منذ اندلاع أحداث سوريا في ربيع 2011، برز دور مراكز توثيق الانتهاكات في حفظ وأرشفة الانتهاكات والجرائم المرتكبة من جميع الأطراف، وتنامى دورها حتى أصبحت تشكل خطراً على أطراف الصراع في سوريا.

وبالتزامن مع نمو دور منظمات توثيق الانتهاكات، أخذت الحملات المناهضة لها تتنامى من جهات إعلامية تتبع لأنظمة سياسية أو جهات تحرّكها دوافع سياسية ضد تلك المنظمات، كالشبكة السورية لحقوق الإنسان، والدفاع المدني السوري المعروف باسم "الخوذ البيضاء".

وعرضت شركة "إعمار الشام" التابعة لرجل الأعمال السوري، المقرب من حكومة دمشق، سامر فوز، المدرج على قائمة العقوبات الأوربية، مسلسل "كونتاك"، اتهمت في إحدى حلقاته رجال الخوذ البيضاء بفبركة مسرحيات حول الكيماوي في سوريا.

وأثارت الحلقة الثالثة والعشرين، التي تم حذفها من موقع يوتيوب، ردود أفعال غاضبة، في الشارع السوري، ما دفع الفنانة السورية أمل عرفة، بطلة هذه الحلقة للاعتذار من الجمهور عن هذه "اللوحة الفنية".

وفي تموز/ يونيو الجاري، نشر موقع mint press news مقالاً للصحافية البريطانية "فانيسا بيلي" تتهم فيه الشبكة السورية لحقوق الإنسان بمسؤوليتها عن الترويج لدعاية "البراميل المتفجرة".

وتوثق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في الآونة الأخيرة، الانتهاكات ضد "جقوق الإنسان" في محافظة إدلب، شمالي غرب سوريا، منها توثيق استهداف منشأة طبية، في قرية حيش، بريف إدلب الجنوبي، منتصف حزيران/ يونيو الجاري.

وقال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لمراسلة سوريا على طول آلاء نصار "الشبكة سجلت أنماطاً واسعة ومتعددة من الانتهاكات على مدار 8 سنوات، واستطاعت بناء قاعدة بيانات واسعة جداً منذ عام 2011".

وأكد عبد الغني بأن الشبكة لديها آلاف الصفحات التي توثق الحوادث، مشيراً إلى أنهم "مستعدون لتقديمها في المحاكم الدولية".

وتعمل الشبكة السورية لحقوق الإنسان على توثيق الضحايا، والحوادث التي خلفت ضحايا، وعمليات القتل خارج نطاق القانون، وبحسب عبد الغني "تم توثيق آلاف المجازر"، وتطلق الشبكة اسم مجزرة على أي عملية قتل لخمسة أشخاص دفعة واحدة.

بعد مرور 9 سنوات على اندلاع أحداث سوريا، نجد أن التحرك القانوني تجاه القضية السورية خجولاً، وهذا قد يؤثر على شعور السوريين وغيرهم بعدم إمكانية تطبيق العدالة في سوريا ، فما هو تعليقكم؟

مع الأسف، لا يزال الحراك القانوني والحقوقي لتحقيق شيء حيال سوريا خجول وضعيف جداً، وعلى عدة مستويات ليس فقط على مستوى المحاكمات، على سبيل المثال مسؤولية وقف عمليات قتل المدنيين يتحمل مسؤوليتها مجلس الأمن، وكان لروسيا دور كبير في تعطيل أي قرار أممي.

نحن لا ننفي مشكلتنا مع النظام بنزعته الطائفية وطبيعته السادية والعنيفة، وكذلك وجود إيران على نحو طائفي واستثمارها بالنظام السوري للوصول إلى البحر المتوسط وما إلى ذلك، ولكن مشكلتنا مع وجود روسيا في سوريا أكبر، لأن روسيا لعبت دوراً كبيراً في حماية النظام، ولو لم تتدخل في سوريا لما كان حصل النظام على هذا الدعم، وبالتالي كان ملف سوريا أحيل للمحكمة الجنائية الدولية، وربما تم التدخل لحماية المدنيين، ولكن وجود روسيا منع كل هذا.

وفي ظل عدم وجود محاسبة، بعد ارتكاب عدد كبير من الجرائم، أدى إلى فقدان السوريين للأمل بالقانون والعدالة والمحاسبة، وجزء منهم اتجه إلى التنظيمات المتشددة للأسف، وذلك نتيجة عنف النظام، واستمراره بارتكاب الجرائم، ومنها أخذ منحى طائفي دون وجود محاسبة.

في الحقيقة تطبيق العدالة ليس أمراً مستحيلاً، ولكن طريقه صعب، نحن ماضون فيه، وسنناضل من أجله، وأود أن أنوه إلى نقطة مهمة، وهي أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، القانون لصالحنا والتوثيقات معنا، ولكن القوة والسياسة ضدنا، لا سيما روسيا، ولا نعرف كيف نكسر هذه الحلقة لتحقيق العدالة.

لا نريد أن نعطي الناس وهماً زائفاً، ولكن اليوم تجري محاكمات في أوربا، وهي خطوة جيدة ولكنها محدودة وليست كافية، وهذه المحاكم تتنظر في قضايا أفراد محدودين لا يتجاوز عددهم 50 شخص إلى الآن، لكن يبقى مرتكبي الجرائم في سوريا، وعددهم بالآلاف، خارج المحاسبة حتى الآن، ونطمح بمحاكتهم لوقف الجرائم مرة أخرى.

