أجرى المقابلة: ويليام كريستو ووليد النوفل

في غرفة صفية مدمرة بمدرسة في محافظة إدلب، شمال سوريا، يقف مغني الراب الشاب أمير المعري، في أغنية راب مصورة صدرت الأسبوع الماضي، مطلقاً "رصاص" كلماته "عكل الجبهات"؛ إذ يستهدف بها أطراف الصراع السوري كافة تقريباً.

وبينما يتجول في إدلب بين الأنقاض المتناثرة في الشوارع، ويظهر الأطفال واقفين على أنقاض مدارسهم، يصرخ المعري في وجه الجميع: "غيرنا بينطمر [يتغطى] بالعملة ونحن الي منبتلا [الذين نبتلى]".

للوهلة الأولى قد يبدو الأمر محبطاً، إذ يتحدث المعري بأسلوب غير واضح وعبارات مقتضبة عن الحرب التي تجتاح سوريا منذ أكثر من ثماني سنوات، ما أدى إلى مقتل شقيقه، ضمن مئات آلاف آخرين، وإيقاف دراسة أمير، وبالنتيجة القضاء على شعور الحياة الطبيعية لدى أغلبية السوريين إن لم يكن جميعهم.

لكن "الراب"، بشكل عام، هو أحد فنون الغناء "الاحتجاجية" التي شاعت في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تنتشر عالمياً في تسعينيات القرن ذاته. وهو يقوم أساساً على ترديد كلمات الأغنية بقافية معينة، من دون كثير اعتبار لجمال صوت المؤدي أو المغني. 

يقول المعري لمراسلي "سوريا على طول" ويليام كريستو ووليد النوفل: "فيك تقاوم بأي مجال خاص بك، وأنا هذا مجالي للمقاومة". ويضيف مخاطباً الفصائل والدول الفاعلة في الملف السوري: "احكيلهم [أقول لهم]اختفوا للفصائل، والدول بحكي إلهم حلوا عنا بس[دعونا وشأننا].

هكذا يبدو الشاب ابن العشرين عاماً، غاضباً جداً لرؤية بلده مدمراً بسبب المكائد السياسية لأطراف الصراع والجهات والقوى الفاعلة. ولا يتوقف عن إظهار الناس العاديين مع مشاهد الدمار في مسقط رأسه معرة النعمان، بريف إدلب الجنوبي، والتي تعرضت لقصف مكثف خلال الأشهر الماضية، ضمن حملة عسكرية واسعة للقوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، بإسناد جوي روسي، لاستعادة آخر معاقل المعارضة في البلاد، وأدت منذ نيسان/ أبريل الماضي إلى مقتل أكثر من 1000 مدني وتشريد قرابة مليون آخرين.

مع ذلك ، فإنه يحرص في أغنيته على إظهار الأشخاص العاديين يحاولون التعايش ما أمكن مع الوضع القائم المروع، من خلال بائع في متجره، وطبيب جراح في غرفة العمليات، وآخرين في الحدائق أو في جلسات عائلية.

ماهو الهدف من فيديو الراب الذي قمت بنشره؟ وكيف جاءت الفكرة؟

أنا مغني راب منذ سنة تقريباً، ولدي العديد من التراكات [التسجيلات الصوتية] السياسية، آخرها الذي صدر الأسبوع الماضي بعنوان "عكل الجبهات". وهو أول "كليب" (مجموعة من اللقطات والمشاهد المصورة بنظام الفيديو، ومجمعة في مقطع قصير) لي مُصور في المناطق المحررة [الخاضعة لسيطرة المعارض].

بدأت بالفكرة قبل 6 أشهر تقريباً؛ إذ حصلت على لحن وكتبت النص، وبدأت التصوير. وقد تولدت الفكرة من المؤتمرات [الخاصة بسوريا] التي تُعقد حالياً. فأنا  أعرف أن النظام [السوري] وحليفه الروسي يقومون بهذه المؤتمرات لقتل الشعب لا أكثر بحجة مكافحة الإرهاب، وأريد أن أوصل للمجتمع الدولي أن الناس هنا ليسوا إرهابيين، بل أناس مدنيون عاديون، والصورة التي ينقلها الإعلام بأننا إرهابيون ليست صحيحة.

لذلك، قمنا بالتصوير في جميع مناطق المعارضة هنا، وصورنا جميع طبقات المجتمع من أطفال ومدرسين وطلبة. فهؤلاء الذين يتم قصفهم وقتلهم.

