مرج اليعفوري، مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل: ينحدر من هضبتي مجدل شمس ومسعدة المحتلة في سوريا، حيث يوجد واد صغير مليء بأشجار الكرز والتفاح.

وتمتد  مجموعة ضئيلة من البساتين على المصاطب إلى أعلى التلال  التي تحدّ وادي مرج اليعفوري، وتطل على الأشجار ومقام الدروز في الأسفل، وتعود هذه البساتين، التي تقع فيما يعرف محلياً باسم مرج اليعفوري، إلى مزارعين سوريين، بعضهم يعتني بها من قبل مجيء الاحتلال إلى المنطقة، منذ عقود.

كان الشتاء هذا العام بارداً وماطراً، وبدأت أشجار الكرز تزهر الآن، في حين يعبر عدد قليل من العمال من تلك الطرق الحصوية بين الأشجار.

وتشكل هذه البساتين آخر جزء من الأراضي الزراعية الممتدة حتى السياج الحدودي، الذي يفصل الجولان المحتل عن منطقة وقف إطلاق النار الواقعة ضمن الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة السورية.

ويخيم الهدوء على الحقول الواقعة على  جانب السياج الحدودي، لكن هناك دلائل تشير إلى أن هذا الوادي الهادئ قد أصبح منطقة مثيرة للجدل بشكل متزايد.

وسيطرت القوات الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، وهي هضبة جبلية تقع بين لبنان وجنوب شرق سوريا، خلال حرب الستة أيام، عام ١٩٦٧، بين إسرائيل والدول العربية المجاورة، وخلالها تم طرد مئات الآلاف من السوريين من منازلهم وإرسالهم إلى سوريا، حيث اتجه معظمهم إلى دمشق ودرعا، في حين بقي عشرات الآلاف في المنطقة المحتلة.

وفي العقود التي تلت الاحتلال، تم تجريف أكثر من ٣٠٠ قرية سورية في الجولان، وتم محوها من الخرائط، لتحل محلها مستوطنات إسرائيلية. واليوم، ما يزال هناك خمس قرى سورية فقط في الجولان المحتل، من بينها مجدل شمس ومسعدة.

واعتبرت الأمم المتحدة وغيرها الكثير من الدول، الاستيلاء الإسرائيلي على الجولان واحتلال المنطقة فعلاً غير قانوني بموجب القانون الدولي. في حين ادعى القادة الإسرائيليون أن الجولان يشكل منطقة حيوية بالنسبة لدفاعاته العسكرية.

جزء من السياج الحدودي في مجدل شمس والذي يفصل مرتفعات الجولان عن منطقة وقف إطلاق النار الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، بين الأراضي التي تحتلها إسرائيل والأراضي السورية. تصوير: مادلين إدواردز.

لكن المنطقة تعد استراتيجية من نواحي عديدة، وبالنسبة لشركات الطاقة "الخضراء" الإسرائيلية، تعد تلال الجولان موقعاً مثالياً لإنشاء توربينات الرياح لتوليد الطاقة المتجددة. وتنتشر بعض التوربينات، التي أنشئت في عام ١٩٩٢، فعلياً على أحد التلال وسط الجولان.

وشركة الطاقة المتجددة الإسرائيلية انيرجيكس " Energix" هي إحداها، حيث تعمل على إتمام مراحل تصريح التخطيط لمشروع بناء آخر يتضمن إنشاء العشرات من توربينات الرياح التي يصل طولها إلى ٦٤ طابقاً، مبنية في بساتين التفاح والكرز التي يملكها السوريون.

ووفقاً لموقع شركة انيرجيكس الإلكتروني، ستوفر مزرعة الرياح التي أطلق عليها اسم "ARAN" "مئات فرص العمل الجديدة"، كما ستوفر على الاقتصاد الإسرائيلي ما يعادل ٢٢ مليون دولار سنوياً من خلال توليد الكهرباء الصديقة للبيئة.

وقال مزارعون وناشطون ممن يملكون أراض في مرج يعفوري، لسوريا على طول، أن الشركة عرضت عليهم حوافز اقتصادية مع تعويضات تصل قيمتها إلى ١١ ألف دولار في السنة، مقابل السماح ببناء التوربينات في بساتينهم.

