لم يعد الحديث في لبنان عن دفع اللاجئين السوريين للعودة إلى ديارهم أمراً جديداً، ولكن هناك مخاوف متزايدة الآن من أنه قد اتخذ منحاً أكثر قسوة، تزامناً مع اجماع سياسي متزايد حول مصير اللاجئين بين الأحزاب المسيحية والشيعية، ووسط أزمة اقتصادية تلوح في الأفق، وتشكيل حكومة تضم العديد من السياسيين المؤيدين للأسد في وقت سابق من هذا العام.

أحد هؤلاء المؤيدين يرأس الآن وزارة أنشئت أصلاً لمساعدة اللاجئين السوريين في لبنان.

واقترح الوزير اللبناني لشؤون اللاجئين، صالح غريب، مؤخراً ما يسمى بخطة العودة للاجئين السوريين داخل البلاد والتي سيتم تقديمها إلى مجلس الوزراء اللبناني "قريباً".

وعقب اجتماعات مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أواخر الشهر الماضي، دعا وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل - وهو من مؤيدي فكرة العودة منذ فترة طويلة - إلى "العودة الآمنة والكريمة للاجئين السوريين دون أن تكون العودة طوعية".

حيث قال "لم نتحدث بشكل عام عن العودة القسرية والجماعية، ولكن حان الوقت لعودتهم، وهذا في مصلحة لبنان".

ودعا باسيل مراراً وتكراراً إلى عودة السوريين إلى بلادهم، وكثيراً ما استخدم كلمة العودة "الآمنة" بدلاً من "الطوعية".

ووفقاً لما قاله ناصر ياسين، مدير الأبحاث في معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت، فإنها اختلافات كاذبة في الكلمات يستخدمها السياسيون اللبنانيون بشكل متزايد للضغط بشأن العودة.

وقال ياسين لمراسل سوريا على طول توم رولينز "إنه مجرد تلاعب بالكلمات، لأنه إذا كان الوضع آمناً، وإذا رأى اللاجئون أن العودة آمنة، وكان الوضع آمناً في الوطن، فهذا يعني أنهم سيتخذون قرار العودة طواعية - ببساطة - وهذه طريقة لتبديد الغموض حول مسألة العودة الآمنة وغير الطوعية".

وفي نيسان الماضي، بدأت سلطات الحكومة اللبنانية بتنظيم عمليات العودة إلى مناطق من المفترض أن تكون "آمنة" في سوريا، بالتنسيق مع أجهزة الأمن السورية، ومنذ ذلك الحين عبر ما بين ٥٥-٩٠ ألف سوري الحدود، بحسب ما قاله مسؤولون لبنانيون.

ومع ذلك، تبحث بعض الشخصيات في المؤسسة السياسية اللبنانية عن طرق لدفع المزيد من اللاجئين إلى العودة.

وقال ياسين "لم نر – حتى الآن - حملات واسعة النطاق لوضع اللاجئين في الحافلات وإيصالهم إلى الحدود، لكن ما نراه هو الحديث المتزايد عن عودتهم واتخاذ إجراءات بطيئة في هذا الاتجاه".

من الواضح أن حديث المسؤولين اللبنانيين عن عودة اللاجئين السوريين ليس بالأمر الجديد، فالرئيس ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل وشخصيات بارزة أخرى يتحدثون عن ذلك منذ سنوات، وربما كان الحديث في لبنان عن اللاجئين السوريين موجهاً أكثر من أي دولة أخرى تستضيف اللاجئين نحو تشجيع العودة.

في الوقت ذاته، يبدو أن صانعي السياسة اللبنانيين بدؤوا بتصعيد خطابهم في الأسابيع الأخيرة، هل يعد ذلك أمراً مقبولاً؟

أعتقد أن الخطاب الذي يشدد على أنه حان "وقت عودة السوريين"، يتصاعد بالتأكيد.

إذا نظرت إلى خطابات الرئيس عون والوزير باسيل خلال العامين الماضيين - وبشكل خاص منذ العام الماضي وأيضا هذا العام – ترى تأكيدهم على أن العودة هي الطريق للمضي قدماً، ويتحدثون دائماً عن مسألة العودة الآمنة، لا الطوعية.

أنا فقط أعيد صياغة ما يقولون "لقد حان وقت عودتهم، لقد استنفدنا مواردنا في لبنان، ولا يمكننا تحمل عبء اللاجئين، وأصبح الوطن آمنا بالنسبة لهم".

ويحاول عون وباسيل ربط الأزمة الاقتصادية اللبنانية بأزمة اللاجئين السوريين، والأمر بالتأكيد ليس كذلك. إن الأزمة في لبنان قائمة منذ التسعينيات، لذا فإن هذه المحاولات لربط الأزمة الاقتصادية الحالية في لبنان بأزمة اللاجئين السوريين هو أمر شعبي، على أقل تقدير.

وأعتقد أن هذا النوع من الحديث آخذ بالازدياد. حيث يواصل الوزير الجديد لشؤون النازحين، صالح غريب، الآن سرد الرواية ذاتها من خلال التأكيد على أنه "حان الوقت لعودتهم، ويجب أن يعودوا"، وما إلى ذلك.