موسيقى الراب عمرها الآن 50 سنة تقريباً. وهي فن سياسي، فمنذ نشأت تعتبر فناً للمقاومة. فيك [يمكنك] تقاوم بأي مجال خاص بك، وأنا هذا مجالي للمقاومة. على سبيل المثال: هناك فنان جرافيتي اسمه "عزيز الأسمر" موهوب جداً في مجاله، وأي قصة تحدث، دولية كانت أم محلية، يقوم برسمها ويجسدها على جدران إدلب. وفي الكليب الخاص بي ظهرتُ في بعض اللقطات وخلفي رسومات من عمله.

لدي قدرة على تجسيد أي شيء بالكتابة أراه حولي. وأنا أول شخص انطلق بالمناطق المحررة في إدلب بمثل هذا الفن. في قناتي على "يوتيوب" لدي تراك [تسجيل صوتي] اسمه "مُرَآءِ" اعتبره بعض الإعلاميين وقتها جريمة ارتكبتها بحق نفسي، إذ حكيت عن كثير من فصائل [المعارضة] وتجاوزاتها، والسرقة والنفاق. وقد حذرني العديد من أصدقائي عندما قمت بنشره، لكن ردي كان: طالما هناك حقيقة فإنني لست خائفاً.

فعبارة "ما رح ينفع التظاهر لو الفكر محجّر"، مثلاً، ترتبط بالتعليم في إدلب. إذ كنت طالباً جامعياً حين خرجنا بتظاهرات ضد هيئة تحرير الشام التي قررت إغلاق الجامعة نتيجة خلاف مع الائتلاف الوطني المعارض. ورغم ذلك أغلقت الجامعة.

ما هي ردود الفعل، محلياً وخارجياً، التي وردتك بعد نشر مقطع الراب الخاص بك؟ وما هي الصعوبات والمشاكل التي واجهتك؟

ردة الفعل الحالية هي صدور تقارير إعلامية متعددة عن الأغنية، في الصحافة الروسية والفرنسية والألمانية. وأنا واثق تماماً أنه سيتم الحديث عن الكليب على نطاق دولي أوسع، كونه أول تسجيل راب احترافي يتناول معاناة أربعة ملايين إنسان في إدلب ويخرج من داخل المناطق المحررة، ويتحدث عن صراعات أربع دول، هي تركيا وروسيا وسوريا وايران، داخل سوريا. 

كذلك، بعد الراب الأخير وصلتني أيضاًَ تحذيرات من أصدقائي. وأخبرتهم كذلك أنه ما دام هناك حقيقة في الكليب وكل الشعب إلى جانبي، فأنا قطعاً لست بخائف. 

في الحقيقة، الأمر كان مخاطرة كبيرة. فبعض الفصائل سيقوم بتكفيرك على أساس أن الموسيقى حرام. هذه الفصائل لن تأخذ من كل العمل إلا أن الموسيقى حرام، وهذا قمة الجهل.

هنا الشعب، لاسيما الإعلاميون والعاملون في المنظمات، لديه خوف من الفصائل المسلحة. وأتوقع أنه لا يوجد إعلامي هنا إلا واعتقل مدة شهر على الأقل لمجرد غلطة بخبر أو منشور على فيسبوك، أو تصوير تقرير. لكن للآن لم يصلني أي تهديدات.

سابقاً، كنت مقيماً في اسطنبول، وكان لدي أخ يعمل إعلامياً وينوي الخروج إلى تركيا. لكننا فقدنا الاتصال به أثناء محاولته أثناء ذلك، فتواصلنا مع أشخاص كانوا برفقته ونشرنا عبر وسائل الإعلام المحلية خبر فقدانه. بعد خمسة أيام اتصل بنا فريق من الدفاع المدني في مدينة الدانة على الحدود مع تركيا وأخبرنا أن شقيقي وجد مقتولاً برصاص قناصة الجندرما التركية. 

بعد ذلك بشهر واحد اضطررت للعودة إلى سوريا، وقمت بتسليم أوراقي للسلطات التركية في اسطنبول والبصم على أوراق تقضي بعدم عودتي قبل انقضاء خمس سنوات. حالياً، وقد اشتد القصف، الجميع يقولون لي إنه يجب أن أخرج إلى تركيا، لكنني ممنوع من ذلك لخمس سنوات.

