عمان- سنوات من العمل الحقوقي وتوثيق جرائم الحرب في سوريا، أثمرت أخيراً بدء أول محاكمة علنية للضابط أنور رسلان، رئيس قسم التحقيق في "فرع الخطيب" التابع لأمن الدولة في مدينة دمشق، وزميله إياد الغريب. وقد مثلت المحاكمة التي بدأت في 23 و24 نيسان/أبريل الماضي، بمدينة كوبلنز الألمانية، تحولاً في الملف السوري "من تحقيقات نظرية إلى خطوات عملياتية. [عدا عن أنها] قد تشجع باقي دول الاتحاد الأوروبي على اتخاذ خطوات إيجابية في هذا السياق"، كما قال لـ "سوريا على طول" المحامي في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، المعتصم الكيلاني الذي كان حاضراً في المحكمة.

حتى وقت ليس ببعيد، كان مشهد المحاكمة أقرب إلى الحلم الصعب التحقق؛ إذ تحوّل المحقق إلى متهم موقوف، والضحية إلى شاهد أمام القضاء. لكنه حلم يتحقق ليس من دون صعوبة ومعاناة للضحايا الشهود داخل قاعة المحكمة الإقليمية في كوبلنز، خصوصاً "عند دخول المتهمين، وقراءة لوائح الاتهامات المتضمنة تفاصيل الاعتقال والتعذيب التي تعرضوا لها" كما توضح لـ"سوريا على طول" الحقوقية جمانة سيف، والتي حضرت المحاكمة ضمن فريق المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR)، ومقره برلين. وهو الفريق الذي قدم الادعاء، كما يقدم الدعم القانوني لـ17 ناج وناجية من الاعتقال في فرع الخطيب

أبعد من رسلان

بعد مرور أكثر من تسع سنوات على اندلاع الثورة السورية، قتل خلالها حتى آذار/مارس الماضي، بحسب أرقام صادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، نحو 14,391 شخصاً تحت التعذيب على يد أطراف النزاع المختلفين، منهم 14,221 على يد النظام، فيما بلغ عدد المعتقلين والمختفين قسرياً نحو 146,825 شخصاً، 129,989 منهم على يد النظام، كانت هناك شكوك حول إمكانية تحقيق العدالة في سوريا.

لكن محاكمة رسلان "رفعت الروح المعنوية لكل المعتقلين الناجين الذين تعرضوا لانتهاكات عديدة خلال فترة اعتقالهم لدى النظام. كما إنها رسالة للمتورطين بأنه لم يعد هناك إمكانية للإفلات من العقاب"، كما قالت لـ"سوريا على طول" المعتقلة السابقة في سجون النظام نور الخطيب، والمسؤولة حالياً عن قسم المعتقلين والمختفين قسرياً في الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

الأمر ذاته عبّرت عنه إحدى الضحايا التي خضعت للتحقيق في فرع الخطيب ثلاث مرات في العامين 2011 و2012. إذ إن "شعور الخوف الذي كان يراودني من كل العاملين في الفروع الأمنية"، كما وصفت لـ"سوريا على طول" طالبة عدم الكشف عن اسمها لدواع أمنية، "تحول إلى شعور أمل وارتياح مع بدء محاسبة المجرمين".

وبرأي سيف، فإن شعور المعتقلات والمعتقلين "بتحقيق العدالة والاعتراف العلني بما ارتُكب بحقهم من جرائم وانتهاكات قد يساعدهم ويساعد الكثير منهم/ن على التعافي من آثار ذكريات هذه المحنة الفظيعة". مضيفة أنها أبعد من كونها محاكمة للضابط رسلان، إذ هي "بالدرجة الأولى محاكمة للنظام السوري وأجهزته الأمنية على جرائم قتل وتعذيب اتبعها لقمع الشعب السوري منذ عقود". 

وكان محمد العبد الله، مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، قد تناول في جلسة حوارية بثّها المركز، في 8 أيار/مايو الحالي، حول محاكمة رسلان، أسباب تأخر محاكمة مجرمي الحرب في سوريا، والعقبات التي واجهت المنظمات الحقوقية والناشطين في هذا المجال، إلى أن أجريت أولى جلسات المحاكمة في نيسان/أبريل الماضي. وكما أوضح، فإنه "في حال وجود جرائم ضد الإنسانية أو جرائم إبادة جماعية، [نكون] أمام عدة خيارات، هي: الذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية التي تنظر في الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة. لكن المحكمة الجنائية الدولية تحتاج إما موافقة الدولة الطرف، أو أن تكون الدولة الطرف عضواً في المحكمة، أو وجود قرار إحالة من مجلس الأمن". وأضاف العبد الله أنه كانت هناك محاولة في أيار/مايو 2015 لإحالة ملف سوريا إلى المحكمة الدولية "لكنها اصطدمت بفيتو روسي-صيني".

الخيار الثاني، كما قال العبد الله، هو إنشاء محكمة جنائية دولية خاصة شبيهة بالمحكمة الجنائية الخاصة بيوغسلافيا أو رواندا. وهو ما "يتطلب قراراً من مجلس الأمن وموافقته"، وفي حالة سوريا سيكون "الفيتو الروسي والصيني حاضراً". أما الخيار الثالث فيتمثل في إنشاء محكمة من دون قرار مجلس الأمن. لكن هذا "يتطلب موافقة الدولة الطرف، أو أن تجبر الدولة الطرف على الموافقة بقرار مجلس الأمن، وفي سوريا لن توافق الحكومة على إنشاء محكمة".