لم نر – حتى الآن – حملات واسعة النطاق لوضع اللاجئين في الحافلات وإيصالهم إلى الحدود، لكن ما نراه هو الحديث المتزايد عن عودتهم واتخاذ إجراءات بطيئة في هذا الاتجاه لجعل هذا الحل أمراً مقبولاً.

تم بالفعل نقل اللاجئين السوريين من لبنان إلى سوريا من خلال عمليات عودة منظمة، في الوقت الذي تتساءل فيه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات غير الحكومية عن مدى كونها عودة طوعية.

لكن بالنظر إلى هذا الخطاب المتصاعد، كيف تحاول الحكومة اللبنانية فعلياً إجبار اللاجئين على العودة عبر الحدود؟

ما نراه هو المزيد من القيود المفروضة على اللاجئين السوريين في لبنان، قيود على إطلاق مشاريعهم الخاصة أو حتى امتلاكها، وقيود على العمل في لبنان، وبالتأكيد رأينا جميع القيود المفروضة على أوراق الإقامة أيضاً.

ويتم إلقاء اللوم على البيروقراطية ونقص الموارد، أو على عدم دراية اللاجئين بكيفية تقديم أوراق الإقامة، ولكن، في رأيي، يتم ترك البيروقراطية المعقدة وعدم إيجاد حل لها من أجل ضمان السيطرة على اللاجئين.

وبطريقة ما، هناك تطبيق لمفهوم الحكم بشكل عكسي، لذا، بدلاً من معرفة مكان وجود اللاجئين وتوثيقهم ومنحهم الأوراق المطلوبة وما إلى ذلك، أعتقد أن الحكومة تتعمد وجود نقص في التسجيل ونقص في وثائق الإقامة من أجل الحفاظ على نوع من السيطرة – من قبل الشرطة والأمن والاستخبارات – على اللاجئين.

ودون الوثائق سيفكر اللاجئون دائماً مرتين قبل التنقل من مكان لآخر، إضافة لذلك، سيتم استغلالهم أو تعرضهم لخطر الاستغلال من قبل أصحاب العمل ومالكي العقارات وما إلى ذلك.

لذلك فإن القيود عليهم تتزايد.

أنشئت وزارة شؤون المهجرين في لبنان في أواخر عام ٢٠١٦، بهدف بناء سياسة وطنية للاجئين والمجتمعات المضيفة. ومع ذلك، مع تشكيل حكومة جديدة في وقت سابق من هذا العام وتعيين صالح غريب كوزير – وهو شخص تربطه علاقات وثيقة جدا بدمشق - يبدو أن الوزارة تدعو إلى العودة سواء بشكل طوعي أو غير ذلك.

هل هي ظاهرة جديدة، أعني مشاركة وزارة شؤون المهجرين في خطاب أشخاص كباسيل، الذي يؤيد عودة اللاجئين إلى سوريا؟

نعم، هناك تحول في الطريقة التي تعمل بها وزارة شؤون المهجرين.

كان الوزير الأول- معين مرعبي، ضد التطبيع مع الحكومة السورية. لقد كان ضد النظام السوري، ولم يكن من مؤيدي العودة السريعة.

[مرعبي عضو في تيار المستقبل، وهو الحزب السني برئاسة سعد الحريري- رئيس الوزراء].

أما الوزير الحالي فينتمي إلى الطرف الآخر من الطيف السياسي في لبنان، وكان أول ظهور رسمي له في سوريا، وهذا الأمر له دلالات كثيرة. كان ذلك أول ظهور رسمي له، حيث التقى وزير الإدارة المحلية في دمشق.

وقد تسلم منصب وزير حيث تقوم وزارته فعلياً بتسهيل عمليات العودة. بالتالي، حدث تحول كبير في عمل وإدارة هذه الوزارة في الوقت الحالي.

بالنهاية، الوزراء يتغيرون، وهناك أنماط مختلفة. لكن السياسات لا ينبغي أن تتغير.

يجب أن يتبنى مجلس الوزراء سياسة واضحة بشأن هذه المسألة، كما أن المجلس مفوض فعلياً بصياغة السياسات التي ينفذها الوزراء.

ومن وجهة نظري، لا أعتقد أننا نتبع سياسة واضحة بشأن مسألة العودة. ويترك الأمر في الواقع للوزراء- اعتماداً على انتمائهم السياسي وتحالفاتهم السياسية- لإصدار خطاب واضح حول هذه المسألة.

وبعد مرور ثمانية أعوام على الأزمة السورية، ما زلنا نفتقر إلى الموقف المناسب بشأن قضية اللاجئين بشكل عام، ولا سيما الآن، بشأن العودة.

وفقاً لتقارير حديثة، تحدث غريب مؤخراً عن خطة للعودة سيقدمها إلى مجلس الوزراء "قريبا". هل لديك فكرة عما قد تبدو عليه هذه الخطة، أو ما الذي ستتضمنه؟

أنا حقا لا أعرف ما الذي سيتضمنه هذا الاقتراح.

