في جزيرة "إمرالي" التركية، وهي جزيرة صغيرة تقع جنوبي بحر مرمرة، يقضي السيد عبد الله أوجلان محكوميته بالسجن المؤبد، في زنزانة انفرادية، منذ عام 1999.

وأوجلان هو أحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني، والأب الروحي للإدارة الذاتية الكردية، بشقّيها السياسي والعسكري، التي تحكم شمالي شرق سوريا، أو ما يُعرف بـ"روجافا"، حيث يمثل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الإدارة السياسية، ووحدات حماية الشعب YPG الجناح العسكري لها.

وفي الثاني من شهر أيار الجاري التقى أوجلان مع فريق دفاعه، للمرة الأولى منذ عام 2011، حيث مُنعوا من لقاء موكلهم خلال السنوات الماضية.

وطالب الزعيم الكردي في رسالته -التي نُقلت على لسان اثنين من محاميه كانا التقيا معه هذا الشهر- أن تحل مشاكل سوريا بعيداً عن ثقافة العنف، بهدف إرساء ديمقراطية محلية في إطار احترام وحدة الأراضي السورية، مؤكدا أن "حساسيات تركيا يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار".

ووجه أوجلان رسالته إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهي تحالف عسكري كردي- عربي، شمالي شرق سوريا، غالبيته من المكون الكردي، مطالباً إياهم بـ"السعي للتوصل إلى حل المشاكل بعيداً عن ثقافة الصراع".

وتعدّ السلطات التركية حزب الاتحاد الديمقراطي PYD منظمة إرهابية، وتتهم الإدارة الكردية في شمالي شرق سوريا بتهديد أمنها القومي، وتتعامل معه على أنه امتداد لحزب العمال الكردستانيPKK، الذي شارك أوجلان في تأسيسه مع مجموعة من الطلبة الماركسيين عام 1978.

وتدرج تركيا والولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى، حزب أوجلان، على لوائح الإرهاب، فيما ترفض الأمم المتحدة ودولٌ كروسيا والصين وغيرها وضعه على لائحة الإرهاب.

ومن جانبها أبدت الإدارة الذاتية تأييداً لما جاء في رسالة أوجلان، وقالت في بيان رسمي، صدر في 8 أيار الجاري بأن الرسالة "تحمل في طياتها معانٍ قيمة".

وأضافت الإدارة الذاتية في بيانها "نؤكد في هذه المرحلة التاريخية بأن مشاركة الجميع مهمة في إيجاد الحلول وتفعيل الإجراءات التي تخدم السلام والحل الديمقراطي المؤدي إلى الاستقرار والعيش الكريم، بعد هذه السنوات الصعبة التي مرت على سوريا".

ورغم الترحيب بما جاء في رسالة أوجلان من مناصريه، واعتبارها انفراج للعلاقة بين أنقرة والإدارة الذاتية في شمالي شرق سوريا، يرى الكاتب والمحلل السياسي نور الدين عمر أن "أوجلان غير قادر على توجيه أية أوامر أو تعليمات لحزبه أو لأي قوة أخرى.

وقال عمر، وهو مقيم في مدينة القامشلي شمالي شرق سوريا، ومقربٌ من الإدارة الذاتية، لمراسل سوريا على طول محمد عبد الستار ابراهيم "أوجلان أسير ومفروض عليه عزلة إنسانية"، مشدداً ضرورة أخذ وضعه بعين الاعتبار.

بينما تجري مباحثات ومفاوضات في دهاليز السياسة حول مستقبل شمالي شرق سوريا، ومصير مستقبل روجافا، نقل فريق دفاع السيد عبد الله أوجلان رسالة منه، يدعو فيها إلى عقد اتفاقية سلام مع تركيا، علماً أن فريق دفاعه ممنوع من زيارته منذ عام 2011، كيف تقرؤون الرسالة وتوقيتها؟

تصريح السيد أوجلان مهم، وفيه تأكيد للنهج الذي اتبعه منذ البداية و حتى الآن، هي دعوة للسلام، ونبذ العنف، والتوصل إلى حل سلمي للقضية الكردية، ليست في تركيا فقط، بل في جميع البلدان الأخرى التي يتواجد فيها الكرد، حل يجنب المنطقة مزيداً من الحروب، ويمنع تقسيم البلدان.

أما التوقيت فهو مرتبط بالتطورات السياسية المتسارعة، فمن جهة سلطة العدالة والتنمية في تركيا تلقت ضربة قاسية في الانتخابات البلدية التي جرت في 31 آذار الماضي نتيجة السياسات المتهورة لرئيس الحزب الحاكم، و تحالفه مع حزب الحركة القومية المتطرف، وكذلك مرتبط بالوضع السوري وعدم قبول الولايات المتحدة الأمريكية لأي دور للجيش التركي في المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها في شمال وشرق سوريا.

ويبدو أن سلطة العدالة والتنمية قررت الابتعاد عن حزب الحركة القومية، و التقارب مع الكرد لإطالة عمره من جهة، و لإقناع الولايات المتحدة الأمريكية بأنها لا تسعى لضرب الكرد، حتى يكون لها دور مهم في المنطقة الآمنة.

هل هناك أي رابط بين رسالة السيد أوجلان مع التصريحات الأخيرة للسيد مظلوم عبدي، من عين عيسى، حين قال أن هناك مفاوضات غير مباشرة مع تركيا؟

ما صرح به القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، يندرج ضمن المساعي لإيجاد نوع من التقارب التركي الكردي، وإيجاد نوع من الحلول الوسطية فيما يتعلق بالقوى التي ستتواجد في المنطقة الآمنة.

