ظهر القصف المدمر بشكل واضح عبر لقطات تلفزيونية من جانب أحد المباني في خان شيخون. وكان الانفجار تلو الآخر يهز جنوب مدينة إدلب، حيث أصبح القصف سمة من سمات الحياة اليومية تقريبًا.

وعلى مدى أسابيع، قصف الجيش السوري والقوات الموالية له، مواقع شمال غربي سوريا. ونفذت الطائرات الروسية والسورية غارات جوية على بلدات رئيسية عبر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في محافظتي إدلب وحماة، بما في ذلك سراقب وخان شيخون ومعرة النعمان.

وأكدت الحكومة السورية وحلفاؤها أنهم هاجموا الفصائل المعارضة، يوم الأربعاء، وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" أن وحدات الجيش شنت "ضربات صاروخية ومدفعية على الجماعات الإرهابية" في عدة مدن جنوب شرقي إدلب.

ومع ذلك، يقول عمال الإنقاذ إن الأهداف شملت البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات ومراكز الاستجابة للطوارئ والمنازل.

وقال متحدث باسم الدفاع المدني السوري، المعروفين باسم الخوذ البيضاء، لسوريا على طول "النظام السوري والروس يستهدفون بشكل مباشر كوادر الدفاع المدني وخدمات الطوارئ".

وأضاف المتحدث أن الأهداف تعكس "سياسة متعمدة ... لتدميرهم".

ومنذ الأسبوع الماضي، دمر القصف والغارات الجوية مدينة سراقب، شرقي محافظة إدلب، مما أدى إلى توقف المستشفى الوحيد عن العمل، وفقًا لما قاله أحد الأطباء المحليين في سراقب.

وقال محمود عيسى، المدير الإداري لمستشفى الحياة بالمدينة "لم يصب أي من الموظفين أو المرضى، لأنه تم إخلاء المستشفى بالكامل قبل حوالي 15 دقيقة من بدء القصف. العمل جار لإصلاح الأضرار التي لحقت بالمستشفى، والتي سيعاد فتحها قريبا".

وأضاف أنه المستشفى الوحيد الذي يخدم الآلاف من سكان المدينة، وكذلك المقيمين في المناطق الريفية النائية.

"الأتراك يطلبون منا التحلي بالصبر"

و من المرجح أن حملة القصف الأخيرة كانت هي الأطول منذ أيلول الماضي، عندما اتفقت روسيا وتركيا على نزع السلاح شمال غربي سوريا الذي تسيطر عليه المعارضة.

واتفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في مدينة سوتشي الروسية، على وقف شامل لإطلاق النار يقضي بإنشاء منطقة عازلة تمتد من 15 إلى 20 كيلومتراً على طول الخطوط الأمامية المحيطة بمحافظة إدلب، بالإضافة إلى أجزاء من حماة وحلب واللاذقية المجاورة. وتعد المنطقة هي آخر معقل للمعارضة في سوريا.

وقد حقق الموعدان النهائيان لإزالة الأسلحة الثقيلة في المنطقة العازلة من أيدي المعارضة والإسلاميين المتشددين في تشرين الأول الماضي، نجاحًا متباينًا.

وكان من المتوقع أيضًا أن تنسحب المعارضة على بعد عدة كيلومترات من جانبي طريقين رئيسيين هما طريق M4 و M5، تحت سيطرة المعارضة. وكانا طريقين تجاريين رئيسيين يربطان سوريا بدول الجوار قبل نزاع عام 2011، وأصبحا قطعة رئيسية في المسرحية النهائية للشمال الغربي.

ويرجع الفضل للاتفاق الروسي التركي، في تجنب المواجهة الدامية على نطاق واسع بين القوات الموالية للحكومة وعدد لا يحصى من فصائل المعارضة الموجودة في محافظة إدلب وما حولها، بما في ذلك المقاتلون الإسلاميون المتشددون.

لكن إحدى النقاط العالقة في صفقة سوتشي العام الماضي، الوجود الواسع لهيئة تحرير الشام، وهو تحالف إسلامي متشدد يتزعمه قائد سابق من تنظيم القاعدة، واستولت على مساحات شاسعة من الشمال الغربي منذ بداية العام الحالي.

وتسيطر هيئة تحرير الشام الآن على حوالي 80 في المئة من الشمال الغربي, الذي تسيطر عليه المعارضة، بعد أن شنت حملة عسكرية سريعة في وقت سابق من هذا العام.

وفي الوقت نفسه، كانت عمليات القصف والاشتباكات على الأرض داخل المنطقة العازلة بمثابة اختبار لأبسط المبادئ الأساسية للصفقة.

والنتيجة: كان الاتفاق الروسي التركي عبارة عن فوضى من المواعيد النهائية غير المحققة، وجذب للمخربين واستمرار للعنف، ومع ذلك مازال صامداً حتى الآن.

