5 موظفات، كل واحدة منهن إما زوجة أو أخت لشهيد أو مفقود". 

ومنذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في آذار/مارس 2011، كانت مدينة اللاذقية، ولا زالت، من أهم معاقل الحكومة السورية، وخزاناً بشرياً وعسكرياً لحربها الطويلة ضد فصائل المعارضة، الأمر الذي أدى إلى استنزاف عدد كبير من شبابها مقارنة بالمحافظات الأخرى.

وأحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره المملكة المتحدة، مقتل أكثر من 124 ألف عنصر من قوات النظام السوري والمسلحين الموالين له منذ بداية الصراع وحتى آذار 2018، نصفهم مواطنون سوريون.

وبحسب دراسة صادرة في أيار/مايو 2017 عن مركز دمشق للدراسات والأبحاث، ومقره دمشق، بعنوان "تداعيات الأزمة والحرب على واقع المرأة السورية"، شكل الذكور  نسبة 82.2 بالمئة من الوفيات الناتجة عن الحرب، تركزت بين فئة الشبان في قوة العمل، إضافة إلى تعرض 1.2 مليون شخص للإعاقة والإصابة المختلفة التي تجعل من الصعب عليهم العودة إلى العمل.  

وذكرت الدراسة، أن الخسائر الكبيرة في فئة الذكور، نتيجة المشاركة في الأعمال القتالية إضافة إلى الهجرة، تسببت بارتفاع سن الزواج وازدياد معدلات العنوسة.

وتعيش الجابر حالياً وحيدة في منزل عائلتها بعد أن توفي والداها، وهاجر أخواها إلى ألمانيا هرباً من التجنيد. وتقول: "أتمنى لو كان لدي أطفال، لكن يبدو أنني سأموت وحيدة في هذا المنزل". مضيفة: "حالي حال الكثيرات... نعيش في مدينة لم يبق فيها رجال".

 

*قامت "سوريا على طول" بإخفاء هوية جميع المصادر في التقرير، من خلال استبدال أسمائهم بأخرى غير حقيقية، حفاظاً على سلامتهم.