مقاتل من الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من تركيا في ريف حلب الغربي في تشرين الثاني. تصوير عارف وتد.

شهدت عمليات الإجلاء المستمرة لفصائل المعارضة المدعومة من تركيا، من مواقع المواجهة في شمال غرب سوريا، خروج ما لا يقل عن 1700 مقاتل من الجبهة الوطنية للتحرير من مدينة حماة الشمالية، وذلك بحسب ما أكده قائد محلي من أحرار الشام.

وتم التوصل لعملية الإجلاء، التي بدأت في 13 كانون الثاني، من خلال اتفاق لوقف إطلاق النار وُقع الأسبوع الماضي بين الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من تركيا وهيئة تحرير الشام.

ووافقت الجبهة الوطنية للتحرير - بحسب نصّ الاتفاق -  على تسليم أسلحتها الثقيلة وإجلاء مقاتليها باتجاه عفرين في محافظة حلب، الواقعة تحت سيطرة المعارضة المدعومة من تركيا، في أعقاب التقدم الذي أحرزته هيئة تحرير الشام منذ بداية العام.

وقال أحد القادة المحليين، أن عمليات الإجلاء تتم على أساس طوعي من قبل المقاتلين، بدلاً من إجلاء الفصائل بأكملها، من بينهم مقاتلي أحرار الشام وجيش النصر، وهما فصيلان يشكلان جزءاً من الجبهة الوطنية للتحرير.

وكانت هناك روايات متناقضة حول العدد الدقيق للقوات التي تم إجلاؤها نحو عفرين، في حين ذكرت وسائل الإعلام المحلية أن 2700 مقاتل من فصائل الجبهة الوطنية للتحرير كانوا في طريقهم إلى عفرين خلال عمليات الإجلاء.

وذكر قائد محلي واحد على الأقل من الذين تحدثوا لسوريا على طول أن الرقم كان أقرب إلى 1700، مع وجود مقاتلين في المقام الأول من مناطق سهل الغاب و جبل شحشبو.

وأضاف القائد أنه بالإضافة إلى القوافل العسكرية، سيتم إجلاء عدد غير محدد من المدنيين أيضاً باتجاه المناطق التي تتحكم بها تركيا في ريف حلب الشمالي.

وقال لسوريا على طول يوم الاثنين "الجميع لديه سبب للمغادرة، وأنا لا أستطيع التحدث عن الجميع، ربما يكون هناك خوف من القصف المستقبلي بعد سيطرة هيئة تحرير الشام، أو ربما يخافون من هيئة تحرير الشام نفسها".

وقال قائد آخر من أحرار الشام، في منطقة سهل الغاب في محافظة حماة، لسوريا على طول يوم الأربعاء، أن عدد الأفراد الذين يريدون المغادرة من المناطق التي أصبحت تحت سيطرة هيئة تحرير الشام ازداد بشكل طردي على مدار العملية التي استمرت أربعة أيام.

ولم يكن واضحاً يوم الخميس ما هو المصير الذي سيواجه مقاتلي الجبهة الوطنية للتحرير الذين تم إجلاؤهم، وهو تحالف يتكون من 12 فصيلاً معارضاً مدعوماً من تركيا، تم تشكيله في أوائل عام 2018 كحصنٍ ضد هيئة تحرير الشام.

وتوقع قادة المعارضة، أثناء حديثهم مع سوريا على طول طوال هذا الأسبوع، أن آلاف المقاتلين الذين تم إجلاءهم سيزيدون من عدد الفصائل الأخرى المدعومة من تركيا في عفرين، الواقعة في محافظة حلب والتي استولت عليها القوات المدعومة من تركيا في مطلع العام الماضي أثناء عملية غصن الزيتون ضد وحدات حماية الشعب ذات الغالبية الكردية.

وقال أبو محمد أحرار، قيادي في أحرار الشام "بالنسبة لمستقبل الفصائل التي غادرت إلى عفرين، يمكنها الآن الانضمام إلى الجيش الوطني"، في إشارة منه إلى تحالف معارض آخر مدعوم من تركيا ومقره ريف حلب الشمالي.

ووضع اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أبرم في العاشر من كانون الثاني بين هيئة تحرير الشام والجبهة الوطنية للتحرير، نهاية للاشتباكات العنيفة التي استمرت لأكثر من أسبوع بين فصائل المعارضة في الشمال الغربي، والذي شهد تنازل فصائل المعارضة المدعومة من تركيا عن مساحات من الأراضي لصالح هيئة تحرير الشام من خلال الاشتباك أو التفاوض.

ويذكر أن التحالف الإسلامي المتشدد، والذي كان يتبع لتنظيم القاعدة سابقاً، يسيطر الآن على نحو 80 في المائة من الأراضي المتبقية تحت سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا.

وشهدت التطورات زيادة في عدد المناطق الخاضعة مباشرة لسيطرة هيئة تحرير الشام بمقدار الثلث.

