عمان- "كل ما تشهده حياتي من أحداث استثنائية سببه أنني شخص لا يسكت أبداً. وهو أمر أخذته عن أمي"، يقول بلال عبد الكريم ضاحكاً لـ"سوريا على طول"، من مكان استقراره حالياً في شمال غرب سوريا.

وكما يوضح، تتمثل قصة عبد الكريم، وهو صحافي أميركي مستقل ينقل أخبار الثورة السورية منذ العام 2011، في إدراج اسمه على قائمة القتل التي وضعتها الحكومة الأميركية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، وتعرف رسمياً باسم "مصفوفة التصفية" (Disposition Matrix)، لتسهيل عملية استهداف الإرهابيين، بحيث يتم عقب ذلك اعتقالهم أو التحقيق معهم أو تصفيتهم. ورغم أن المعايير المعتمدة للإدراج على تلك اللائحة غير معروفة على وجه الدقة، فإنه غالباً ما يتم استخدام بيانات تتبع موقع هاتف الشخص الخلوي لهذه الغاية.

في حالة عبد الكريم، فإنه لا يعرف السبب الحقيقي لإدراجه على القائمة، مرجحاً أن يكون سبب ذلك تغطيته الإعلامية المكثفة للجماعات الإسلامية، مثل "القاعدة" و"تنظيم الدولة" وهيئة تحرير الشام، وتواصله مع مقاتليها. لكن "موقفي على الدوام هو أنني لا أطلب من أي شخص أن يحب المقاتلين الإسلاميين"، يقول عبد الكريم، "لكن ليكن [رأيك] مبنياً على ما يقولونه ويفعلونه. أنا أريد فقط أن أعطي كل شخص فرصة قول: هذا ما أنا عليه". مشيراً في هذا السياق إلى مقابلة أجراها مع أبو فراس السوري -القيادي البارز في جبهة النصرة التي كانت تابعة لتنظيم "القاعدة" قبل انفصالها عنها وتغيير اسمها إلى هيئة تحرير الشام- كنموذج لنوع الحوار الذي يحاول السماح به. 

وتعقيباً على تلك المقابلة التي استخدمت "القاعدة" مقتطفات منها في فيديو ترويجي لها، يقول عبد الكريم: "كان رأيه [أبو فراس السوري] أن الولايات المتحدة بلد ديمقراطي، وبالتالي فإن مواطنيها مسؤولون عن تصرف حكومتهم. وقد رددت عليه: أصغ إليّ. أكبر تظاهرة في العالم مناهضة للحرب على العراق [العام 2003] خرجت في لندن، فهل ترى أن أولئك البشر يجب أن يقتلوا لما فعلته حكومتهم؟ قال: أتعلم؟ أنا لا أنظر لأمور كهذه  بهذه الطريقة".

وبحسب عبد الكريم، تم استهداف أبو فراس السوري "من خلال طائرة من دون طيار قبل بضعة سنوات". 

بدأ الشك يراود عبد الكريم بكونه هدفاً للحكومة الأميركية بعد نجاته بأعجوبة من خمس هجمات بطائرات من دون طيار في العام 2016. لاحقاً أيضاً، أبلغه شخص يعمل في قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا، حيث تقلع الطائرات الأميركية من دون طيار لتنفيذ المهام في سوريا، أن اسمه على قائمة الاستهداف الأميركية. ومن أجل رفع اسمه من القائمة، لم يجد عبد الكريم غير مقاضاة حكومة بلاده.

"كونوا صادقين، هل تحاولون قتلي؟"

في العام 2017، تقدم عبد الكريم بدعوى ضد حكومة الولايات المتحدة، مطالباً بالكشف عما إذا كان اسمه مدرجاً على قائمة الاستهداف بالقتل أم لا. وأن يتسنى له، في حال وجود اسمه على القائمة، بالحصول على محاكمة قبل قتله في سوريا. 

في البداية، انحازت محكمة مقاطعة واشنطن العاصمة، في العام 2018، لموقف عبد الكريم؛ إذ ارتأت أنه قدم أدلة موثوقة تشير إلى إدراجه على قائمة القتل، وحكمت أنه في حال كونه مدرجاً بالفعل على هذه القائمة، فإن على الحكومة الأميركية تمكينه من حقوقه الخاصة بالتقاضي.

