مصادرة الممتلكات تؤجج مخاوف الأقلية المسيحية التي تتلاشى في محافظة ادلب

أحد مقاتلي المعارضة يقف بجانب كنيسة إدلب في عام 2012، الصورة من Javier Manzano/AFP.

 

كان اللص مجرّد مراهق يبلغ من العمر 14 عاماً، على حسب تقديرات أبو إلياس، لكن سلاحه يشير إلى ولائه لأحد الألوية الإسلامية "المتشددة" التي كانت تسيطر على جزء كبير من ريف إدلب، بعد السنوات الأولى من الثورة السورية.

شاهد أبو إلياس، وهو مالك أرض مسيحي، المقاتل يقطف الثمار من حقوله الخصبة بطريقة غير مبالية ويحاول التسلل، فقال له "يا بني، خذ من الأرض ما تشاء وتناوله، ولكن لا تفسد أي شيء"، ولكنّ الردّ كان عنيفاً وفيه سيل من التهديد والوعيد، ولم يستطع أبو إلياس أن يفعل  شيئاً سوى التنحي جانباً.

وبعد فترة وجيزة، فرّ أبو إلياس من منزله، الواقع ضمن مجموعة من القرى المسيحية التاريخية على مشارف جسرالشغور في محافظة إدلب، ليعلم فيما بعد من جيرانه أن جبهة النصرة، التابعة لتنظيم القاعدة سابقاً والتي سميت لاحقاً هيئة تحرير الشام، استولت على أرضه.

لم يكن ذلك شيئاً مفاجئاً بالنسبة لمواطن من أهالي إدلب الأصليين كأبي إلياس، الذي تحدث إلى سوريا على طول من منزله الجديد في مدينة حلب التي تسيطر عليها الحكومة، حيث يعمل  هناك في إصلاح الأجهزة المنزلية.

وقال "هذا ليس شيئاً غريباً، لقد سُرقت أرضنا أمامنا، إن هؤلاء المقاتلين يدّعون أن رزقنا هو حقهم".

ومنذ ذلك الحين، كانت هناك عمليات مصادرة أخرى، بما في ذلك عاصمة محافظة إدلب الواقعة على بعد حوالي 30 كيلومتراً شمال شرق جسر الشغور، والمعروفة أيضاً بتواجد ممسيحي التاريخي، حيث صادرت هيئة تحرير الشام عقارات تعود لعائلات مسيحية نازحة أيضاً، وفقاً لما أكده بعض السكان فضلاً عن وسائل الإعلام التابعة للمعارضة وللحكومة.

ولم تتمكن سوريا على طول من التحقق من هذه المزاعم بشكل مستقل، كما أن كلاً من السكان الحاليين والسابقين في إدلب متحفظون لمناقشة الأمر خوفاً من تداعيات الفصائل المسلحة المحلية.

وفي الوقت نفسه، نفى ممثلان عن هيئة تحرير الشام، بما في ذلك مسؤول في حكومة الإنقاذ السورية التابعة لهيئة تحرير الشام تلك الاتهامات، واتهموا وسائل الإعلام بالمبالغة في الحالات الاستثنائية.

المسيحيون يحتفلون بأحد الشعانين في قرية القنية بادلب عام 2013، الصورة من صفحة قرية القنية.

ومع ذلك، فإن عمليات مصادرة ممتلكات المسيحيين المبلغ عنها في محافظة إدلب تقع ضمن سلسلة طويلة من الانتهاكات، بما في ذلك الهجمات على الكنائس وعمليات الخطف التي ارتكبت ضد مجتمع الأقليات في المنطقة الشمالية الغربية التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا.

كما أنها تعكس كيف تم استغلال الممتلكات - منازل وأراضي وتجارة - بشكل روتيني من قبل كل طرف مسلح في الصراع السوري الذي استمر سبع سنوات، حيث يفرّ السكان من منازلهم تترسخ المؤشرات الطائفية في غيابهم.

"توافقات جديدة للحياة"

في الصيف الماضي، يتذكر أبو إلياس كيف كانت القرى، ذات الغالبية المسيحية في إدلب ، تزدحم مع وصول آلاف الزوار والعاملين الموسميين المتحمسين لحصد المحاصيل في المنطقة.

وعندما كان البرد يتسلل في ذات الوقت من كل عام، كانت شوارع القرى مثل الجديدة واليعقوبية والقنية تخلو من السكان الذين كانوا يتوجهون إلى الساحل، تاركين بضع مئات فقط من الناس خلفهم لملء المقاعد الخشبية داخل الكنائس القليلة المتناثرة بين بساتين الزيتون.

