في هذه الأيام تمتلئ مقاهي السويداء بالصبايا اللواتي يدخنّ الأرجيلة، والتي كانت أمراً غير مقبول في المجتمع، وكذلك النادلات اللاتي يملأن المطاعم، حتى أن مدرسة واحدة على الأقل في ريف المحافظة "ذات الغالبية الدرزية" تقتصر كوادرها التعليمية على الإناث تقريباً.

وهذا الحضور الذي تجسده المرأة بازدياد في هذا المجتمع المحافظ، في جنوب سوريا، هو أمر جديد نسبياً.

تقول داليا مسعود، 27 عاماً، وهي باحثة في علم الاجتماع وتعيش في السويداء "هذه الظاهرة لم تكن موجودة قبل ستة أعوام".

وتستعدّ مسعود لدراسة الماجستير في قسم علم الاجتماع بجامعة دمشق، وكجزء من دراستها في علم الاجتماع اختارت إجراء حلقات البحث ضمن محافظة السويداء وريفها، الخاضعة لسيطرة النظام، حيث قابلت ١٠٠ عائلة مختلفة بهدف جمع معلومات عن مواقفهم تجاه الجنس الآخر والزواج.

وكان أكثر ما أدهشها هو الوعي الموجود لدى الشباب تجاه فكرة تكوين الأسرة، فالأسرة لم تعد كما كانت "تزوج الشخص وجاب ١٠ أو ١١ ولد ويدبروا حالهم!".

متجر لمستلزمات الزفاف في مدينة السويداء، ٢٤ أيلول. بعدسة: نورا الباشا.

تتابع مسعود.. إن نسبة الشبان المتعلمين في السويداء ارتفعت أكثر من أي وقت مضى، ولكن فرص العمل غير المتوفرة تعني أن القليلين منهم فقط يستطيعون تحمل تكاليف الزواج وإنجاب الأطفال.

ويلقي الشبان اللوم في عزوفهم عن الزواج على سبب آخر أكثر أهمية، فبالنسبة للشبان ممن يتهربون من الخدمة الإلزامية مع الجيش السوري، إذ أن زيارة الدائرة الحكومية المحلية لتسجيل الزواج قد تؤدي إلى التوقيف أو التجنيد القسري.

ووفقاً لمسعود فإن شباب السويداء يغادرون المحافظة وسوريا، فهم غير مستعدين للمشاركة في الحرب، ولا يرغبون بالبقاء في منازلهم.

وأدى ذلك إلى زيادة نسبة الإناث في بلدات وقرى السويداء، فأكثر من ٦٣٪ من سكان محافظة السويداء هم الآن نساء وفتيات، حسب تقديرات مسعود، حيث تقول لمراسلة سوريا على طول نورا الباشا " البنات بدأت تعمل أعمال خاصة بالرجال (...) والمرأة بدأت تشغل مكان الرجل".

بداية هل يمكن أن تشرحي لي مالذي يدفع الكثير من الشباب للهجرة من السويداء؟

من خلال الدراسة أبرز المشكلات التي صادفتني هي نقص فرص العمل والضيق الاقتصادي والهروب من الخدمة العسكرية بالنسبة للرجال.

ورأيت أن الرغبة في الهجرة من السويداء فكرة تلازم 8 من أصل 10 شباب ضمن استبيان أجريته على نسبة من الشباب في السويداء، وهذه نسبة تعتبر مرتفعة لمجتمع كالسويداء متمسك بعائلته وأرضه والروابط الاجتماعية.

إليك مثال من دراستي عن الشاب "وائل " هذا الشاب قُتل أحد إخوانه الإثنين في المعارك الدائرة بين جيش النظام والحر في حلب، وأخوه الآخر مهاجر في "فنزويلا" منذ 15 عاماً، ويعتبر وائل المعيل الوحيد الباقي لأهله في ظل مقتل الأول واغتراب الثاني.

