اخترق صاروخ أطلقته قوات النظام، الجدار الخارجي لمتحف الآثار في إدلب، في الريف الجنوبي يوم الاثنين، وهو الهجوم الأحدث على آثار المحافظة الشمالية الغربية وتحفها القديمة، حيث يقول السكان أنه دمر "الماضي والحاضر والمستقبل".

وعلى الرغم من أن الصاروخ سقط داخل المتحف، فإن العديد من الفسيفساء المثبتة على الجدران الداخلية "لا تزال على حالها"، حسب ما قاله أيمن نابو، مدير مركز الآثار في إدلب الحرة، مكتب حكومة المعارضة للإشراف على آثار إدلب، لسوريا على طول، يوم الاربعاء.

الأضرار داخل المتحف بعد هجوم يوم الاثنين. تصوير: أيمن نابو.

وقال نابو "وضعت أكياس الرمل أمام الفسيفساء أثناء عملية الترميم الأولى لحمايتها، ويبدو أنها استراتيجية ناجحة لأن الفسيفساء لا تزال على حالها".

وفي غارة جوية منفصلة للنظام، في مدينة إدلب، يوم الاثنين أيضا، سقط صاروخ أطلقه النظام بين المتحف الوطني في المحافظة، والدوار المجاور، مما أدى إلى تدمير واحد من الجدران الخارجية للمبنى بشكل جزئي. وألحق الهجوم الضرر بـ"معظم الفسيفساء"، كما أسفر عن مقتل وإصابة ما يقارب عشرين شخصا، حسب ما أفاد به موقع العربي الجديد، الموالي للمعارضة.

وكان هجوم يوم الاثنين، هو الهجوم الثالث الذي يستهدف المتحف في معرة النعمان، وهي بلدة تقع على بعد نحو 30 كم جنوب إدلب. وتخضع  إدلب لسيطرة جيش الفتح، بقيادة أحرار الشام وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة. ولا تنطبق اتفاقية وقف إطلاق النار التي تمت بوساطة أمريكية روسية، في سوريا، على المناطق الخاضعة لسيطرة جبهة النصرة.

وقال نابو أن أسوأ هجوم كان في حزيران عام 2015، عندما أسقطت طائرات هليكوبتر النظام اثنين من البرميل المتفجرة على المتحف، مما ألحق ضررا كبيرا بالفسيفساء ودمر المسجد الذي يعود للعهد العثماني، ويقع في الفناء الداخلي للمتحف.

المدن الميتة في إدلب

تضم محافظة إدلب أكثر من 760 موقعا أثريا، والتي تشكل ثلث المواقع الأثرية في سوريا، و51 بالمئة من التلال الأثرية في البلاد، وفقا لما قاله نزار البرغل، وهو محام يعمل مع منظمة محامون من أجل العدالة، ومواطن في كفرنبل، بلدة في ريف إدلب الجنوبي على بعد 7 كم جنوب غرب معرة النعمان.

غارة جوية شنتها القوات الروسية على شنشيراح في الأول من تشرين الأول، 2015. تصوير: نزار برغل

والبرغل هو واحد من خمسة محامين، أسسوا محامين من أجل العدالة، وهي منظمة محلية تعنى بتوثيق الأضرار التي لحقت بآثار إدلب، كما تجمع تقارير لليونسكو. وتعقد المنظمة أيضا مجموعة من الدورات التدريبية لمحامين آخرين، وأعضاء مكلفين بتنفيذ القانون المحلي، وخريجي الجامعات، لتعليم السوريين كيفية توثيق الانتهاكات بحق الآثار والإبلاغ عنها.

وقال البرغل، من بين الـ760 موقعا في إدلب "تم توثيق انتهاك 490 منها حيث تضررت بطريقة أو بأخرى".

يذكر أن العديد من هذه المواقع الأثرية هي جزء من القرى القديمة في شمال سوريا، والتي تعرف أيضا باسم المدن الميتة، التي تشكل ثمانية تجمعات أثرية منتشرة في جميع أنحاء إدلب وشمال غرب محافظة حلب. وفي منتصف حزيران عام 2011، أضيفت القرى القديمة في شمال سوريا إلى القائمة الرسمية لمواقع التراث العالمي لليونسكو.

وتضم "الباركات" أو التجمعات الأثرية أربعين قرية أثرية بنيت مابين القرن الأول والقرن السابع، وتتيح مشهداً استثنائياً منسجماً فسيح المدى، إلى نموذج الحياة القروية والريفية في العصور القديمة المتأخرة والعصر البيزنطي.

والقرى الأثرية "هي أيضاً تجسيد استثنائي لتطور المسيحية  في الشرق، وفي المجتمعات القروية"، وفق ما وصف  موقع  اليونسكو للتراث العالمي.

ولأن القرى كانت قد هجرت في القرن الثامن وحتى القرن العاشر، فإن هذه المواقع "احتفظت بجزء كبير من معالمها الأثرية وأبنيتها، وبقيت بحالة مذهلة"، وفق ما ذكر موقع اليونسكو.

الضرر في موقع شنشراح الأثري. حقوق نشر الصورة لنزار البرغل.

ويلقي قرب المواقع إلى مناطق الاقتتال والقصف والنهب ومخيمات السوريين المهجرين داخلياً، بكاهله ويؤثر على هذه المعالم التي طالما صمدت طويلا بحالة مذهلة.

وتقع الكثير من المواقع بالقرب من معبر باب الهوى الحدودي بين سورية وتركيا.

ولطالما كانت تخزن الإمدادات التي تأتي من خلال المعبر إلى المقاتلين المسلحين في المستودعات المنشأة في التجمعات الأثرية. وبالإضافة إلى أن التجمعات العسكرية العشوائية أضرت المعارك ببعض الأثار وفق ما ذكر تقرير للرابطة الأميركية للعلوم المتقدمة، كان آخر تحديث له في شباط 2016.   

و يدعى تجمع القرى الأقرب إلى منزل نزار البرغل في كفرنبل بـ"بارك جبل الزاوية". ويتضمن قريتي شنشراح وسرجيلا ولأثارهما لديه "خاصية كبيرة في قلبي (...) أمضيت مع عائلتي وأصدقائي  أحلى وأغلب الأوقات في هذا المكان منذ الطفولة حتى بداية الثورة".

وأثار  شنشراح، وهي من اهم المواقع الاثرية التي تعود للعهد الروماني البيزنطي، يقدر عدد البيوت فيها بـ150 بيتا مبنيا وفق طراز العمارة الروماني البيزنطي، وتعرضت لبعض أعمال التخريب منها تكسير الاحجار الكبيرة واستخدامها في البناء، وتعرضت ايضا للقصف مرات عديدة بالمدافع وغيرها، إلا أن القصف الأعنف الذي تعرضت له من قبل الطيران الحربي الروسي الذي دمر اجزاء كبيرة،  وفق ما أكد البرغل.

وأشار البرغل إلى أن "الأهالي نزحوا إليها من المناطق المجاورة في حلب وغيرها من الأماكن في إدلب اثناء عمليات القصف مصطحبين مواشيهم التي وضوعها في المدافن الارضية واستخدموها للسكن ايضا".

وختم البرغل "أشعر بالحزن الشديد لأن تدمير هذا المكان بالنسبة لي هو تدمير للماضي والحاضر والمستقبل".

 

ترجمة: سما محمد و فاطنة عاشور