من الصعوبات التي واجهتني، إيجاد شخص يصور في إدلب هكذا نوع من المواد، لأنها مادة فنية. فالمصورون والإعلاميون عموماً في إدلب اعتادوا تصوير الأشياء الجامدة والتقارير التلفزيونية (الريبورتاج). لذلك أخذنا وقت حتى قمنا بالتصوير، رغم أن لدي معدات عمل كافية. ثم وجدنا مخرجاً قام بكتابة السيناريو هو المخرج غياث أيوب. وقد صورت لقطاتي خلال يومين أو ثلاثة.

بعد ذلك كان علي النزوح بعد اشتداد القصف على مدينتي معرة النعمان. فطلبت إلى المخرج إحضار كادر التصوير في اليوم التالي، وصورت خلال يومين، ثم نزحت إلى شمال حلب، فيما أكمل كادر التصوير لوحده، وبدأ تصوير لقطات المدنيين، وما تبقى من وقت كان مونتاج عبر غياث أيوب وعمر كوكش.

المخرج سوري مقيم في لبنان، تواصلنا معه عبر الإنترنت، وهو بدوره يتواصل مع كادر التصوير ويتحدث إليهم عن اللقطات. 

من الصعوبات أيضاً أن كثيراً من المدنيين لم يقبلوا بالتصوير في ظل الوضع الحالي والموت القادم من فوقهم ومن تحتهم. لكن بعد أن شرحنا القصة، وافق قسم كبير بسهولة.

بالنسبة للعمل الإعلامي هنا، هناك شيء اسمه "تصريح" للعمل، يجب أن يكون كل مصور في المناطق المحررة حاصلاً عليه. وقد استخرجنا هذا التصريح وصورنا جميع طبقات المجتمع في إدلب؛ أطباء ودفاع مدني ومدنيون وطلبة مدارس.

في مجال الراب لا يوجد غيري هنا. لديّ مايك (مسجل صوت) ولابتوب [كمبيوتر محمول]. وقد واجهتني مشاكل كبيرة في إيجاد شخص يعمل بهندسة الصوت في إدلب، فتواصلت مع أصدقائي الـ"رابرز" المقيمين في أوروبا، وساعدوني في تعلم تسجيل الصوت وعمل هندسة صوت لوحدي، كما تعملت "جرافيك ديزاين" وحصلت على دبلوم بذلك، وتعلمت المونتاج.

برأيك، ماهو دور هذا الفن (الراب)في المقاومة؟ ولماذا اخترت الراب تحديداً؟

اخترت الراب لأنه فن سياسي ظهر العام 1973 للحديث ضد الفساد والعنصرية؛ ضد فساد الحكومات والتجاوزات السياسية. فأنا لو خرجت بفن شعبي مثلاً كعبد الباسط الساروت -أحد رموز الثورة السورية، وواحد من أهم منشديها في التظاهرات الشعبية- لن أستطيع الحديث عن كل ما أعنيه، أما في الراب فإنني ألخص بأغنية واحدة كل ما أريده. وفن الراب تستطيع استخدام لازمة أو لا، أما الفن الشعبي فأنت مجبر على استخدام سطر لازمة، أو سطر وكورس. 

أحببت الراب لأنه فن سياسي فاضح، ومن خلاله تناولت معاناة كل الناس في المناطق المحررة.

لكن الراب في مجتمعنا غير مرغوب به، لأنه فُهم على أساس خاطئ، كون كثير من مغني الراب حصلوا على دعم من النظام السوري ويغنون بالشتائم والمسبات، وهذا الأمر استخدم لمحو مصطلح الراب الفاضح سياسياً.

حتى بوتين ذكر ذلك في تصريحات عن فن الراب. وذكرت ذلك في الأغنية عن الرابر "هسكي" الذي أمر بوتين باعتقاله، والفرقتان اللتان منع بوتين حفلاتهما (غون فلود وديرتي مولي)، وقال إنه يجب اتخاذ قرارات بشأن هذا الفن السياسي الذي يهدد سياسة الدولة وأمن الدولة. 

لو جلست في غرفة واحدة مع الفصائل والدول التي تحدثت عنها في الفيديو، فماذا ستقول لهم؟ 

سأقول: اختفوا للفصائل، والدول بحكي إلهم حلوا عنا بس[دعونا وشأننا].

فتركيا أخذت جزءاً من شمال حلب وإدلب، وروسيا أخذت حلب كاملة، وإيران أخذت الشام [دمشق]، وأميركا أخذت مناطق الأكراد. هي مصالح دولية اقتصادية وسياسية. والآن جميعهم يفاوضون على حساب دم الشعب الموجود هنا في المناطق المحررة.