من خلال منصبك الحالي، وعلاقاتك الدولية، هل تعتقد أن عملكم يجني ثماراً، وأننا سنشهد تحركاً قانونياً دوليا تجاه سوريا؟

من خلال زياراتي التي أقوم بها، كانت غايتنا الطلب من السياسيين التدخل العاجل، من أجل اتخاذ قرار سريع بحماية المدنيين، خاصة أن المحاكمات طويلة المدى، ونستند في هذه الزيارات إلى التوثيقات التي نحملها معنا، والوثائق التي بين أيدينا يدفع الكثير من الجهات إلى الرغبة في الاستماع والإصغاء، لأن خطابنا معزز بالوثائق.

ورغم كل التوثيقات، لا أتوقع حراكاً دولياً قريباً في هذا الشأن، لذلك كنا نطالب دائماً بحراك خارج مجلس الأمن لحماية المدنيين، فمسؤولية الحماية تقتضي تحركاً خارج مجلس الأمن، بعد أن فشل في حماية المدنيين داخل سوريا على مدى السنوات الثمانية الماضية، فالمعادلة تقول هل نبقى على فشل مجلس الأمن في حماية المدنيين أو يكون هناك تحالف دولي خارج مجلس الأمن لحماية المدنيين؟

هذا السؤال الأهم، وهو الاختيار الأصوب، وهذا ما يجب أن يحصل، وسأضرب مثالاً بتدخل حلف الناتو في يوغسلافيا عام 1999، لذلك نحن ندعو إلى تحالف مشابه يحمي المدنيين في سوريا خارج إطار مجلس الأمن.

قبل أيام نشرت على حسابك الرسمي، بأن "الصحافة السوداء" الموالية لروسيا تتهجم على الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وتروج لدعاية "القنابل البرميلية"، هل لديكم ما تواجهون به هذه الدعاية بأدلة يمكن الاحتفاظ بها وتقديمها في المحاكم الدولية؟

فيما يخص استخدام البراميل المتفجرة هو إدانة قوية للنظام، لأن هذا النمط من الأسلحة لا أحد يملكها إلا هو، ويتم إلقاءها عبر سلاح الجو (الطائرات المروحية أو الحربية) التي يملكها النظام، وأيضاً هذه البراميل لا يصنّعها إلا النظام، وتجريم النظام لم يأت من فراغ، لدينا آلاف الصفحات التي توثق حوادث تم فيها استخدام البراميل المتفجرة، ونحن مستعدون لتقديمها في المحاكم الدولية، وهي تدين النظام السوري إلى حد كبير باستخدام "الأسلحة العشوائية".

هناك تحركات قانونية في ألمانيا تجاه بعض المتهمين بالتواطؤ مع النظام السوري، هل تعتقد بأن هذا التحرك هو حركة دولية فعلية تجاه العدالة في سوريا ومحاسبة المجرمين؟

محاسبة المجرمين لم تكن بدايتها في ألمانيا، سبقتها فرنسا والسويد في هذه الخطوة، وأيضاً هناك دول أخرى كالنمسا، هذه الإجراءات بموجب الاختصاص القضائي العالمي لهذه الدول تعتبر إجراءات جيدة، ونحن ندعمها ونساهم بها أيضاً، لكنها غير كافية ومحدودة، وهكذا طبيعة الاختصاص العالمي بأنه يحاسب المجرمين الموجودين على أراضي الدولة، وقد أصدر المدعي العام الألماني مذكرة اعتقال بحق علي مملوك وعبد السلام محمود وهم خارج ألمانيا، وهذه كانت خطوة مهمة كونها مذكرة اعتقال من الإنتربول الدولي ولكنها أيضا غير كافية.

سوريا بحاجة إلى إنشاء محكمة خاصة، وإنشاء هذه المحكمة يجب يوافق عليه مجلس الأمن، لذلك أنا أقول دائماً بأن مجلس الأمن عقبة في وجه التحقيقات لمحاسبة المجرمين في سوريا، ولم يأخذ دوره الحقيقي والأساسي في تحقيق الإستقرار والأمن والسلام وفي حقوق الإنسان.

برأيك، هل أثرت السياسة على قرارات الدول - بما فيهم أصدقاء سوريا -  بخصوص تحقيق العدالة في سوريا؟

بكل تأكيد السياسة تؤثر على قرارات الدول بأن تقف عاجزة لاتتحرك من الناحية الحقوقية، وأيضاً تربطها بالجانب السياسي، ولهذا السبب وقعت آلاف الانتهاكات، وسقط عدد كبير من القتلى في سوريا، وتشرد نصف الشعب السوري، ولو أنه كان هناك خطوات جدية من الدعم للجانب الحقوقي لما كانت حصلت كل هذه المجازر، ولما تدمرت الدولة السورية مقابل الحفاظ على النظام والمصالح السياسية، وبالتالي أثر السياسة على الوضع القانوني كان واضحاً في مسار مؤتمر جنيف، حيث كان المبعوث الدولي ديمستورا يقول لا تتحدثوا كثيرا على المحاسبة ولا تطرحوها، كانوا يحاولون ويسعون لرحيل النظام مقابل أن نلغي محاسبته أو نؤجلها، من دون ذكر جرائم روسيا على الإطلاق في المحادثات، أو ذكر دعمها للنظام السوري، ولا حتى تم ذكر الجرائم الإيرانية من قبل المبعوث الدولي ولجان التحقيق، كان هناك تجنب واضح لذكر الروس والإيرانيين.

أصدقاء سوريا الذين انخرطوا بالعملية السياسية هم أيضاً تأثروا بهذا الاتجاه ولم يتخذوا خطوات إيجابية كثيراً من الجانب القانوني والمحاسبة إلا البعض منهم كان جانب المحاسبة أمراً لا تنازل عنه.