معركة الشمال الغربي

اندلعت الاشتباكات بين قوات الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام لأول مرة في 1 كانون الثاني، عندما اتهم الفصيل المتشدد مقاتلين من حركة نور الدين الزنكي التي تدعمها تركيا بقتل خمسة من مقاتليها، ورداً على الهجوم المزعوم، شنت هيئة تحرير الشام هجوماً واسع النطاق ضد المجموعة في شمال حلب، قبل أن تتوسع الجبهة إلى منطقة سهل الغاب في محافظة حماة، الواقعة تحت سيطرة  منافسيها سابقاً أحرار الشام.

ولم يتوقف التقدم إلا بعد أن سيطرت هيئة تحرير الشام على عشرات البلدات في جنوبي غرب إدلب وأجزاء من شمالي غرب حماة، مما حول مساحات شاسعة من الشمال الغربي من سيطرة الجبهة الوطنية للتحرير إلى سيطرة المجموعة المتشددة.

ومع تزايد المخاوف من سيطرة المجموعة المتشددة على الشمال الغربي، سعت هيئة تحرير الشام إلى تصوير نفسها على أنها قوة خيّرة تعيد المنطقة إلى السيطرة المدنية المستقرة.

وأكد القيادي أبو محمد الجولاني، في حديث له عبر قناة "أمجاد ميديا" التابعة لهيئة تحرير الشام في وقت سابق من هذا الأسبوع، على الفصل بين الجناح المسلح للفصيل والهيئة الإدارية التابعة له والمتمثلة بحكومة الإنقاذ السورية.

وقال الجولاني يوم الاثنين "ليس لدينا هدف لحكم الشمال المحرّر، نريد تسليم جميع مناطقنا إلى حكومة مدنية".

وتوسّعت حكومة الإنقاذ السورية، التي شكّلت من قبل هيئة تحرير الشام في أواخر عام 2017 كنظير للحكومة السورية المؤقتة المدعومة من قبل المعارضة، عبر الشمال الغربي تزامناً مع التقدم العسكري لهيئة تحرير الشام من خلال حلّ المجالس المحلية وفرض تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية على المجتمعات المحلية.

اتفاقية سوتشي معلقة بخيط رفيع

وتركت الاشتباكات بين المتنافسين في ساحة المعركة الاتفاقية المبرمة بين تركيا وروسيا حول مصير الشمال الغربي معلقة بخيط رفيع، بعد أن تأرجحت الحظوظ السياسية في إدلب بشكل كبير لصالح عناصر معادية لوقف إطلاق النار في غضون أسابيع.

وكانت تلك الاتفاقية التي تم توقيعها في أيلول الماضي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي، سبباً في وقف هجوم وشيك من قبل القوات الموالية للحكومة لاستعادة السيطرة على محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها الخاضعة لسيطرة المعارضة.

وبالإضافة إلى إنشاء منطقة عازلة امتدت عبر ١٥ إلى٢٠ كم بين المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة وتلك الخاضعة لسيطرة الحكومة، نصّت الاتفاقية على الموعد النهائي لسحب الأسلحة الثقيلة التابعة للمعارضة وخروج الجماعات المتشددة من تلك المنطقة.

وكان على تركيا دفع قوات المعارضة للالتزام بالمواعيد النهائية المنصوص عليها في الاتفاقية.

وبينما تم الإعلان عن أن الاتفاقية تمثل نجاحاً دبلوماسياً حققه المجتمع الدولي، ثبت مع الوقت صعوبة تطبيق بنود معينة نصّت عليها اتفاقية سوتشي، من ضمنها خروج الفصائل المتشددة من المنطقة.

وربما تكون المكاسب الأخيرة التي حققتها هيئة تحرير الشام في ساحة المعركة، قد بددت الأفكار القائلة بأن القوات المدعومة من جانب تركيا يمكن أن تدفع الهيئة إلى التخلي عن السلاح من تلقاء نفسها، وبحسب هايد هايد، الباحث في مؤسسة تشاثام هاوس، فإن التدخل التركي المباشر مستبعد أيضاً، ويتوقع أن تحاول أنقرة الآن إعادة صياغة شروط اتفاقية سوتشي والمحافظة على الوضع الراهن في إدلب دون التحرك ضد المجموعات المتشددة بشكل مباشر.

حيث قال إن "تركيا تحاول إيجاد طرق لضمان استمرارية الاتفاقية دون تطبيق جميع الشروط التي اتفقوا عليها"، مضيفاً "إنهم يحاولون بشكل أساسي تغيير فهم ما تعنيه كل من الشروط، وإيجاد طرق أخرى لتفسيرها".

وتوقع هايد أن تكون قضية تواجد الهيئة في إدلب، وضعف القوات المدعومة من جانب تركيا هناك، على رأس جدول أعمال قمة قادة كل من تركيا وروسيا وإيران الأسبوع المقبل.

وختم قائلاً "هذا الاجتماع وما ينتج عنه، سيعطينا فكرة أوضح عما سيحدث بعد ذلك".