عمان- يحاول أبو محمد إحاطة خيمته التي مضى على وجوده فيها خمس سنوات بسواتر ترابية ترتفع 40 سم عن الأرض، منعاً لغرق مأواه الأخير بمياه الأمطار التي اقترب أوانها مع دخول فصل الشتاء إلى منطقة أطمة الواقعة شمال غرب سوريا على الحدود التركية.

إذ العام الماضي، جرفت السيول خيمة أبو محمد، متلفة ما فيها من أساسيات حياة، ومجبرة العائلة على المكوث في خيمة أقرباء لها في مخيم مجاور كان أقل تأثراً بتلك السيول.

وقد شهدت مناطق شمال غرب، في نيسان/إبريل الماضي، أمطاراً غزيرة غير مسبوقة، تسببت بسيول جرفت مخيمات النازحين والملاجئ المؤقتة التي يقيمون فيها. وبحسب منظمات إنسانية محلية، أدت تلك السيول إلى تضرر أكثر من 500 مخيم في ريف إدلب وحده، بحيث بلغ عدد الأسر المتضررة، كما ذكر مدير البرامج في منظمة "ساعد" الخيرية، خالد عبد الرحمن، لـ"سوريا على طول" نحو "27 ألف أسرة، منها 9,302 أسرة تضررت بشكل مباشر".

أطفال يسيرون في مخيم خالد بن الوليد، قرب معبر باب الهوى على الحدود السورية-التركية، 5/10/2019 (سوريا على طول)

محاولات يائسة وغير كافية

خلال الأسبوع الماضي، أعلنت منظمة "بنيان"، عبر موقعها الالكتروني، بدء فرق الصيانة الخاصة بها عملية صيانة الطرقات في منطقة أطمة، ضمن مشروع "التأهب للسيول". كما نشرت المنظمة عبر صفحتها على "فيسبوك"، صوراً لاجتماع فريقها مع مدراء مخيم أطمة، لإطلاعهم على آخر تطورات المشروع".

كذلك، ذكر مؤسس وعضو مجلس إدارة منظمة "بنفسج"،  فؤاد سيد عيسى، لـ"سوريا على طول" أن المنظمات الإنسانية تحاول تجهيز مخيمات النازحين بشكل أفضل من خلال زيادة تأهيل البنية التحتية ورفع مستوى الخيام عن الأرض من خلال قواعد إسمنتية، وإضافة إلى الاستعداد "للاستجابة لحالات الطوارئ في حال حدوث أي كارثة كما فيضانات العام الماضي، حين عمل فريق "بنفسج" على إنقاذ الناس من الغرق وإخلائهم والحفاظ على مقتنياتهم من الضياع".

على الرغم من ذلك، وصف نازحون مقيمون في المنطقة، في حديثهم إلى "سوريا على طول"، تلك الجهود والاستعدادات  بأنها "يائسة وليست كافية".

وكما روى أبو محمد، فقد "وزعت إحدى المنظمات الإنسانية على سكان المخيم عوازل مطرية تمنع تسرب المياه من أعلى إلى الخيم، كما أُنجزت مشاريع محدودة من قبيل تركيب منافذ (عبارات) لتصريف مياه الأمطار".

لكن في حالة مخيم خالد بن الوليد قرب الحدود التركية، حيث يقيم أبو عادل، النازح من ريف حماه، فإنه بعد ست سنوات على تواجده في المخيم، "لم تقم المنظمات بأي استعدادات لفصل الشتاء" هناك.

تفسير ذلك، وفقاً لمحمد حلاج، مدير "منسقو استجابة سوريا"، وهي منظمة محلية تنشط شمال غرب سوريا، وتعمل على تنسيق وتقييم ورصد الأوضاع الإنسانية، هو أن مخيمات النازحين، العشوائية منها والمُنظمة، تحتاج إلى بناء أو إصلاح شبكة الطرق داخلها، لاسيما وأن "غالبية تلك الطرق غير مخّدمة بشكل كامل منذ عدة سنوات"، كما "بناء أو إصلاح شبكات تصريف المياه والصرف الصحي".

ويبلغ عدد المخيمات في شمال غرب سوريا، بحسب ما ذكر الحلاج لـ"سوريا على طول"، 1153 مخيماً، تضم 242 مخيماً عشوائياً، ظهر 131 منها خلال الأشهر الماضية، نتيجة الحملة العسكرية التي شنتها القوات الحكومية مدعومة بالميليشيات الأجنبية والطيران الحربي الروسي، على ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، وأدت لخسارة المعارضة أجزاء كبيرة من مناطق سيطرتها.

إذ تُقدر أعداد النازحين جراء الحملة الأخيرة بنحو 966,140 نازح، يضافون إلى أكثر من 320 ألف نازح سابقاً يقيمون في مخيمات تتوزع في غالبيتها ضمن منطقة الدانة التي تعتبر مركزاً للمخيمات الحدودية، بحسب الحلاج.