مع ذلك، أعادت الحكومة الأميركية مطالبتها برد الدعوى، بحجة أنه لا يمكن الاستماع إليها في المحكمة من دون الكشف عن أسرار تتعلق بالأمن القومي. وهو ما قبلته المحكمة، فرفضت النظر في القضية. لكن عبد الكريم سارع إلى استئناف القرار.

في 29 حزيران/يونيو الماضي، قدمت حكومة الولايات المتحدة مذكرة قانونية تؤكد فيها وجوب رفض المحكمة للدعوى القضائية التي تقدم بها عبد الكريم، بدعوى أنه "حتى أكثر الدعاوى القضائية إلحاحاً لا يمكنها إلغاء [ما يسمى] حق الامتياز في حال اقتنعت المحكمة بأن أسراراً عسكرية على المحك".

علاوة على ذلك، حاججت الحكومة في مذكرتها القانونية بأنه لا يمكن لعبد الكريم إثبات استهدافه من قبل حكومة الولايات المتحدة من دون "الوصول لمعلومات سرية"، وهو أمر لا يمكن أن تسمح به الحكومة.

وبرأي كليف ستافورد سميث، محامي عبد الكريم ومؤسس مجموعة ريبريف للمساندة القانونية في المملكة المتحدة، فإن مثل هذا الادعاء يعطي الأسرار العسكرية أفضلية على حساب "حق الصحافي في الحياة"، كما يقول لـ"سوريا على طول". 

وبحسب ما جاء في المذكرة القانونية للحكومة، فإن الكشف عن إدراج اسم عبد الكريم على قائمة القتل سيجعله "يغير سلوكه"، بهدف "تفادي القبض عليه أو تجنب أي تحقيقات جديدة للولايات المتحدة بشأنه". أما إخباره بنقيض ذلك؛ أي عدم وجود اسمه على القائمة، سيمكنه من "العمل بحرية أكبر".

وبالإضافة إلى التداعيات الجلية التي تركتها القضية على حياة عبد الكريم شخصياً، فإن لها تأثيرات واسعة النطاق على برنامج الحكومة الأميركية الخاص يما يُعرف بـ"الاغتيال المحدد". إذ قد تسهم في تحديد صلاحيات السلطة التنفيذية ضمن ما يعرف بـ"امتياز أسرار الدولة" الذي يعد دعامة كثير مما يندرج في إطار حرب الولايات المتحدة على الإرهاب.

إذ وفقاً للمذكرة القانونية للحكومة الأميركية، تتمثل العناصر الرئيسة لدعوى عبد الكريم في "ما إذا كانت محكمة مقاطعة [واشنطن العاصمة] قد خلصت بشكل لا لبس فيه إلى أن امتياز أسرار الدولة يحول دون النظر في الدعوى التي قدمها المدعي"، و"ما إذا كان طلب المدعي، المتمثل في مطالبة المحكمة بتحديد الإجراءات التي يتعين على السلطة التنفيذية اتباعها  قبل شن الغارات في الخارج والإشراف عليها، هو أمر لا يمكن البت فيه".

بناء على ذلك، فإن حكم محكمة الاستئناف المحلية ضد حكومة الولايات المتحدة باعتبارها القضية منطوية على أمر "يمكن البت فيه"، سيُمثل سابقة بموجبها سيكون برنامج الاغتيال الموجه التابع للسلطة التنفيذية عرضة للخضوع للمراجعة القضائية. علاوة على ذلك، سيؤدي هكذا قرار قضائي إلى تحديد أفضل لمستوى الحماية الذي تتمتع به "أسرار الدولة" من التدقيق القضائي.

إذ على الرغم من أن برنامج الاغتيالات الموجهة -التي يتم تنفيذها غالباً باستخدام طائرات من دون طيار- يعود إلى فترة إدارة الرئيس جورج بوش الابن، وقد جاء في إطار الرد على هجمات 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية، إلا أن وتيرة الاستهداف في إطار البرنامج قد تسارعت في عهد كل من الرئيسين أوباما ودونالد ترامب. كما "كان هناك تدن ملحوظ بمدى شفافية آلية عمل [البرنامج] خلال إدارة ترامب"، بحسب ما يقول مدير منظمة هيومن رايتس ووتش بواشنطن، أندرو براسو، لـ"سوريا على طول".

