عمان- فوق كونهما مركزي الوجود العسكري الروسي في سوريا، تعد محافظتا اللاذقية وطرطوس الساحليتين أهم معاقل النظام السوري، وأبرز خزاناته البشرية التي قدمت المقاتلين لحرب الأخير ضد الشعب السوري المطالب بالحرية. لكن كل ذلك لا يبدو كافياً لتبديد مخاوف عفراء شيلة (اسم مستعار)، من إحدى قرى محافظة طرطوس، من انتشار فيروس كورونا المستجد في منطقتها، كما عبّرت لـ"سوريا على طول"، طالبة عدم الكشف عن هويتها لمخاوف أمنية. 

ورغم أن المحافظتين لم تسجلا رسمياً أي إصابة بالفيروس، من أصل 29 حالة أعلنت عنها وزارة الصحة حتى أمس الأربعاء، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، الإثنين الماضي، إن أعداد المصابين السوريين في مناطق سيطرة القوات الحكومية بلغت 26 حالة مؤكدة في محافظة اللاذقية، و16 حالة في محافظة طرطوس، و30 حالة موزعة على محافظات حلب ودمشق وحماة وحمص ودرعا. يضاف إلى ذلك 116 حالة مؤكدة بين القوات الإيرانية والمليشيات غير السورية المدعومة منها. 

في هذا السياق، قالت شيلة إن "جارنا توفي قبل عدة أيام، ولم يُفصح أهله عن سبب وفاته الحقيقي، كما لم يسمح لنا برؤيته أو دفنه، ما يرجح أنه مصاب بالفيروس". لافتة إلى أنه "لو ثبت وفاته بالكورونا، فيكون قد مات بعد أن خالط نصف القرية، كون عائلته تمتلك متجراً لبيع المواد الغذائية فيها".

كما تنقل عن أحد أقاربها الذي يعمل في مشفى الباسل بطرطوس أن "الحكومة تتكتم على الأعداد الحقيقية [للإصابات بالوباء]، في محاولة لتخفيف هالة الهلع بين الناس"، الأمر الذي وصفته شيلة بأنه تصرف "غير مسؤول مهما كانت الدوافع". 

تباين في الاهتمام الحكومي

تضمنت التدابير الحكومية الاحترازية لمنع تفشي "كورونا" فرض حظر تجوال، منذ 25 آذار/مارس، في مختلف المناطق من الساعة السادسة صباحاً وحتى السادسة مساء. إضافة إلى إغلاق جميع المحال التجارية بشكل كامل، وإيقاف عمل باصات النقل الداخلي.

إضافة إلى ذلك، أعلنت وزارة الصحة، فيما يتعلق بالمحافظتين الساحليتين تحديداً، تخصيص أقسام خاصة للعزل في مشفى تشرين الجامعي والمشفى الوطني في محافظة اللاذقية، وقسمي الأمراض الصدرية في كل من مشفى الباسل ومشفى بانياس الوطني في محافظة طرطوس، لعزل الحالات المصابة بفيروس كورونا.

ويبدو "الاهتمام الحكومي بالمحافظتين أكبر مقارنة ببقية المحافظات"، برأي أحمد المهنا (اسم مستعار) من مدينة اللاذقية، من خلال "توزيع المعقمات والمعونات الغذائية عبر الجمعيات الخيرية للمتضررين بسبب توقف مهنهم". 

لكن مع تطبيق سياسة عزل المحافظات عن بعضها بعضاً، وعزل المدن عن ريفها، كما في حالة طرطوس، يتخوف سكان الأرياف، كما أشارت شيلة، من عدم تمكنهم من الوصول إلى المستشفيات، إذ "لم يبق أمامنا سوى التوجه إلى مشفى بانياس الوطني بريف طرطوس، والذي يحمل سمعة سيئة على صعيد تقديم الخدمات الطبية". يضاف إلى ذلك "عدم توفر الكمامات والمعقمات في قرى طرطوس"، كما قالت، بما يشير إلى تركيز الاهتمام على مدينتي طرطوس واللاذقية "فيما أهالي الأرياف بكلا المحافظتين أقل حظاً".

من ناحية أخرى، فإن "مبادرات توزيع المعونات الغذائية، التي أطلقتها بعض الجمعيات الخيرية، بإشراف الحكومة لم تشمل معظم الأهالي"، وفقاً لمهنا. إذ يخضع الحصول على هذه المعونات لشروط خاصة، من قبيل "عدم قدرة رب الأسرة على العمل في الظروف الحالية. كما تشمل زوجات الشهداء والجرحى ممن تزيد نسبة عجزهم عن 40 في المئة". مضيفاً أنه حتى من تنطبق عليهم الشروط "لم يحصلوا جميعاً على المعونات بسبب عشوائية التوزيع بين الجمعيات من دون تنسيق، وبحيث يمكن أن تأخذ العائلة الواحدة عدة طرود من جمعيات مختلفة بينما تظل عائلات أخرى بلا معونة".

