على أطراف مدينة دمشق القديمة، وبالتحديد ضاحية جوبر التي كان معظم سكانها من الطبقة الكادحة، كان لدى عبد الرحمن منزلا وعائلة.

ولكن مرت ثماني سنوات منذ آخر مرة شاهد فيها عبد الرحمن منزله، ثماني سنوات تبدلت فيها خطوط المواجهة بين الجيش السوري وفصائل المعارضة في الجوار، حيث دمر حيه بالكامل. وانتهت المعركة في دمشق على الأقل، وكانت جوبر في حالة خراب.

واليوم، لم يعد لدى عبد الرحمن، وهو أب لطفلين يقيمان في الأردن، رغبة كبيرة في العودة إلى منزل فقده منذ فترة طويلة وسط الأنقاض.

وحتى لو حاول الرجوع، فإن دخله الضئيل من محل الحمص الذي يعمل به لا يكفي لرحلة العودة عبر الحدود، بحسب ما قاله لسوريا على طول في أحد أيام الشهر الماضي.

حيث قال "ليس لدي وسيلة نقل، أو أي أموال لأذهب إلى أي مكان"

لكن مضي ثماني سنوات وهو بعيد عن العائلة التي ما تزال في سوريا كان له أثر على حياته. فزوجة عبد الرحمن على وجه الخصوص تشتاق إلى مسقط رأسها أكثر من أي وقت مضى، على حد تعبيره.

وفي تشرين الأول من العام الماضي، وافقت الحكومة الأردنية أخيراً على إعادة فتح معبر جابر-نصيب البري مع سوريا للمرة الأولى منذ عام ٢٠١٥. وأصبحت سيارات الأجرة والشاحنات التجارية والسيارات الخاصة تتدفق إلى سوريا بأعداد كبيرة.

وقال عبد الرحمن عندما تم افتتاح الحدود، قلت لزوجتي" اذهبوا لزيارة سوريا وزوري عائلتك، ربما تتحسن حالتكالنفسية. وهذا فعليا ما حدث". 

بقيت زوجة عبد الرحمن في سوريا لمدة ٢٠ يوم قبل العودة إلى الأردن، كما قال. ولكن بعد فترة وجيزة من عودتها، تعرض الزوجان لصدمة: حيث ذهبا إلى مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين للتحقق من ملف التسجيل في المفوضية، ليجدوا أن ملفهم قد أغلق تماماً.

حيث اسقطت صفة اللاجيء، وانقطعت كوبونات المواد الغذائية (قسائم الشراء) وغيرها من الخدمات التي تقدمها المفوضية للعائلة.

وعبر آلاف اللاجئين السوريين الحدود إلى ديارهم منذ إعادة فتح الحدود البرية في تشرين الأول- معظمهم عاد لتأسيس حياة جديدة من الصفر، بينما عاد آخرون من أجل تفقد منازلهم أو زيارة العائلة لأول مرة منذ سنوات.

الأردنيون يراقبون حركة المرور من جسر للمشاة على بعد مئات الأمتار من مدخل معبر جابر- نصيب الحدودي في تشرين الثاني. تصوير: مادلين ادواردز/ سوريا على طول.

وعلى الرغم من أن الركن الأساسي في قانون اللاجئ يفقده صفة اللاجئ عندما يعود إلى وطنه، قال عبد الرحمن، وهو واحد من بين العديد من اللاجئين السوريين في الأردن الذين أخبروا سوريا على طول، أنه لم يتم إبلاغهم أو استشارتهم بشأن سياسات المفوضية، التي من شأنها أن تجردهم فعليا من حقوقهم كلاجئين في حال سافروا إلى ديارهم إلى سوريا - حتى في زيارات قصيرة دون وجود نية العودة بشكل دائم - قبل العودة إلى الأردن.

ومن بينهم طالب شاب، وكبار سن، وربة منزل - جميعهم يعيشون في مناطق حضرية في الأردن، حيث لا يترددون بشكل عام على وكالة الأمم المتحدة للاجئين مقارنة باللاجئين المقيمين في المخيمات المدعومة دوليا في البلاد.

وقال جميعهم إنهم لم يتلقوا أي معلومات، وفي حال وجدت فإنها معلومات غير كافية من السلطات ووكالات الأمم المتحدة، بما في ذلك مفوضية اللاجئين، حول ما سيحل بوضعهم كلاجئين قبل أن يشرعوا في زياراتهم القصيرة إلى سوريا. وقالوا إنهم لم يبلغوا بعد ذلك بأن ملفات المفوضية الخاصة بهم قد "أغلقت" بعد عودتهم إلى الأردن.