لذلك، كان البديل أمام المنظمات الحقوقية السورية استخدام ما يعرف بـ"مبدأ الاختصاص القضائي العالمي"، والذي تم بموجبه محاكمة رسلان وزميله الغريب. والاختصاص القضائي العالمي هو إجراء استثنائي للعدالة الجنائية، يمنح الدول سلطة محاكمة مرتكبي جرائم خطرة معينة، حتى لو لم يكن للدول أي صلة بالمتهمين أو الأفعال التي ارتكبوها. ومعظم الدول الأوروبية، بمن في ذلك ألمانيا، تتبنى العمل بهذا المبدأ.

جدل الانتقائية

على الرغم من ذلك، أثارت محاكمة رسلان والغريب، جدلاً في أوساط السوريين، كونهما انشقا عن النظام في العام 2012، إضافة إلى مشاركة رسلان ايضاً في وفد المعارضة السورية إلى مؤتمر "جنيف 2" الذي عقد في كانون الثاني/يناير 2014. وقد ذهب البعض إلى اتهام محاكمة الضابطين السابقين بالانتقائية، كونها لا تشمل جميع المنشقين العسكريين والأمنيين عن النظام.

رداً على ذلك، شددت الناشطة الحقوقية مريم الحلاق، العضو في رابطة عائلات قيصر، التي تأسست في برلين العام 2018 من ذوي ضحايا قتلوا تحت التعذيب في سجون النظام، على أن "الانشقاق لا يجبّ ما قبله، ولن يغسل الدماء التي تلوثت بها أيدي مرتكبي الجرائم". لافتة في حديثها إلى "سوريا على طول" أن دعواها -وقد كانت من أوائل من رفع دعاوى قضائية ضد رؤساء الفروع الأمنية في سوريا- أسهمت في "إصدار مذكرة توقيف بحق [رئيس إدارة المخابرات الجوية السابق] جميل الحسن". 

في السياق ذاته، قالت سيف إن "المحكمة تنظر في ارتكاب الجرائم كوقائع وأفعال يجرمها القانون ويعاقب عليها، كما تنظر في دور المتهم ومدى مشاركته بارتكابها أو امتناعه عن القيام بفعل لمنع وقوعها". مبينة أن "الانشقاق موقف سياسي لا ينفي ارتكاب الجرائم أو الاشتراك بها قبل ذلك". مع ذلك فإن هيئة المحكمة، كما أضافت، "ستنظر في كل الظروف والملابسات، وتأخذ بعين الاعتبار ما يقدمه محامو الدفاع، ومن الوارد أن تنظر إلى الانشقاق كسبب مخفف [للعقوبة]".

كذلك، يتمتع رسلان، بحسب سيف، بالكثير من الحقوق منذ اعتقاله على يد السلطات الألمانية في شباط/فبراير 2019، من خلال قضاء نزيه "يوفر كل شروط المحاكمة العادلة". في المقابل، فقد قضى الشاب أيهم غزول، كما أكدت والدته الناشطة الحقوقية مريم الحلاق، تحت التعذيب. مضيفة أنه "عُرض على محكمة القضاء العسكري التي كانت أشبه بمسرحية، وكنا ندرك أن الأحكام ستكون جاهزة ".

الطريق الطويلة

مع أهمية محاكمة أنور رسلان وإياد الغريب، باعتبارها أول محاكمة علنية لضابطين متهمين بانتهاكات خطرة لحقوق الإنسان في سوريا، تدرك مصادر حقوقية وضحايا تعذيب في سوريا، تحدثوا إلى "سوريا على طول" أن "مشوار محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سوريا ما يزال طويلاً".

وتعوّل المنظمات والضحايا على أن هكذا جرائم "لا تسقط بالتقادم ولا بتغيّر الحال"، ويتطلعون إلى خطوات مماثلة للخطوة الألمانية من الأجهزة القضائية الأوروبية الأخرى، كما قال الكيلاني. لافتاً إلى أن المركز السوري للإعلام وحرية التعبير "يعمل على تقديم المعلومات والوثائق التي تدعم ملفات الضحايا ضد المشتبه بهم، إضافة إلى حملات المناصرة لدعم المحاكمات والوقوف إلى جانب الضحايا". ومتوقعاً مزيداً من "المحاكمات العلنية ضد مرتكبي جرائم ضد الإنسانية في سوريا هذا العام".

وفي الوقت الذي تؤكد فيه إحدى الضحايا التي تحدثت إلى "سوريا على طول" على إيمانها بأن "الوصول إلى العدالة وتعرية النظام هو حق لجميع السوريين والسوريات، بما في ذلك محاسبة المجرمين"، فإنها تحذر من أن "بعدم تطبيق آليات العدالة الانتقالية في سوريا، وما لم يتم معالجة ملفات المعتقلين والمعتقلات لا يمكن تحقيق العيش المشترك للسوريين".