علماً أن طرد المعونات الغذائية الواحد يضم كيلو غرام من السكر، وآخر من الأرز، وعلبة زيت ذرة، وبعض أكياس الحبوب.

هذا الواقع أكدت عليه نور عيسى (اسم مستعار)، من مدينة طرطوس. فهي إذ اعتبرت أن الحكومة "تقوم بعملها على أكمل وجه من ناحية التعقيم اليومي للشوارع"، فإن عملية توزيع الخبز ومواد التعقيم والمعونات الغذائية من الحكومة وبعض الجمعيات الخيرية العاملة في الساحل السوري، تخضع في الوقت نفسه "للمحسوبيات، وفساد القائمين على هذه العمليات، عبر إعطاء الأولوية لأقاربهم ومعارفهم، بحيث لا يستفيد الجميع من المعونات"، كما قالت لـ"سوريا على طول".

تحديات معيشية

مطلع الشهر الحالي، حددت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في طرطوس أسعار المواد الأساسية في المحافظة، بعد إصدار المديرية عشرات المخالفات "للبيع بسعر زائد لعدد كبير من تجار الجملة والمفرق". وهو ما لم يلق استجابة من التجار.

إذ على الرغم من رفع المديرية، بحسب صفحات موالية للحكومة، أسعار مواد أساسية في المحافظة، وليصل كيلو السكر، على سبيل المثال، إلى 525 ليرة سورية (0.40 دولار أميركي بحسب سعر الصرف الحالي في السوق السوداء، والبالغ 1305 ليرة للدولار) بدلاً من 400 ليرة (0.30 دولار)، وكيلو الرز 675 ليرة (0.51 دولار) بعد أن كان 500 ليرة (0.38 دولار)، تؤكد عيسى أن الأسعار أعلى من السقف المحدد؛ إذ بلغ سعر كيلو السكر 600 ليرة (0.46 دولار)، وسعر كيلو الرز 900 ليرة (0.69 دولار). كما شهدت وسائل الوقاية الشخصية والتعقيم ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، بحيث بلغ سعر عبوة معقم اليدين 700 ليرة (0.53 دولار) بعد أن كانت لا تتجاوز 250 ليرة (0.19 دولار).

وقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية في اللاذقية أيضا إلى حدود تلك التي تعرفها طرطوس، بحسب مهنا، ما دفعه وآخرين من اللاذقية إلى طرح فكرة مقاطعة شراء أي من السلع الغذائية باستثناء الخبز لإجبار التجار على خفض الأسعار. إلا أن المبادرة "لم تؤثر على التجار لعدم التزام السكان بها"، كما قال. 

خطر المخالطة

رغم محاولة الحكومة إظهار اهتمامها بوقاية سكان الساحل السوري، وعدا عن التفاوت على هذا الصعيد بين مركزي محافظتي اللاذقية وطرطوس وأريافهما وسوء إدارة وفساد آلية توزيع المعونات، تظل خطورة تفشي وباء كبيرة نتيجة أيضاً لسوء إدارة أو فساد بيع السلع المدعومة. إذ يقتضي شراء هذه السلع عبر البطاقة الذكية وقوف المواطنين في طوابير طويلة من دون مراعاة إجراءات السلامة، بحسب مهنا، من قبيل "ترك مسافة أمان، ولبس الكمامات والقفازات".

يضاف إلى ذلك، مخاطر الاختلاط بالجنود الروس المتمركزين في المحافظتين. إذ تتواجد في اللاذقية  الأولى قاعدة حميميم التي بدأت روسيا استخدامها منذ 26 آب/أغسطس 2015، فيما تضم طرطوس قاعدة بحرية روسية يعود تاريخ إنشائها إلى الحقبة السوفياتية. كما لا يقتصر الوجود الروسي في المنطقة، على هاتين القاعدتين، بحسب الباحث في الشأن السوري طه عبد الواحد، بل "هناك قواعد حماية ودعم بمحيطهما، وهي قريبة من الأبنية السكنية"، ما قال لـ"سوريا على طول".

ورغم نفي مصادر مدنية لـ"سوريا على طول" وجود اختلاط مع الجنود الروس على الأرض في المحافظتين، تبدو خشية مهنا من "احتكاك الجنود السوريين بالروس في قواعدهم"، ما من شأنه "أن يجلب الفيروس إلى المدنيين عبر أقاربهم من العسكريين".