وفي الوقت الذي تشجع فيه الحكومات في البلدان المجاورة، مثل الأردن ولبنان، بصورة متزايدة على عودة اللاجئين السوريين الطوعية إلى بلدهم الأصلي، فإن النقص الواضح في الاستشارات الكافية يثير تساؤلات حول مدى معرفة العائدين بنتائج هذا القرار.

وقالت غيداء فرنجية، محامية من بيروت، إن اللاجئين السوريين "يفتقرون" للمعلومات الرسمية حول ما يمكن أن تعني العودة بشكل قانوني.

ومن ناحية أخرى، قال اللاجئون الذين زاروا سوريا في الأشهر الأخيرة إنهم يواجهون العواقب.

وقال لاجئ سوري في عمان "لو كنا نعرف ماذا سيحدث بعد الذهاب إلى سوريا، ما كنا فكرنا بزيارتها".

"الناس لم يكن لديهم علم بهذه السياسة"

يمكن رؤية مبنى وزارة الداخلية الأردنية من بعيد في المناطق الحضرية في عمان.

فعلى بعد بضع دقائق فقط بالسيارة من أحد أكثر مراكز التسوق الجديدة جاذبية في المدينة، يقع المبنى الذي يمكن رؤيته أثناء التجول في أحياء عمان المجاورة. ويعرفالدوار الذي يقع بجانبه محليا باسم "دوار وزارة الداخلية".

وفي هذا المبنى، يتوجب على السوريين في الأردن التقدم بطلب للحصول على إذن خاص إذا كانوا يريدون السفر خارج البلاد بشكل قانوني والعودة إلى الأردن. وفي زيارة للوزارة في تشرين الثاني، قابلت سوريا على طول ما لا يقل عن عشرة سوريين ينتظرون خارج المبنى، وقالوا إنهم كانوا يأملون في الحصول على إذن بالخروج والعودة.

وفي كانون الثاني، انضمت إليهم مرفت البالغة من العمر ٢٨ عاما. وهي طالبة جامعية في عمان، تدرس للحصول على شهادتها بفضل منحة مقدمة للاجئين المسجلين لدى الأمم المتحدة. شقيقة مرفت تتابع تعليمها في نفس البرنامج.

لكن في الأشهر الأخيرة، طلبت الجامعة من الطلاب المسجلين بالبرنامج ذاته إحضار جوازات السفر الخاصة بهم من أجل الاستمرار في المنحة الدراسية.

وأوضحت ميرفت أن جواز السفر الجديد من السفارة السورية في عمان، يكلف أكثر من عشرة أضعاف المبلغ المطلوب في سوريا.

وفي كانون الثاني، بدأت ميرفت تزن الأمور بعقلها، بأن الرحلة بأكملها من وإلى منزلها السابق في دمشق، بالإضافة إلى تكاليف الحصول على جوازات سفر جديدة لها ولأختها، ستكلف نصف المبلغ المطلوب للحصول على جواز سفر واحد في عمان.

بعد ذلك، ذهبت ميرفت إلى وزارة الداخلية الأردنية في عمان للحصول على إذن بالخروج والعودة لهذه الرحلة. وكان كل شيء يسير كما ينبغي.

فتوجهت هي ووالدتها إلى دمشق. لم يكونوا أول من ذهب من العائلة: كان والد مرفت موجودا هناك في تشرين الثاني لتفقد منزل العائلة.

وقالت ميرفت لم ينصحهم أحد بعدم الذهاب "لم يكن للمفوضية دور في هذه العملية، ولم أذهب لأي من مكاتبهم قبل زيارة سوريا". 

ولدهشتها، بعد عدة أسابيع من عودتها من دمشق، توقفت المساعدات التي كانت تقدمها الأمم المتحدة سابقا لجميع أفراد العائلة الذين زاروا سوريا.

وبالرغم من التقدم بطلب للحصول على تصريح الخروج والعودة من الحكومة الأردنية، إلا أن جميع الذين تحدثوا إلى سوريا على طول بشأن هذا التقرير، واجهوا تداعيات قانونية عند العودة حيث "أغلقت" ملفاتهم لدى مفوضية اللاجئين بعد شهر أو شهرين من العودة إلى الأردن. ولم يكن هناك إخطار من الأمم المتحدة أو الحكومة الأردنية، كما قالوا لسوريا على طول.

وفي حالة ميرفت، كان هذا يعني أن كوبونات المواد الغذائية التي كانت تزودها بها الأمم المتحدة، وكذلك تلك التي سبق أن قدمتها إلى والدتها وأبيها، قد توقفت. وقالت، أن العائلة الآن لا تستلم سوى كوبونات لشخص واحد، وهي أختها التي لم تزر سوريا بعد.