وأبدت قوات سوريا الديمقراطية منذ البداية المرونة، وأكدت على الحوار، لكن السلطات التركية هي التي رفضت بأي نوع من التفاوض معها، و تعتبرها قوات إرهابية، لكن يبدو أن أردوغان وحزبه الحاكم اقتنعوا بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح لتركيا باجتياح شمال وشرق سوريا، ولذلك فهم مضطرين لقبول حلول حتى لا يفقدوا كل شيء.

كيف تؤثر رسالة صادرة من زعيم منظمة مدرجة على لوائح الإرهاب على روجافا من الناحية السياسية؟

أولاً، أوجلان شخصية مهمة ومؤثرة، لكنه غير قادر على توجيه أوامر أو تعليمات لحزب العمال الكوردستاني أو لأي قوة أخرى، فهو أسير، وتُفرض عليه عزلة غير إنسانية، وكل ما يصرّح به هو مجرد اقتراحات للإدارة الذاتية أو لحزب العمال الكردستاني، وهذا ليس بجديد، حيث أرسل سابقاً اقتراحات للبرزاني وطالباني، حتى للسلطات التركية.

يجب ألا يفهم من تصريحات أوجلان أنها أوامر أو تعليمات، وإنما هي مساعٍ سلمية لشخصية قيادية مهمة ومؤثرة، وقادرة على تقديم حلول وخيارات من أجل البدء بمرحلة جديدة تبعد شبح الحرب عن المنطقة.

ما هو شكل المفاوضات غير المباشرة مع تركيا، التي يتم الحديث عنها، وهل لديك فكرة عن البنود التي يمكن طرحها؟

حتى الآن لا يوجد ما يثبت أن المفاوضات قد بدأت فعلاً، لكن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني أعلن عن مساعٍ من أجل البدء بالمفاوضات مع تركيا.

أما من ناحية حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، فلا مفاوضات حالياً تلوح في الأفق، لكن خطوة السماح للمحامين بزيارة موكلهم أوجلان، بعد أربعة سنوات من العزلة المطلقة، ربما هي خطوة في اتجاه البدء بتهيئة الأرضية للمفاوضات غير المباشرة.

وفي حال كان هناك مفاوضات، أعتقد أن السلطات التركية ستصرّ على فرض الاستسلام على حزب العمال الكردستاني، مقابل تخفيف العزلة عن أوجلان، أما الحزب سيضغط على السلطة ولن يترك السلاح إلا بعد إيجاد تسوية حقيقية للقضية الكردية في تركيا.

عموماً المفاوضات ستكون طويلة، وأنا شخصياً غير مقتنع بالوصول إلى تسوية حقيقية، لأن عقلية العدالة والتنمية لا تعترف أصلاً بالقضية الكردية، لكن مع ذلك الكرد لن يخسروا شيئاً من المفاوضات، رغم أنهم على قناعة بأن الحزب الحاكم في تركيا يراوغ وغير جاد في عملية السلام.

بما أن تصريحات السيد أوجلان وكوباني تشترك في ضرورة مراعاة حساسية تركيا، فهل هذا مؤشر لانفراج سياسي، كما حصل في مفاوضات تركيا وحزب العمال الكردستاني في 2013، وأعلن الحزب عن تخليه عن السلاح بعد سنوات من القتال؟

الترجمة التركية لكلمة hassasiyetlerine لا تعني "حساسية" باللغة العربية حرفياً، بل القصد هو دور تركيا أو مكانة تركيا في المنطقة وفي سوريا، ولذلك القصد هو مراعاة هذا الدور، وليس تقديم التنازلات.

وقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية وحزب العمال الكردستاني وجميع الكرد في الشمال والجنوب، بل في أي مكان، متمسكون بالحوار والسلام، وليس لديهم نوايا عدوانية تجاه أية دولة، بما فيها تركيا، لكن بالمقابل تركيا هي العدوانية، وتستفز الكرد، وتنكر حقوقهم، ولا تتحمل حتى كلمة كرد أو كردستان.

ولذلك تصريحات أوجلان و كوباني هو تأكيد على استمرارهم بنفس النهج، وهو الدعوة للسلام والحوار ومراعاة دور تركيا وغيرها.

أمريكا داعم رئيسي لقوات قسد ومشروع الإدارة الذاتية شمالي شرق سوريا، ولكنها أيضاً لا تفرّط بمكانة تركيا، فما هو الدور الأمريكي في المفاوضات بحسب معلوماتك؟

عندما تحدّث مظلوم كوباني عن المفاوضات مع تركيا عبر الأصدقاء، كان يقصد الولايات المتحدة الأمريكية، وربما فرنسا، رغم أنه لم يسميهما بالاسم.

الولايات المتحدة الأمريكية لا ترفض المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية وبين تركيا، وباعتقادي أنها ستشجع المفاوضات، وستلعب دوراً مهما في حال قبول الجانب التركي بذلك، لكن من المستبعد أن تضغط الولايات المتحدة الأمريكية على أنقرة في مسألة المفاوضات، على الأقل في الوقت الراهن.

وربما هناك بالفعل مساعٍ أمريكية لإيجاد نوع من التوافق أو التقارب بين قوات سوريا الديمقراطية وتركيا، لكن إلى أي مدى ستتجاوب أنقرة مع تلك المساعي،  سيتضح ذلك قريباً.

ومن مصلحة الكرد و الأتراك والولايات المتحدة الأمريكية إيجاد نوع من التوافق بين الكرد و تركيا، لكن العقلية الشوفينية والعنصرية عائق أمام كل التوافقات، حتى وإن كانت في صالح تركيا على المدى البعيد.