وصول مقاتلي المعارضة وعائلاتهم إلى المناطق الريفية في شمال حلب في نيسان. الصورة من نظير الخطيب.

بعد سبع سنوات من الحرب، أصبحت حافلات الإجلاء الخضراء التابعة للحكومة، التي غالباً ما تقوم بنقل مقاتلي المعارضة والمدنيين من المناطق التي استعادها بشار الأسد وحلفاؤه إلى مناطق المعارضة في الشمال، رمزاً للتهجير الجماعي في جميع أنحاء سوريا.

وأزمة النزوح في سوريا لاتتمثل بقصة الحافلات الخضراء وقصص آلاف الأشخاص الذين تم إجلاؤهم على متنها فحسب، حيث أحصت الأمم المتحدة أكثر من ستة ملايين نازحاً في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك أكثر من مليوني طفل، بالإضافة إلى خمسة ملايين لاجئ موزعين الآن في البلدان المجاورة وأوروبا وخارجها، مما جعل السوريين يحتلون أكبر عدد من المشردين في العالم.

ويعيش أكثر من مليونسوري في مخيمات النازحين وبيوت الإيجار في محافظة إدلب الريفية التابعة للمعارضة والواقعة شمال غرب سوريا، والتي كانت تعاني من نقص في الخدمات الطبية والاجتماعية حتى قبل الحرب.

كما أن الملايين من النازحين الآخرين ينتشرون في أنحاء مختلفة من سوريا مثل الشمال الواقع تحت النفوذ التركي والمخيمات الشمالية الشرقية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها الولايات المتحدة والأراضي التي تسيطر عليها الحكومة وخارجها، وكانت النتيجة تحولاً سكانياًكبيراً يهدد بتغيير النسيج الاجتماعي لسوريا بشكل دائم لفترة طويلة بعد انتهاء القتال.

وأزمة النزوح الداخلي في سوريا ليست جديدة، فالسكان يفرون من منازلهم منذ بداية النزاع، ولكن اليوم وبما أن الحملة العسكرية التابعة للحكومة على آخر الأراضي الواقعة تحت سيطرة المعارضة في محافظة إدلب أصبحت وشيكة، بدأت التساؤلات حول مصير الملايين من النازحين في البلاد تحتل الصدارة مرة أخرى.

وعلى مدار الشهر المقبل، سوف تعمل سوريا على طول على مشروع بالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور وفريق مؤلف من ستة صحفيين سوريين نازحين في الداخل، اثنان منهم في محافظة إدلب، واثنان في الشمال الواقع تحت النفوذ التركي، وواحد في مدينة الطبقة الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وواحد في مخيم الركبان، وهو مخيم صحراوي يقع على الحدود السورية الأردنية.

ويهدف هذا المشروع إلى تزويد القّراء بالمعلومات وتدريب الصحفيين الشباب الطموحين لتحقيق تغطية إعلامية موضوعية وشاملة لتأثير الحرب على مجتمعاتهم في تلك المناطق.

وهنا نقدم لكم تمهيداً عن التحديات الكبيرة التي يواجهها ملايين النازحين في سوريا.

منذ عام 2011 تم نزوح ملايين السوريين داخل الحدود السورية ولجوء الملايين خارجها، فهل تغيرت طبيعة النزوح واللجوء خلال الصراع السوري؟

منذ بدء الانتفاضة السورية وما تلاها من صراع في عام 2011، فرّ الناس من ديارهم هرباً من القمع والعنف، ونقلوا عائلاتهم إلى مناطق هادئة نسبياً بعيداً عن خطوط القتال، ومع حلول نهاية عام 2012، كان هناك ما يصل إلى مليوني شخصاً قد نزحوا بالفعل في جميع أنحاء سوريا، وبدأت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بتقديم خدماتها للمدنيين النازحين في جميع أنحاء البلاد في نفس العام.

وفي أواخر عام 2015، بدأ يظهر تحول كبير في تكتيكات الحكومة عندما دخلت روسيا في الصراع وجلبت ثاني أكبر سلاح جوي في العالم لمساعدة الحكومة المركزية المترنحة في دمشق، وسمح التغيير الجذري الذي حصل على أرض الواقع لدمشق ببدء موجة جديدة من الهجمات في جميع أنحاء البلاد: من قطع ممرات المساعدات الحيوية بين مقاتلي المعارضة في عدة مناطق رئيسية وتطويق عدد من جيوب المعارضة إلى حالة الحصار الخانق.

وفي شهر آب 2016، أُجبر مقاتلو المعارضة في مدينة داريا بريف دمشق على قبول اتفاقية تسوية مع الحكومة السورية وذلك بعد أكثر من 1000 يوم من الحصار، وتم نقل حوالي 8000 شخصاً إلى محافظة إدلب المعارضة في الشمال الغربي بواسطة حافلات الحكومة.

وكان هذا الحدث هو الأول من نوعه الذي استخدم فيه النزوح كأداة عسكرية إستراتيجية من قبل الحكومة، وأعادت دمشق استخدام اسلوب الحصار والاستسلام وإجلاء السكان إلى إدلب مراراً وتكراراً خلال السنوات الماضية.

وأدت أساليب القصف والحصار والإجلاء المتشابهة التي اتبعتها الحكومة إلى نزوح السكان من شرق حلب ومضايا والزبداني والغوطة الشرقية وشمال حمص وحماه وجنوب دمشق ودرعا إلى إدلب والمناطق الشمالية الأخرى.