علواً على ذلك كان وائل خاطباً، ولكن الضغوطات التي عاناها من أهل خطيبته بضرورة الزواج، والضغوطات الأسرية من قبل عائلته، فهو المعيل الوحيد، جعلته يتخلى عن فكرة الزواج ويفسخ الخطوبة، لا سيما أنه لا يستطيع تثبيت زواجه رسميا فهو "مطلوب للخدمة الاحتياطية".

فما كان من وائل إلا أن سافر بطريقة غير شرعية "تهريب" إلى لبنان ومنها إلى هولندا، وحالة وائل تنطبق على معظم الحالات التي أجريتها منذ ثلاث سنوات حتى اللحظة.

حدثيني لماذا اخترت هذه الدراسة. متى بالضبط بدأت تلاحظين أن الرجال و الشباب يغادرون محافظة السويداء بشكل كبير؟

اخترت هذه الدراسة لأنه وبطبيعة الحال في السويداء نسبة الإناث مرتفعة قياساً بالذكور، و تشكل أكثر من 63%، ونحن كمجتمع في السويداء نرفض فكرة تعدد الزوجات أصلاً،

في شهر آب عام 2016، أي بعد ما يزيد عن  5 سنوات من الحرب، أجريت دراسة حول نسبة الشباب المهاجرين في السويداء، وشملت الدراسة 100 عائلة وتبين أنه من أصل المئة هناك 90 عائلة لديها فرد أو أكثر من المهاجرين خارج سوريا، و70 عائلة من هذه العائلات شبابها مهاجرين بسبب ظروف الحرب وهرباً من الخدمة العسكرية، و85 بالمئة منهم تتراوح أعمارهم ما بين 20 إلى 35 عاماً، أي في مرحلة يفترض أن يكون فيها الشاب إما تزوج أو يحضر للزواج و5 بالمئة أعمارهم ما بين 17 وعشرين عاماً.

وأذكر أن إحدى النساء من مدينة السويداء أجابتني "بهرب ولادي من قدامي أحسن ما شوفهم بموتوا بها الحرب وما ظل إلا أنا و هالختيار"، علماً أن أبناءها الأربعة مسافرون ما بين الخليج وأوروبا.

بدلات الزفاف في صالات العرض في مدينة السويداء، 24 أيلول، بعدسة نورا الباشا لسوريا على طول.

ماذا عن الشابات الذين ظلوا في السويداء؟ هل يمكن أن يتزوجن في ظل هذه الظروف على فرض أن الخطيب لم ينته به الحال مهاجراً؟

ارتفعت تكاليف  الزفاف مؤخراً حتى أن حفلة الزفاف تزيد عن مليون ليرة سورية [2000$ تقريباً] فسعر غرام الذهب وحده لم ينخفض عن 18000 ليرة سورية منذ أكثر من عامين، وإيجار  فستان الزفاف لليلة واحدة فقط 50 ألف ليرة سورية، وهو الحدّ الأدنى، ناهيك عن باقي تفاصيل الزفاف وسعر غرف النوم التي تزيد عن 200 ألف ليرة سورية، هذه كلها كانت ضمن إجابات عدد من الشباب الذين سألتهم عن سبب عزوفهم عن الزواج.

أكثر أمر أحزنني دخولي إلى منزل أسرة في ريف السويداء الشرقي، الأب ورغم أنه هو المعيل الوحيد موظف متقاعد والأبناء أحدهم خريج كلية اقتصاد وعاطل عن العمل بسبب قلة فرص العمل، ويعمل في كرم تفاح بمنطقة ظهر الجبل، والآخر مدرس مفصول بسبب تخلفه عن الخدمة العسكرية، والاثنان يرفضان فكرة الزواج بسبب الضيق الاقتصادي، يومها سألت الأب عن رأيه بوضع الولدين فأجاب "يا بنتي البلد ماعاد حاملة ولادها، كان منى عيني افرح فيهم بس شوفة عينك منحمل هم الخبزات من أول يوم لثاني يوم".