وقال آخرون ممن تحدثوا إلى سوريا على طول، إن مساعداتهم التي قدمتها الأمم المتحدة، بما في ذلك الكوبونات، قد توقفت بعد زياراتهم إلى سوريا- دون إخطار مباشر من مفوضية شؤون اللاجئين.

وتابعت مرفت "لم تبلغنا الأمم المتحدة على الإطلاق أنها ستقطع مساعداتنا"، مضيفة أنها ليست وحدها.

"هناك عدد كبير جدا من الناس لا يعرفون هذه السياسة، ولو كانوا يعلمون لما زاروا سوريا" على حد تعبيرها. وتعد نفسها من بين أولئك الذين ندموا الآن على زيارة سوريا، وتخشى أنها لم تعد مؤهلة لتلقي المنحة الدراسية.

وتبحث ميرفت وشقيقتها الآن عن عمل، بالإضافة إلى دراستهما الجامعية، لتغطية نفقاتهن. لكنهن لم يجدن شيئا بعد.

عبور الحدود إلى سوريا

عاد أكثر من ١٢ ألف لاجئ سوري مسجل إلى ديارهم من الأردن، منذ إعادة فتح المعبر البري بين البلدين في تشرين الأول الماضي، وفقا لما جاء في تقرير لممثل المفوضية في الأردن ستيفانو سيفير، نُشر يوم الأحد في صحيفة جوردان تايمز الحكومية. وقد وصل البعض إلى الحدود عبر وسائل النقل التي تشرف عليها مفوضية اللاجئين، بحسب ما أوردته سوريا على طول سابقا.

وكتب سيفير أن "وكالة الأمم المتحدة تقوم في الوقت نفسه بتقديم المشورة للاجئين بشأن العودة والاستماع لأي أسئلة أو مخاوف لديهم، للتأكد من أن أي قرار بالعودة هو قرار طوعي يتخذه اللاجئون أنفسهم".

ولكن بالرغم من تسهيلات النقل إلى الحدود للاجئين الذين "أعربوا عن رغبتهم في العودة إلى ديارهم"، إلا أن المفوضية ليس لها وجود حتى الآن عند المعبر الحدودي لتقديم المشورة للعائدين بشأن قرار العودة، بحسب ما صرح به متحدث باسم المفوضية في الأردن، والعديد من اللاجئين الذين زاروا البلاد مؤخرا، لسوريا على طول.

ولا تساعد المفوضية اللاجئين على عبور الحدود أو مواصلة رحلاتهم بمجرد وصولهم إلى الجانب السوري.

وقبل الوصول إلى المعبر، قال اللاجئون الذين تحدثوا إلى سوريا على طول، إنه لم يتم الاتصال بهم من قبل مفوضية اللاجئين لتقديم المشورة بشأن العودة.

وتقدم المفوضية في الأردن المشورة للاجئين الذين يتواصلون معهم، للحصول على المشورة بشأن عمليات العودة، بحسب ما قاله ممثلان عن وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لسوريا على طول.

وقال أحد المتحدثين باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عبر البريد الإلكتروني، إن النصيحة تتضمن "مناقشات شاملة لإبلاغ اللاجئين عن وضعهم بمجرد عودتهم وإغلاق ملفاتهم كلاجئين في الأردن".

وعندما سئل عما إذا كانت المفوضية تخطر اللاجئين الذين جردوا من وضعهم كلاجئ، قال متحدث آخر إن المفوضية تعمل على مطابقة "قائمة الأشخاص المغادرين للأردن، والتي توفرها السلطات الأردنية، بالقوائم الموجودة لدينا. أولئك الذين يغادرون لم يعودوا طالبي لجوء".

وأضاف المتحدث "إذا عاد شخص ما إلى بلده، فلن يطلب اللجوء بعد ذلك. هذا يعني أن وضعه طبيعي في بلده ولا يثير المخاوف".

ومع ذلك، قال الخبراء القانونيون إن الأمر غير واضح بين اللاجئين أنفسهم.

وقالت المحامية فرنجية المقيمة في بيروت "من المؤكد أن هناك نقص في المعلومات بين اللاجئين، سواء حول ما يجري داخل سوريا، أو عن عواقب زيارتهم لبلدهم على وضعهم في البلد المضيف".

"وفي ضوء هذا النقص في المعلومات، لا يمكن استخدام زيارات اللاجئين لبلدهم كأساس لتجريدهم من وضع اللجوء السياسي، دون تقييم فردي مناسب لخوفهم من العودة، ودون منحهم الفرصة للدفاع عن أنفسهم".