 

ماهو مصير أكثر من مليون نازح في محافظة إدلب إذا شنت القوات الموالية للحكومة حملة عسكرية هناك؟

إدلب الآن في قلب أزمة النزوح في سوريا، وتعدّ المحافظة الشمالية الغربية ذات الأهمية الاستراتيجية، والتي تشترك في الحدود مع تركيا، آخر معقل رئيسي للمعارضة بقي قائماً عقب سلسلة من الانتصارات التي حققتها الحكومة خلال العام الماضي أدت إلى خروج فصائل المعارضة من المناطق الوسطى والجنوبية من البلاد.

وهي، من جهة أخرى، موطن لما يقدر بنحو مليون نازح سوري من جميع أنحاء سوريا.

وأظهرت تركيا مؤشرات متضاربة حول استعدادها لاستقبال المزيد من اللاجئين السوريين الفارين من الحرب، حيث تستضيف البلاد فعلياً حوالي 3.5 مليون لاجئ - أكثر من أي دولة أخرى، وقدّرت مصادر استخباراتية تركية أن 250 ألف شخص تقريباً قد يفرون إلى الحدود في حال شنت القوات الموالية للحكومة هجوماً عسكرياً على إدلب.

وبحثت أنقرة في فكرة استخدام قواتها المسلحة لإقامة وتعزيز "مناطق آمنة" بحيث يتم احتجاز المدنيين الفارين بالقرب من الحدود ومنعهم من دخول الأراضي التركية.

ما هي حقوق النازحين ووضعهم القانوني في القانون الدولي؟ وهل تتحمل الحكومة السورية مسؤولياتها بموجب القانون الدولي؟

في حين أن النازحين لا يشملهم أي اتفاقية دولية محددة، فإن حقوقهم في المسكن والأمن والصحة محمية بموجب قانون  حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وتحظر المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني إجبار المدنيين على ترك منازلهم، وحجب المساعدات أو الغذاء عن السكان والعقاب الجماعي مثل تدمير المنازل والمستشفيات.

وقد اتُهمت السلطات في دمشق بارتكاب جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين في جميع أنحاء البلاد منذ بداية الحرب، ولم تنج المجتمعات المحلية من الانتهاكات الفظيعة للقانون الدولي.

وكان الاستخدام المشترك للحصار والقصف، واستهداف المناطق المأهولة الخاضعة لسيطرة المعارضة، حجر الزاوية في الاستراتيجية العسكرية للحكومة السورية منذ عام 2014 على الأقل، وقد استخدمت هذه العمليات لإجبار جماعات المعارضة على التسوية والتفاوض- والتي يشار إليها عادة باتفاقيات المصالحة - وغالباً ما تتضمن النزوح المنظم للمجتمعات المدنية بأكملها إلى جانب المقاتلين.

وأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس استخدام التهجير كتكتيك للحرب، وحث على أن "إخلاء المدنيين يجب أن يكون آمناً وطوعياً ومتوافقاً تماماً مع معايير الحماية بموجب القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان".

كما اتُهمت مجموعات المعارضة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ضد المدنيين النازحين، وأبرزها استهدف قوافل المدنيين من كفريا والفوعة  بسيارة مفخخة في عام 2017، أثناء إجلائهم إلى الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة في حلب. حيث أسفر الهجوم عن  مقتل 126 شخصا على الأقل.

ما هي المنظمات التي تستجيب لاحتياجات النازحين في سوريا؟

قامت العديد من المنظمات الإنسانية التركية بدور رائد في مساعدة النازحين بالقرب من المناطق الحدودية الشمالية، حيث يقدم كل من الصليب الأحمر التركي والهلال الأحمر وهيئة الإغاثة الإنسانية مساعدات مختلفة للسكان النازحين.

وليس بمقدور الوكالات الإغاثية التابعة الأمم المتحدة الوصول باستمرار إلى المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، تاركة مجموعة من المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني تسد الثغرات في أماكن أخرى. وساهمت كل من الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) وأطباء بلا حدود والمنظمات المحلية الأصغر حجما في المهمة الشاقة المتمثلة في توفير الخدمات الأساسية لمئات الآلاف من الأشخاص المتناثرين في جميع أنحاء البلاد.

ونتيجة للعزلة الشديدة، وانقطاع المساعدات الإغاثية والقرب من الخطوط الأمامية للقتال المستمر، يقيم عدد من السوريين في مخيمات غير صالحة للعيش والتي غالباً ما تكون عشوائية. وقد أخبرت العائلات النازحة سوريا على طول في الأشهر الأخيرة بوجود خيام بالية، وظروف صحية سيئة ونقص كبير في الإمدادات الطبية الأساسية للوقاية من الأمراض.

والركبان هو أحد الأمثلة على تلك المخيمات، وهو مخيم عشوائي في الصحراء الجنوبية الشرقية بالقرب من الحدود السورية الأردنية ، ويضم حوالي 50،000 نازح سوري يكافحون للبقاء على قيد الحياة في عزلة تامة، وتقوم الأمم المتحدة بإسقاط الإمدادات بالرافعة إلى المخيم، بشكل متقطع، ولا يوجد أمام العديد من السكان أي خيار سوى العيش على السلع المهربة وباهظة الثمن.

كما أن الظروف الصحراوية القاسية تساهم في انتشار الأمراض ، مثل التهاب الكبد والإسهال. وإلى جانب قسوة الحياة اليومية، واجه العديد من النازحين تفجيرات تنظيم الدولة والعنف المحلي بين فصائل المعارضة المتناحرة.

ورغم سلسلة من التحديات، نجح النازحون في تشكيل بعض مظاهر الحياة الطبيعية لأنفسهم، حيث أصبحت الخيام التي تضم عيادات وصفوف مدرسية سمة معتادة في مخيمات النازحين في جميع أنحاء البلاد.

 

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول، المستمرة لمدة شهر كامل، لأوضاع النازحين في سوريا بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور ومراسلين على الأرض في سوريا.