بالنسبة لأي عودة، إذا قال بعض الأشخاص في الحكومة اللبنانية إننا بحاجة إلى تشجيع العودة الآمنة وغير الطوعية، فهذا مجرد تلاعب بالكلمات.

لأنه إذا كان الوضع آمناً، وإذا رأى اللاجئون أن العودة آمنة، والوضع آمن في الوطن، هذا يعني أنهم سيتخذون قرار العودة طواعية ببساطة.

وهذه طريقة لتبديد الغموض حول مسألة العودة الآمنة وغير الطوعية.

ومع ذلك يتحدث المسؤولون اللبنانيون بشكل روتيني عن هذه "المناطق الآمنة" داخل سوريا والتي يمكن للاجئين العودة إليها، أليس كذلك؟

يكمن السؤال هنا فيما إذا كانت الظروف الآن في سوريا مواتية للعودة.

في الوقت الراهن، أعتقد أن بعض المعلقين ينسون أن سوريا تمر بأزمة اقتصادية بسبب تداعيات الحرب، بالإضافة إلى المخاوف الأمنية بشأن كيفية تعامل مسؤولي الأمن والحكومة والمخابرات مع العائدين.

نسمع قصص الأشخاص الذين يتم حيث يتم استجوابهم، والبعض يتم اقتياده إلى السجن، والبعض الآخر إلى الخدمة العسكرية. هذه كلها مخاوف خطيرة وجدية بالنسبة لأي شخص يفكر في العودة.

لذا، إذا كنت تدعي بالفعل بأنك تحترم حقيقة أن العودة يجب أن تكون آمنة، وطوعية بطبيعة الحال، فيجب أن تؤخذ هذه المخاوف بعين الاعتبار.

والأمر الآخر في الواقع هو الوضع الاقتصادي في سوريا. حيث انخفضت الليرة السورية، كما أعتقد، 10 مرات، وهناك نقص في فرص العمل الحقيقية في سوريا خارج نطاق اقتصاد الحرب. ويتساءل الناس عما إذا كان يمكن إعادتهم إلى وطنهم مع هذا التذبذب في الأسعار، وهبوط العملة ونقص الخدمات، بما في ذلك الخدمات الأساسية.

الأمن والاقتصاد والخدمات والمساكن المدمرة عوامل تجعل العودة إلى سوريا غير مناسبة بعد.

هناك ضغوط هائلة من قبل سوريا وروسيا والدول المجاورة التي تستضيف اللاجئين وكذلك أوروبا بشكل خاص، فيما يتعلق بعودة اللاجئين.

وفي الشهر الماضي، زار رئيس المفوضية فيليبو غراندي سوريا لمناقشة عودة اللاجئين مع المسؤولين السوريين، وبث المتحدثون باسم المفوضية فيديوهات عن بقايا المدن السورية التي تعرضت للقصف، واعترفوا بشكل أساسي بأن عمليات العودة تحدث، وأن المفوضية ستدعم العائدين. وهذا تحول في سياستهم التي استمرت على مدى سنوات، وليس لمناقشة العودة علانية.

ما هو تأثير هذا الضغط المتزايد على سياسة المفوضية بشأن العودة إلى سوريا؟

أعتقد أن المفوضية هي بالتأكيد أكثر انفتاحًا على مسألة العودة، وهذا يعكس تغيراً في موقفهم. في البداية، وقبل سنتين، لم يكونوا يذكرون العودة حتى، لم تكن جزءًا من أي نقاش -على الأقل علنًا.

ولكن مع تزايد الضغوطات من الحكومات المضيفة، بما في ذلك لبنان، والمبادرة الروسية العام الماضي، دفعت المفوضية إلى التعامل مع هذه القضية.

[في تموز العام الماضي، اقترح المسؤولون الروس مبادرة لتنظيم عودة اللاجئين السوريين من الدول المجاورة، بما في ذلك لبنان، من خلال إنشاء مراكز للعودة، لكن صالح غريب في وزارة شؤون المهجرين، ومرهبي، رفضاً المقترحات ووصفاها بأنها "حلم" وليست "مبادرة حقيقية"].

إنهم الآن يريدون التنسيق مع الحكومة السورية، وأعتقد أن هناك المزيد والمزيد من النقاش مع السلطات السورية. هذا تبدل في موقفهم.

ولكن هذه الأمور تحدث مع المفوضية، حيث يتغيرون وفقًا لتغيّر الديناميكيات على الأرض فيما يتعلق بالحرب، وكيف تعي الدول المضيفة أدوارها، وما إلى ذلك.

وفي مرحلة ما، سيصبحون مؤيدين، عندما تتيح لهم الظروف ذلك. وهذا موجود في دورة حياة أي أزمة للاجئين – بعد ذلك ربما سوف يقومون بتسهيل عمليات العودة فعلياً، حينما تصبح الأمور أكثر وضوحًا بالنسبة للوضع في سوريا.