إلا أن السكان نظموا حملة ضد المشروع الآن، قائلين إنه يستهدف بشكل غير عادل المزارعين السوريين ويمكن أن يضر بالاقتصاد الزراعي الذي  يقدر بنحو ٥٪ من أراضي الجولان التي لا يزال يسكنها السوريون.

وقال إيميل مسعود، ناشط من مسعدة يملك بستان تفاح وكرز في مرج يعفوري، إن "البيئة كلها ستتغير في المنطقة بسبب هذه التوربينات الضخمة". وقال هو ومزارعون آخرون إنهم وقّعوا على عريضة ضد المشروع، وعملوا معاً على إنشاء أداة رسم المواقع، التي توضح المزارع التي ستتأثر بالتوربينات.

وقال مسعود إن "المردود الزراعي لهذه الأرض سيتأثر بشكل مباشر">

"لا يمكننا أن نقبل بذلك"

قال وسيم، وهو مزارع تفاح وكرز من قرية مسعدة السورية، إن أشخاصاً من شركة انيرجكس زاروا بستانه في أحد الأيام، قبل ثلاثة أعوام، وقدموا له عرضاً.

وأكد المزارع لسوريا على طول "وعدتني الشركة بمردود قدره ٤٠ ألف شيكل [حوالي ١١ ألف دولار] في السنة، بمجرد البدء بالعمل على الأرض".

واعترف وسيم بأن التعويض كان مغرياً بالنسبة له، لأن المردود الذي يحصل عليه من بستانه قليل جداً.

منتجات محلية معروضة للبيع في أحد الأسواق خارج قرية مسعدة السورية في ٢٨ أذار. تصوير: مادلين إدواردز.

وأضاف "إنني أعمل وأدفع المال مقابل الحفاظ على ملكية هذه الأرض، لكنهم أخبروني أن توربينات الرياح ستكون جيدة، وأنني سأستفيد منها اقتصادياً. كما أن ذلك لن يؤثر على الزراعة بشكل سلبي"

وافق وسيم على العرض ووقع عقداً يتيح للشركة استخدام ٦٠٠ متر مربع من أرضه لبناء التوربينات، بحسب ما قاله.

لم يسأل وسيم عن التأثيرات السلبية المحتملة، إذ لم يكن يخطر هذا في باله. "لقد أعطانا الأشخاص العاملون على هذا المشروع صورة إيجابية عن مزرعة الرياح".

ولكن قال وسيم، أنه سمع لاحقاً من الجيران والناشطين عن الأصوات العالية المنبعثة من توربينات الرياح، فضلاً عن وميض ضوء الشمس، والتغيرات في درجة حرارة الأرض التي تبين أن الآلات هي التي سببتها في الأماكن الأخرى التي تم بناؤها فيه.

التوربينات المخطط بناؤها في بستانه، تطل على أراضي جيرانه، بما في ذلك أولئك الذين لم يوقعوا على اتفاقات مع شركة انيرجيكس.

ويبدو أن التأثيرات الذي ظهرت على المجتمع ككل، أدت إلى تزايد ردود الفعل العنيفة بين المزارعين المحليين الذين لم يوقعوا على الخطط.

وتأتي انتقادات مشروع مزرعة الرياح في الوقت الذي يتحول فيه الاهتمام الدولي، مرة أخرى، إلى مرتفعات الجولان بعد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، عن الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الهضبة، والولايات المتحدة هي الدولة الأجنبية الوحيدة التي اعترفت بذلك.

قال وسيم لسوريا على طول "لقد قررنا كأهل الجولان أن ننقلب ضد توربينات الرياح، بحيث لا يمكنهم بناؤها هنا على أرضنا، لا يمكننا القبول بها"، وأضاف أنه يأمل لو كان بإمكانه الآن إلغاء عقده.

لم تتمكن سوريا على طول من تأكيد قصة وسيم بشكل مستقل.

كما رفض العديد من ممثلي" انيرجكس" التعليق أو لم يردوا حتى حلول وقت النشر.

مزارع ومستودعات خارج مجدل شمس في 28 آذار. الصورة من مادلين إدواردز.

نشر تقرير معمق، في وقت سابق من هذا العام، من قبل "المرصد"، وهي منظمة سورية غير حكومية لحقوق الإنسان، ومقرها مجدل شمس، حيث سرد تفاصيل روايات مماثلة عن المزارعين المحليين الذين اتصلت بهم انيرجكس، وعلى ما يبدو، لتوقيع العقود معهم.