إذ نشرت إدارة أوباما مجموعة من القواعد التوجيهية التي تضبط استخدام الطائرات من دون طيار في الاغتيالات، والمتطلبات اللازمة لضمان مستوى معين من الشفافية. لكن إدارة ترامب، وفق تقارير إعلامية، ألغت بعضاً من هذه الضوابط، من دون معرفة ماهيتها تحديداً كون القواعد التوجيهية الجديدة لم تنشر علناً.

ورغم أن استهداف الطائرات المسيرة لمواطنين أميركيين يثير تساؤلات أكبر بشأن شرعية هكذا استهداف؛ نظراً لأن القتل يتم خارج إطار القانون، فإن أي اغتيال لا يكشف بشأن معايير الاستهداف أو الخسائر الناتجة عن الضربات التي تمت بموجبه، يُعتبر غير قانوني بموجب القانون الدولي.

وكما يوضح براسو لـ"سوريا على طول"، فإن "أحد متطلبات القانون الدولي هو الشفافية. كما إن من متطلبات الديمقراطية الكشف عن مثل هذه المعلومات للعامة، ليعرفوها ويتخذوا قرارات بناء عليها بشأن السياسة [المتبعة]. أما إبقاؤها سراً، يعني منع [المواطنين] من ذلك".

هكذا، إذا قررت المحكمة الأميركية أن امتياز أمن الدولة ليس كافياً لرد دعوى عبد الكريم، فقد يُطلب من الحكومة الفيدرالية إجراء تغييرات على الطريقة التي تدير بها برنامج الاغتيال الموجه في الخارج، بما في ذلك متطلبات الشفافية بشأن الاستهداف [للأشخاص] والخسائر بين المدنيين نتيجة ذلك.

تهديدات من كل حدب وصوب

رغم أن عبد الكريم لم يعد إلى الولايات المتحدة منذ مغادرته لها في العام 2002، أي قبل 18 عاماً، وربما يكن عدواً للدولة، إلا أن هناك مواقف تبرز فيها أصوله الأميركية.

فمؤخراً، شارك في الاحتجاج على اعتقال عامل الإغاثة البريطاني، توقير شريف، وعمل مع مجموعة من علماء الدين المسلمين على وضع وثيقة خاصة بحقوق السجناء في إدلب، مستنكراً غياب المساءلة في قضية أشخاص اعتقلتهم هيئة تحرير الشام. وقد أدى نشاطه هذا وتغطياته الإعلامية إلى انتهاء أي صداقة كانت تجمعه بقيادات من "الهيئة"، كما تلقيه تهديدات بعد أن شككت بعض تغطياته الإعلامية بالمصداقية الثورية للهيئة.

ويقول عبد الكريم ساخراً: "لك أن تتخيل مدى المتعة التي أشعر بها هذه الأيام. يجب أن تحترس مما يحلق في السماء، وأن تنظر أيضاً تحت السيارة تحسباً من قنابل [مزروعة هناك]. هذه هي الحياة في مدينة كبيرة".

ولا يلوح في الأفق ما قد يخفف توتر عبدالكريم ويشعره بالأمان. فهيئة تحرير الشام تكثف حملتها ضد النشطاء والصحافيين المحليين، فيما لا تبدو بوادر لتراجع الحكومة الأميركية عن موقفها في المحكمة، بحيث لا يملك آمالاً كبيرة بالفوز بدعواه القضائية.

"رجل أسود مسلم مدرج على قائمة القتل، يحاول الخلاص. ما مدى إمكانية ذلك؟"، يتساءل عبد الكريم. مضيفاً: "لست متفائلاً. ففي المحصلة، عليهم خوض معركة قضائية لإثبات أي شيء. لكن لماذا يعانون كل هذه المعاناة فيما يستطيعون العبور من خلال أسرار الدولة نحو تصفيتي؟".

 

تم إجراء المقابلة ونشرها سابقاً باللغة الإنجليزية. وترجمتها إلى العربية فاطمة عاشور.