ووجدت أيضاً مفهوماً عاماً عند الجميع عن  فكرة الإنجاب إذ الأسرة لم تعد كما كانت "تزوج الشخص وجاب 10 أو 11 ولد ويدبروا حالهم!"

كخبيرة اجتماعية، ماذا يمكنك أن تخبريني عن الآثار الاجتماعية المباشرة التي تشهدينها نتيجة نقص الشباب؟ ما هي القضايا الاجتماعية (أو التأثيرات الإيجابية، إن وجدت) التي نحن بصددها؟

هناك نوع من الحرية الاجتماعية، مثلاً أصبح من الطبيعي (إنو تشوفي البنات يشربوا أركيلة في الكافيتيريا أو القهاوي) وهذه الظاهرة لم تكن موجودة قبل ستة أعوام.

أكثر الآثار الاجتماعية رواجاً أن البنات بدأن يعملن أعمال كانت خاصة بالرجال، بما فيها المقاهي إذ  أصبحت بعض النساء يعملن (جرسون بمطعم).

وأريد أن أروي لك قصة، دخلت إلى مدرسة إعدادية في إحدى القرى فوجئت بأن الكادر التدريسي كله من النساء باستثناء 4 مدرسين من الرجال تجاوزا الـ 45 عاماً، أي يمكننا أن نقول أن المرأة بدأت تشغل مكان الرجل في ظل غياب الشباب في السويداء.

محلات للعرائس في مدينة السويداء في 24أيلول. بعدسة نورا الباشا لموقع سوريا على طول.

طبعاً حتى أكون دقيقة معك في الإجابة، نحن لا نتحدث عن قرى خالية من الرجال بالمعني الحرفي للكلمة، بل قرى ترتفع بها نسبة الرجال المتقدمين في السن أي ما فوق الخمسين عاماً، على اعتبار أن الشريحة المهاجرة جلها ما بين 25 إلى 40 عاماً.

وأصبحت المرأة تساعد الرجل بتجهيز منزل الزوجية وتشارك بشراء الأثاث ومستلزمات المنزل وهذه أيضا لم تكن موجودة قبل الحرب.

بدأت الفتاة تتخلى عن شرط المهر فالكثيرات من الشابات يتنازلن عن المهر بالإضافة للاكتفاء بالمحبس فقط كنوع من التخفيف من الضغوطات الاقتصادية على الشاب

طبعاً النسبة الكبيرة من الفتيات في السويداء متعلمات ونسبة 45% منهن في طور الدراسة الجامعية أو المعاهد أو غيرها من الصروح العلمية، لكن "الفستان الأبيض"  يشكل هاجساً لأي أنثى ، فكل امرأة تحلم ببيت وأسرة.

وما هي التأثيرات البعيدة؟

من أهم المشكلات التي يعاني منها المجتمع بسبب قلة الزواج انخفاض نسبة الولادات والتي هي أساساً منخفضة في السويداء. كيف يمكن إنشاء جيل من الشباب إذا لم يكن هناك ولادات، ولا سيما مع ارتفاع نسبة الكهولة؟

وشهدت الفترة القليلة الماضية جرائم القتل العشوائي في السويداء وحالة الفوضى والفلتان ارتفعت بشكل كبير وهذه الجرائم أغلبها بسبب الضغوطات النفسية التي يعاني منها الشباب من القهر الاقتصادي والأمني وبالتالي عدم قدرتهم على الزواج تأسيس عائلة.

هذه المقابلة أجرتها نورا الباشا وهي جزء من تغطية سوريا على طول عن وضع المنطقة الجنوبية التي ستستمر لشهر بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور وفريق من مجموعة مراسلين على أرض سوريا.

لقراءة تقريرنا التمهيدي عن المنطقة الجنوبية لسوريا هنا.