وفقاً للتقرير، فقد حصل المزارعون الذين وافقوا على السماح بالبناء على أراضيهم على عقود طويلة لم يتمكنوا من فهمها بسهولة، وطلب منهم التوقيع عليها. وقال أولئك الذين لم يوافقوا في البداية للمرصد، أنهم واجهوا مكالمات هاتفية متكررة وزيارات منزلية متتالية، تهدف إلى دفعهم إلى التوقيع.

وكتبت انيرجكس على موقعها على شبكة الإنترنت، أن منشآتها " أنشئت بالتعاون مع المجتمعات المحلية، وأنها تعمل على تمكين الأقليات".

ويصنف الموقع "مجتمع الدروز" في "شمال البلاد"، ضمن المجموعات المستفيدة من مشاريع انيرجكس، حيث أن الغالبية العظمى من سكان القرى السورية المتبقية في الجولان هم من الطائفة الدرزية.

رغم ذلك، يقول ثلاثة مزارعين سوريين، تحدثوا إلى سوريا على طول، أنهم يعارضون بشدة هذا المشروع، بعد أن ظهرت أبحاث حديثة حول آثاره السلبية المحتملة.

مرتفعات الجولان: قوة طاقة الرياح؟

فارس حلبي، مزارع مسن من مسعدة،كان يقوم بتشذيب أغصان شجر التفاح وحده في ظهيرة أحد الأيام مؤخراً، وقطعة الأرض الصغيرة التي يعمل بها هي ملك لأبنائه، والتي يعتمد عليها لتغطية نفقاته، بحسب قوله.

وقال إن بستانه كان للأسرة منذ عقود، قبل أن تستولي القوات الإسرائيلية على الجولان عام 1967.

وفي نهاية بستان التفاح، يوجد منزل خرساني مكون من غرفة واحدة، كان الحلبي يستخدمه كمنزل للراحة خلال الأيام الطويلة التي يقضيها أثناء رعاية أشجاره، عندما كان هذا الوادي جزءاً من سوريا قبل احتلاله.

والآن يشعر بالقلق تجاه الضرر الذي قد يلحق ببستان التفاح العائلي، بسبب مزرعة الرياح المخطط لها.

وقال حلبي " لقد سمعنا أن التوربينات ستؤثر على أشجار التفاح لدينا، وأنها ستعطل الزراعة".

على الرغم من أنه لم يبرم أي عقد مع انيرجكس، إلا أنه يخشى أن يكون بستانه بالقرب من بستان أحد المزارعين الذين سيؤثرون عليه.

"إنه شيء لا يمكن قبوله".

ومن غير الواضح ما إذا كان المزارعون والناشطون السوريون، في منطقة مرج اليعفوري، يمكنهم إيقاف مشروع مزرعة الرياح.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية بنشاط على تشجيع مشاريع الطاقة الخضراء - في أعقاب اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ في عام 2015، حيث أعلنت أنها تهدف في الحصول على 10 في المائة من الطاقة في البلاد من المصادر المتجددة.

وبحلول عام 2017، كان هناك أكثر من 24 مشروع مزرعة رياح إسرائيلية قيد التطوير، وفقًا لما قاله المرصد. وكان نصفهم تقريباً في الجولان المحتل، حيث يتم تطوير مشاريع الرياح في نفس الوقت الذي تبحث فيه شركات أخرى عن النفط في الهضبة.

ويقول نشطاء إن ARAN ومشاريع أخرى لطاقة الرياح، تثير أيضاً تساؤلات حول شرعية الاستغلال الاقتصادي الإسرائيلي للأراضي المحتلة، وخاصة أن الموقع المقترح لتوربينات انيرجكس يركز على ما تبقى من الأراضي المملوكة لسوريا في الجولان.

وعلى الرغم من أن مشروع انيرجكس لم يبدأ بعد، إلا أن السكان السوريين قلقون بشأن ما سيحدث في المراحل التالية.

وقال الفنان طربية، الذي يعمل كناشط مع المرصد، بالنسبة للسوريين في الجولان فإن البساتين هناك "ليست مجرد مورد لكسب العيش والمال، حيث يقضي الناس نصف العام هناك في مزارعهم، وفي المنازل التي بنوها".

وأضاف، "لدينا إرث ثقافي في هذه المزارع".

* غيّرت سوريا على طول اسم هذا المصدر لحماية هويته.