وفي السياق، قالت المحامية الأردنية حنين بيطار، وهي مدربة حماية في المركز القضائي للمساعدة القانونية في عمان، إن اللاجئين السوريين الذين فقدوا وضعهم، يفقدون أيضاً المساعدة الحيوية للأمم المتحدة، بما في ذلك الكوبونات والمساعدات النقدية.

ووفقا لبيطار، فقد يكون فقدان هذه المزايا عوامل "تجعل اللاجئين يفكرون بالعودة إلى ديارهم".

حفل زفاف عبر الحدود

تم تحديد موعد حفلة الخطوبة في كانون الثاني ٢٠١٩. وكانت أصغر أبناء أبو مصعب، البالغ من العمر سبعين عاما- وابنته الوحيدة- تريد دعوة مجموعة من الأصدقاء والعائلة لإقامة احتفال خطوبة تقليدي يسمى "الجاهة"، وهو شائع في جميع أنحاء سوريا والعالم العربي، قبل الزواج لاحقا من خطيبها.

ولكن كانت هناك مشكلة واحدة: وهي أن أبو مصعب يعيش في الأردن منذ سنوات، بعد أن فر من منزل العائلة في حمص مع أبنائه الشبان الثلاثة، في حين بقيت ابنته في سوريا.

وكانت حمص، المدينة التي عاش فيها الأب لعقود من الزمن، وأنشأ فيها أبناءه، مهدت الطريق للحرب بعد المظاهرات الجماهيرية بحلول عام ٢٠١١، والتي حولت حمص إلى ساحة معركة.

وأسفر القتال والتفجيرات والمذابح والسيارات المفخخة وعمليات القتل الطائفية عن مقتل الآلاف من السكان. أما منزل عائلة أبو مصعب "فقد دمر تماما" بحسب ما قاله مسترجعا ذكرياته.

وحتى أواخر العام الماضي، لم ير الأب ابنته من قبل حدوث المعارك التي مزقت حمص، وكان موعد جاهتها يقترب. لم يكن لديها أفراد عائلة مقربين من الذكور للمشاركة في الحفل. لذلك عندما أعيد فتح معبر نصيب الحدودي، رأى أبو مصعب أنها فرصته.

حيث قال لسوريا على طول من منزل ابنه في الأردن "لقد قررت العبور، وقمت بزيارتها لمدة أسبوع قبل أن أعود إلى الأردن".وعاد هو أيضا إلى الأردن ليجد ملف المفوضية الخاص به مغلق.

وقال أبو مصعب "بالطبع، قبل أن أعود إلى الأردن، لم أكن أعرف أن خدمات المفوضية ستقطع عني".

وهو يكافح الآن للحصول على دواء لمرض السكري. أما الضغط الإضافي المتمثل في فقدان الكوبونات فيعني أنه سيصبح عبئا على أسرته قريبا.

وقال أبو مصعب "لأكون صادقا، بدأت أشعر بأنني أعتمد كثيرا على ابني، بالرغم من أنه لم يشتكي بعد".

أما بالنسبة لعبد الرحمن، الذي قامت زوجته بزيارة سوريا في الأشهر الأخيرة، فإن التفكير في حضور أي حفل زفاف في سوريا هو حلم بعيد المنال. حيث أرسلت لهم ابنة أخت زوجته دعوة لحضور حفل زفافها في مسقط رأس العائلة، في الربيع، إلا أنهم رفضوا الذهاب.

وقال عبد الرحمن إنه وزوجته، وكذلك اللاجئين الآخرين الذين تمت مقابلتهم أثناء إعداد هذا التقرير، تقدموا بطلب لإعادة فتح ملفهم لدى المفوضية. وهم يعرفون الآن عواقب اختيار العودة إلى الوطن، حتى لو كان ذلك ضمن زيارة قصيرة.

وتابع عبد الرحمن "عندما أعيد فتح الحدود في تشرين الأول، قالت زوجتي: الحمد لله أصبح لدينا الآن فرصة لزيارة سوريا لمدة يومين أو ثلاثة أيام. لكن ذلك غير ممكن حتى ليوم واحد".

وأضاف "إما أن نضحي بكل خدمات المفوضية لمجرد الزيارة، أو أننا سنبقى محرومون من زيارة بلدنا وأهلنا هناك"... "إذا أردت الزيارة، علي التضحية بكل شيء".

 

قامت سوريا على طول بتغيير أسماء جميع اللاجئين الذين تمت مقابلتهم في هذا التقرير لأسباب أمنية.

 

ترجمة: سما محمد