وأشار أبو إلياس "نحن الشباب نعمل في المدن بفصل الشتاء، في حين تبقى النساء النساء والرجال المسنين بشكل دائم في قرانا".

وقد توقف تدفق السكان - الذي وصفه -  في السنوات الحرب الأولى، حيث تقدمت فصائل المعارضة، بما في ذلك العديد من الجماعات المتشددة التي تتبع منهجاً متطرفاً ( متشدداً) للإسلام، والذين تقدموا تدريجياً عبر ريف إدلب ووضعوا قبضتهم على معظم ريف المحافظة.

وفي ظل حكم فصائل المعارضة الإسلامية، أبعدت الحياة المسيحية إلى حد كبير إلى الظلال، كالملابس الدينية المحظورة في الشوارع، والصلبان في الأماكن العامة التي تم إزالتها أو تدميرها، كما تم منع أجراس الكنيسة.

ولقد ترافقت هذه القيود أيضاً مع اندلاع أعمال عنف طائفية مستهدفة، والتي تضمنت عمليات اغتيال واختطاف وهجمات على مؤسسات دينية لا تختلف عن تلك التي شوهدت في مجتمعات الأقليات الأخرى، التي وقعت تحت الحكم المتطرف في سوريا: كالجاليات المسيحية خارج إدلب، فضلاً عن الدروزوالمسلمين الشيعة في جميع أنحاء البلاد.

وقالت هيلين ري، وهي باحثة تركز على المجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط، وتعمل مع منظمة حقوق الإنسان الدولية المسيحية "لقد فعلوا كل شيء لجعل السكان المسيحيين يشعرون بأنهم غير مرحب بهم في أرضهم، لدفعهم إلى الرحيل".

قرية القنية عام 2010. الصورة من قرية القنية.

وبحلول منتصف عام 2015، عندما سيطر تحالف من الفصائل الإسلامية على مدينة إدلب، وبسطت فصائل المعارضة سيطرتها الكاملة على المحافظة، فرّ معظم مسيحيي إدلب من الطوائف المختلفة، بما في ذلك الكنائس الأرثوذكسية واللاتينية والأرمنية والكاثوليكية من منازلهم.

والتمس البعض الأمن النسبي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في البلاد، بينما انضم آخرون إلى ملايين اللاجئين السوريين الذين طلبوا اللجوء إلى الخارج، وقد تم إجلاء عدد من البلدات من سكانها المسيحيين السابقين في المدينة.

وفي مدينة إدلب، يُعتقد أن عائلة أو عائلتين من العائلات المسيحية لا يزالون في المنطقة من أصل آلاف المسيحيين.

وفي مجمع القرى ذات الغالبية المسيحية حيث كان يعيش أبو إلياس، بقيت هناك مجموعة صغيرة من المجتمع المسيحي على الرغم من أن معظمهم قد فروا منذ عام 2011.

وهناك تشارك تلك المجموعة الصغيرة باقي السكان الحياة غير المستقرة في معقل المعارضة الأخير في سوريا، حيث تنتشر عمليات الخطف والفوضى وانعدام القانون.

وفي فترات تفشي ما يبدو أنها هجمات وانتهاكات متعمدة، هناك أوقات تكون فيها الجالية المسيحية والتي يقدّرعمرها بقرون من الزمن "متروكة وحدها"، طالما أنهم "يلتزمون بالقواعد ويمتثلون لوضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية " على حد قول ري.

وأضافت لسوريا على طول "لقد وضعت توافقات جديدة للحياة، متجذرة في الخوف".

'غنائم الحرب'

إن أحد المخاوف التي عبر عنها سكان القرى المسيحية في إدلب الذين قرروا البقاء هو أنهم إذا فروا، فإن ممتلكاتهم - وغالباً أراضيهم الزراعية - ستضيع.

وذكر جميل دياربكرلي، مدير المركز الآشوري لحقوق الإنسان، الذي وثق انتهاكات مختلفة ضد المجتمعات المسيحية في جميع أنحاء سوريا، ويتخذ من السويد مقراً له "إن بعض كبار السن المسيحيين لا زالوا في منازلهم وتكبدوا العبء من أجل أراضيهم حتى لا يتم الاستيلاء عليها من قبل الآخرين".

كنيسة في القنية في مطلع عام ٢٠١٢. تصوير: قرية القنية.