وفي مقابل الحاجة الماسة والمتزايدة، تبرز عقبات عديدة أهمها استجابة الجهات المانحة، التي "تأخذ وقتاً كبيراً"، كما قال الحلاج، ثم "الإجراءات الطويلة ضمن الأراضي التركية، تليها عملية إدخال المواد لسوريا. كل ذلك ربما يأخذ عدة أشهر، ولهذا نشاهد ضعفاً كبيراً في عمليات الاستجابة".

وشدد سيد عيسى، على ضرورة بدء المنظمات الدولية والجهات المانحة "منذ اللحظة في التجهيز لمقاومة كوارث الشتاء المقبل". إذ لا يجب الانتظار حتى مشاهدة المأساة والصور والفيديوهات والتقارير التي تصلنا خلال فصل الشتاء". مضيفاً: "الجميع يعرف أننا أمام كارثة تتكرر كل سنة في حال عدم البدء بتجهيز الأراضي بشكل جيد، وتجهيز مجار لمياه الأمطار بعيداً عن المخيمات".

طفلة تقف بجوار منزل يطل على مجموعة من الخيام أقامها نازحون في الأشهر الأخيرة جنوب مخيم خالد بن الوليد، 5/10/2019 (سوريا على طول)

معضلتا المخيمات العشوائية والاكتظاظ

دفعت الحرب الدائرة في سوريا النازحين إلى إنشاء مخيمات تؤويهم بشكل سريع ومؤقت كما كان يؤمل. وهو ما أدى إلى ظهور مئات المخيمات العشوائية على امتداد الأراضي السورية، الحصة الأكبر مما تبقى منها الآن تقع شمال غرب البلاد على الحدود التركية.

ورغم أن جميع المخيمات "عرضة للانجراف" كما ذكر الحلاج، تظل "المخيمات العشوائية هي المتضرر الأكبر من الانجراف بفعل السيول، لأنها مقامة على تربة حمراء غير قابلة لتأسيس أو تشييد أي نوع من المخيمات".

وبالتالي، فإن "على النازحين العمل على حفر الخنادق في محيط المخيمات، كما حفر خنادق بسيطة في محيط كل خيمة، لامتصاص الصدمة الأولى نتيجة تقدم مياه الأمطار إن حدث عاصفة مطرية".

أيضاً، كان خالد عبدالرحمن من منظمة "ساعد"، قد لفت إلى مشكلة إضافية تتمثل في ملكية الأرض التي يتواجد عليها المخيم العشوائي وعدد النازحين المقيمين فيه. 

إذ قام بعض العائلات النازحة بإنشاء خيامها في منتصف أراضٍ زراعية "من دون أخذ معايير الحد الأدنى الخاصة بطبيعة الأرض وشكل المخيم، ما يعد أحد الأسباب الرئيسة لتشكل الفيضانات والكوارث داخل المخيمات".

كما "لا يستطيع أحد [من المنظمات] العمل بسهولة في أرض زراعية ملكيتها خاصة. فأصحاب الأرض لن يسمحوا لنا بفتح طريق في الأرض أو عمل قناة صرف وغيرها"، إضافة إلى "قيمة التدخل [الإنساني] المرتفعة [بالنسبة للمنظمات]" في بعض الحالات، قياساً إلى عدد المستفيدين المحدود. 

لكن في المقابل، تظهر معضلة "الاكتظاظ السكاني الهائل في المخيمات"، لاسيما المنظمة منها. إذ تعادل الكثافة السكانية، وفقاً للحلاج، 817 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد. وليس لدينا حالياً خطة لاستيعاب الأعداد الهائلة في المخيمات العشوائية أو نقلها إلى أماكن أخرى، لاسيما وأن الأبنية السكنية في المنطقة تعرضت لأضرار كبيرة". مضيفاً أنه "ربما نحتاج لأبنية وضواحي لاستيعاب الأعداد الهائلة، لكن الحل المؤقت يتمثل في استبدال الخيم بـ"كرفانات"، الأمر الذي يعد مكلفاً ويحتاج وقتاً طويلاً لإتمامه".

مهند عبد الحق، النازح من مدينة حلب، قام بشراء قطعة أرض صغيرة، قبل أشهر، إلى جوار مخيم أطمة الذي كان يسكن فيه، وبنى عليها منزلاً "متواضعاً" يقيهم كارثة شبه محققة في الأيام القادمة. لكن فيما لا يبدو هذا الخيار متاحة للغالبية العظمى من النازحين، يرى أبو عادل أن الحل المتاح و"البسيط"، برأيه، يتمثل في بناء خندق من الجهة الغربية للمخيم يسمح بتحويل مياه الأمطار إلى اليمين واليسار وإبعادها عن مخيمهم والمخيمات العشوائية التي أنشئت مؤخراً أسفل منه في مجرى السيول.

وختم أبو عادل بالقول: "ما بدنا [لا نريد] محروقات أو بطانيات، مسامحينهم. بس اعملوا إلنا طرق صرف مياه الأمطار حتى ما نغرق بخيامنا. بس هاد المطلوب من المنظمات".