ويبدو أن تركيا تحاول الآن إنقاذ سوتشي، حيث أطلقت أنقرة أول الدوريات العسكرية التركية داخل المنطقة العازلة وحولها في 8 أذار، بينما تحاول في الوقت نفسه كبح جماح فصائل المعارضة والفصائل الإسلامية المتشددة من أجل الامتثال.

وشوهد، في مقطع فيديو نشرته وسائل الإعلام الحكومية التركية، صف من المركبات العسكرية التركية تمر على طول الطرق الخلفية، التي تحيط بها الأراضي الزراعية الممتدة، في الريف الغربي من محافظة.

وذكرت الأنباء، أن تركيا تجري حاليا محادثات مع روسيا بشأن مد الدوريات إلى تل رفعت في شمال محافظة حلب.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان " القوات التركية في سوريا المنتشرة كنقاط للمراقبة، في مناطق حلب وحماة وإدلب ومنحدرات جبال اللاذقية، تستعد للقيام بدوريات في مناطق تنفيذ اتفاق بوتين - أردوغان".

وفي إشارة أخرى إلى اتفاق سوتشي، طلب من تركيا الأسبوع الماضي أن تقوم فصائل المعارضة والهيئة بإخلاء ال M4 وال M5.  

وبقي بعض المعارضين في الجوار هادئين. وبحسب قيادي من جيش العزة التابع للجيش السوري الحر، والذي يسيطر على مناطق بريف إدلب الجنوبي، أكد المحاورون الأتراك أن فصائل المعارضة تنتظر استكمال الدوريات.

وقال القيادي لسوريا على طول، في وقت سابق من هذا الأسبوع "الأتراك يطلبون منا التحلي بالصبر ...  وأن ننتظر حتى تستكمل بقية الدوريات مسارها"، مضيفا "إننا نتخذ الآن موقفا دفاعيا للحفاظ على أراضينا ومنع الميليشيات الموالية للحكومة من التقدم في حال حاولوا ذلك".

عناصر الدفاع المدني السوري يطفئون حريقاً في المباني المدنية في خان شيخون، بعد القصف. تصوير: الدفاع المدني السوري فرع إدلب.

الشمال الغربي عالق في "دائرة الثأر والانتقام"

لم يكن خطر التصعيد خلال الأسابيع الأخيرة بعيدا عن المنطقة، فقد شنت فصائل المعارضة المتشددة موجة من الهجمات ضد الجيش السوري وحلفائه.

وخلفت اشتباكات برية غير مسبوقة بين المقاتلين المتشددين والقوات الموالية للحكومة شمالي حماة، في الثالث من آذار، ما يقدر بنحو ٢٥ قتيلا من القوات الموالية للحكومة، بعد أن هاجم مقاتلو فصيل أنصار التوحيد المتشدد حاجزين تابعين للجيش السوري بالقرب من مناطق سيطرة المعارضة.

وفي الأيام التالية، شن مقاتلو هيئة تحرير الشام سلسلة من الهجمات على المواقع الموالية للحكومة في جبال اللاذقية- بما في ذلك ما يسمى بالهجمات الانغماسية التي أودت بحياة أربعة جنود سوريين على الأقل وضابط إيراني، وفقا لما نشرته الهيئة عبر قناة إباء الإخبارية التابعة لها.

ويعتبر الهجوم الانغماسي هجوما "يزج" فيه مقاتلو حرب العصابات بأنفسهم في المعركة، وغالبا ما يتقدمون من الخطوط  الخلفية للعدو، قبل أن يموتوا في المعركة أو عن طريق تفجير أنفسهم بسترة ناسفة.

وفي كلتا الحالتين، ألقى المتشددون باللوم على القصف الذي استهدف المدنيين باعتباره الدافع وراء هجماتهم.

وقال محمد، وهو مقاتل من جماعة أنصار الشام المتشددة، لسوريا على طول "هناك عدد من الأسباب لهذه العملية، بعضها مباشر والبعض الآخر غير مباشر- بما في ذلك قصف النظام المتواصل للبلدات والقرى في المنطقة".

وتحدث محمد إلى سوريا على طول بشرط عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث إلى الصحافة.

وأنصار الشام، جزء من غرفة عمليات مشتركة إلى جانب الهيئة وأنصار التوحيد التي وافقت على العمليات في كل من محافظتي حماة واللاذقية.

وأضاف محمد "ترى الهيئة أن الهجمات الانغماسية أكثر فاعلية من غيرها... وهم يرسلون رسالة إلى النظام مفادها بأنهم قادرون على تنفيذ هجمات سريعة وموجعة وقتما يشاؤون".

وصرح سام هيلر، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، لسوريا عل طول بأن القصف المستمر في المنطقة العازلة وحولها "قد يكون ردا على بعض هذه الغارات التي شنتها الهيئة وغيرها من فصائل المعارضة وراء خطوط العدو في إطار الأعمال الانتقامية للقصف العسكري السوري".

وأضاف أن هذه الديناميكية "تضع كلا الجانبين في دائرة من الثأر والانتقام يصعب كسرها".

 

ساهمت آلاء نصار ونورا حوراني في إعداد هذا التقرير.