وينعكس الخوف الذي وصفه دياربكرلي في قصص أشخاص، مثل أبو إلياس، الذي قال أن أرضهم قد انتزعت منهم منذ فترة طويلة. وتفيد التقارير الأخيرة - التي أصدرتها وسائل الإعلام الروسية الموالية للحكومة وكذلك المواقع الإخبارية الموالية للمعارضة - أن هيئة تحرير الشام أصدرت بيانات في وقت سابق تشير إلى أن "الممتلكات المسيحية هي غنائم حرب، وسيتم الاستيلاء عليها".

وتفيد تقارير أخرى بأنه تم إصدار بلاغات تدعو مالكي الأراضي المسيحيين في مدينة إدلب - معظمهم غادروا المحافظة - لزيارة ما يسمى بمكتب العقارات والغنائم التابع للهيئة في غضون ثلاثة أيام، ولم يتضح السبب وراء ذلك، ولكن كان هناك أقوال تفيد بأنه إشارة إلى عمليات استيلاء قادمة على الممتلكات.

وقال أبو التائب، مسؤول إعلامي في حكومة الإنقاذ، السلطة المدنية التابعة للهيئة، والتي تحكم وتقدم الخدمات في المناطق التي تسيطر عليها، لسوريا على طول أنه لم يكن هناك قرار رسمي بشأن العقارات التي يملكها المسيحيون، وأن البلاغات التي يتم التحدث عنها قد تكون مرتبطة بحوادث معينة وفردية.

وأضاف لسوريا على طول في وقت سابق من هذا الشهر "إذا وجدت أي حالات فردية، فهي نتيجة خلافات شخصية أو شكاوى قدمت إلى وزارة العدل التابعة لوزارة العدل في حكومة الإنقاذ".

وقال إنه "لم يتم الاستيلاء على أصول أو ممتلكات أي مواطن"، مضيفاً أن هناك "الكثير من المبالغة" بشأن هذه المسألة من قبل وسائل الإعلام.

ولم يتسن لسوريا على طول التواصل مع وزارة العدل التابعة لحكومة الإنقاذ من أجل التعليق بشأن الموضوع، إلا أن ثلاثة مواطنين مسلمين مقيمين في إدلب أخبروا سوريا على طول أنهم واجهوا مباشرة أو كانوا على علم بحالات المصادرة التي تجري على أيدي الهيئة وأتباعها.

ووفقاً لما قاله إبراهيم حسن، الذي استأجر متجراً من أحد المالكين المسيحيين داخل المدينة، فإنه كان يرسل حوالات إلى المالك، الذي يقيم في دمشق، دون أي مشكلة.

ولكن منذ أكثر من شهر، استولت الهيئة على العقار، بحسب الحسن، رافضين الاعتراف بالعقد المتفق عليه وطلبوا أن يقدم المالك نفسه شخصياً للتحقق من العقد، وهو طلب لم يتم تنفيذه نظراً لخطوط المواجهة التي تفصل بين المحافظتين.

احتفالات عيد الفصح في كنيسة القديس جوزيف، القنية، في عام ٢٠١٨. تصوير:  إيفا كولوريوتي.

وأشار الحسن إلى أن" المتجر لا يزال مفتوحاً، ولكن  يجب أن أدفع الإيجار إلى الهيئة، وليس المالك".

وسرد سمير العبد، من مدينة إدلب، قصة مشابهة، فقبل حوالي شهرين، استولى الفصيل "المتهم بالتشدد" على مجموعة من المتاجر في سوق المدينة، وكذلك منزل كان مالكه مسيحياً من المنطقة التي نزح سكانها.

وقال لسوريا على طول "يقولون إنهم يفعلون ذلك لحماية [الممتلكات]، لكن مقاتلي الهيئة بدؤوا يأجرون الممتلكات ويأخذون المال".

وقال عبد الرحمن الإدلبي، وهو محام سابق ومقيم في مدينة إدلب، إن عدداً قليلاً من المسيحيين الذين لا يزالون في المحافظة قد تُركوا وشأنهم إلى حد كبير، حتى عندما تم الاستيلاء على المنازل التي تم إخلاؤها وتسليمها إلى النازحين السوريين أو مقاتلي المعارضة.

وقال لسوريا على طول "هناك عائلتان فقط في مدينة إدلب، لا أحد يقترب منهم أو من ممتلكاتهم".

"أصبح انتزاع الملكية سلاحاً"

إن مصادرة الممتلكات ليست تجربة جديدة بالنسبة للمجتمعات المسيحية في الشمال الغربي لسوريا، أو للسوريين على نطاق أوسع، حيث تسببت الحرب بنزوح أكثر من ستة ملايين شخص، وغالباً ما تركت منازلهم شاغرة وعرضة للمصادرة من قبل جماعات المعارضة المسلحة، فضلاً عن الحكومة السورية وحلفائها.

وتجاوزت المصادرات الخطوط العرقية والطائفية، وقد ارتكبت من جميع أطراف الصراع تقريباً.

وقالت راي، الباحثة في منظمة التضامن المسيحي العالمي "لقد أصبح نزع الملكية سلاحاً للحرب، وعاملاً قوياً لتعزيز التحولات الديموغرافية التي حدثت منذ بداية الحرب".

وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك، ففي عفرين التي تسيطر عليها المعارضة، تم في وقت لاحق توزيع ممتلكات السكان الأكراد الذين فروا من المنطقة، في الربيع الماضي، على النازحين من الغوطة الشرقية، لتتم مصادرتها من قبل المقاتلين بعد عدة أشهر.

في الوقت نفسه، في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، مهدت مجموعة من التشريعات - بما في ذلك القانون رقم ١٠ - الطريق أمام تجريد الملايين من ممتلكاتهم.

ولكن في إدلب التي تسيطر عليها المعارضة، حيث هيمن المسلحون المتشددون تدريجياً على المنطقة، يبدو أن الأنباء الأخيرة عن المصادرة تشكل دليلاً آخر على أن ممتلكات الأقليات الدينية معرضة بشكل خاص للخطر.

وقالت راي "إن المنازل التي يملكها المسيحيون أو أفراد في مجتمعات الأقليات الأخرى مفضلة على منازل المسلمين".

وفي الوقت نفسه، فإن العدد المتضائل للمدافعين عن حقوق الإنسان والقائمين على التوثيق في المنطقة الشمالية الغربية التي تسيطر عليها المعارضة، يجعل التحقق من الأنباء المتعلقة بمصادرة الممتلكات أكثر صعوبة.

وقال دياربكرلي "عادة تردنا معلومات متضاربة من إدلب، لاسيما وأن المنطقة مغلقة، وهي مكان للعديد من الأجندات".

وأضاف دياربكرلي أن منظمته لم يسمح لها بالعمل على الأرض هناك، وأن النشطاء المتمركزين في إدلب يواجهون مصاعب عديدة من أجل إجراء التوثيق بأنفسهم نظراً للحصانة التي تمارسها فصائل مثل الهيئة، وقال لسوريا على طول "لسوء الحظ، لغة الحرب هي اللغة السائدة هناك".

ووسط الصعوبات المرتبطة بالتوثيق، لاحظت راي أن تأكيد الأنباء المتعلقة بسياسة الهيئة الرسمية بشأن مصادرة الممتلكات، من المحتمل أن يكون لها أثر محدود بالنسبة للمسيحيين في الشمال الغربي.

وقالت "من المحتمل ألا يتغير الكثير... فيما عدا إيجاد طريقة أكثر مؤسساتية للتعامل مع هذه المسألة ونشر المزيد من الخوف بين المجتمعات المسيحية من إدلب".

"الخوف يمنعهم"

مع استمرار تواجد الحياة المسيحية في إدلب بالرغم من المخاطر الدائمة، تبدو الآمال بالعودة لأولئك الذين غادروا فعلياً ضئيلة.

وقال أبو إلياس "كثيرون يفكرون بالعودة، لكن الخوف يمنعهم".

وهناك مخاوف في أوساط النازحين، ليس فقط بالنسبة للمعارضة المتشددة، ولكن أيضاً من الحكومة السورية وحلفائها، الذين يرتابون من أولئك الذين تربطهم علاقات مع المعارضة  في آخر معقل لهم في البلاد.

وقال أبو إلياس "نحن خائفون من حواجز النظام ومشاكل انعدام الأمان، سيسألوننا: لماذا تريد العودة إلى هناك؟"

وحتى الآن، لا يزال أبو إلياس في حلب،  ويعتمد على الاتصال بين الحين والآخر بجيران مسلمين سابقين في مسقط رأسه لمعرفة أخبار المجتمع الذي تركه وراءه،  بينما يلتزم المسيحيون الذين بقوا وراءهم الصمت، وقال "إنهم لا يخبروننا بأي شيء.. ولا كلمة".

 

تم استخدام أسماء مستعارة لسكان إدلب الحاليين والسابقين الذين تحدثوا مع سوريا على طول أثناء إعداد هذا التقرير لأسباب أمنية.

 

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".

أيفري أدلمان، مراسل ومترجم

تخرج أيفري من جامعة تفتس عام 2014، وحصل على شهادة البكالوريوس بتخصص العلاقات الدولية واللغة العربية.