عمان- مع توالي ورود أنباءٍ عن مقتل شبّان سوريين منتمين لفصائل "الجيش الوطني السوري" في ليبيا، ووصول أول الجثامين إلى محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، ليدفن هناك، لم يعد من شكّ في حقيقة مشاركة سوريين في الصراع المستعر بعيداً عن الأرض السورية بين قوات حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً وقوات اللواء خليفة حفتر المدعوم من أطراف إقليمية ودولية.

وإضافة إلى القاصر أحمد السالم، وهو من مواليد 2002، والذي دفن في بلدة حميد بمحافظة الحسكة، تحققت "سوريا على طول" من قصّة شاب آخر قتل في ليبيا أيضاً نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي، هو أحمد الملا. إذ أكد أحد المقربين منه بأن الملا وآخرين التحقوا للقتال في ليبيا إلى جانب حكومة الوفاق عبر فصائل من الجيش الوطني المدعوم من تركيا، كانت قد شاركت في عملية "غصن الزيتون" العسكرية التركية ضد وحدات حماية الشعب الكردية في مدينة عفرين بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس 2018.

العشريني الملا، الذي ينحدر من مدينة زملكا بالغوطة الشرقية، كان قد نزح إلى الشمال السوري في حافلات "التهجير القسري" في صيف 2017، ليستقر في عفرين. إلا أن "سوء أوضاعه المعيشية، والإغراءات المقدمة للمشاركين في [القتال في] ليبيا، دفعته إلى المغامرة"، بحسب ما ذكر المصدر لـ"سوريا على طول"، طالباً عدم الكشف عن اسمه. لافتاً في الوقت ذاته إلى "أن أصدقاء الملا الذين ذهبوا معه نادمون الآن".

ويتوجه المقاتلون السوريون إلى ليبيا "بموجب عقد مدته ستة أشهر، براتب شهري يبلغ 2000 دولار أميركي للمقاتل، فيما تنال القيادات أضعاف ذلك"، بحسب ما ذكر مصدر عسكري من الجيش الوطني في ريف حلب الشمالي. مشيراً في تصريح لـ"سوريا على طول" إلى أن فصائل الحمزة، والسلطان مراد، والسلطان سليمان شاه، والمعتصم، هي من أبرز الفصائل المسؤولة عن تجنيد السوريين للقتال في ليبيا.

وفيما قدّر المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره بريطانيا، عدد العناصر السوريين الذين وصلوا إلى ليبيا بنحو 2000 مقاتل، قدر المصدر في الجيش الوطني العدد "بنحو 1500 مقاتل وقيادي وصلوا إلى ليبيا جواً وبحراً عبر تركيا، بينهم محمد الجاسم (أبو عمشة) قائد لواء السلطان سليمان شاه".

وأضاف المصدر أن "الرائد ياسر عبد الرحيم، قائد فيلق المجد [الذي شارك في عملية نبع السلام شرق الفرات بدعم تركي] يتجهز مع مجموعة جديدة للانتقال إلى ليبيا".

وقد حاولت "سوريا على طول" الحصول على تعليق من القيادي في لواء المعتصم، مصطفى سيجري، لاسيما وأن عدداً من المصادر اتفقت على مشاركة "المعتصم" في القتال في ليبيا. لكن سيجري رفض الإدلاء بأي تصريح بهذا الخصوص، مكتفياً بالإشارة إلى بيان النفي الصادر عن الجيش الوطني السوري، ومعتبراً أنه "لا يوجد حالياً أي تعليق يمكن إضافته".

اتفاق تركي - ليبي

مطلع العام الحالي، صادق البرلمان التركي على مذكرة رئاسية تفوض الحكومة التركية إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، على أن تكون مدة التفويض عاماً واحداً، يمكن تمديده وفقاً للمادة 92 من الدستور التركي المتعلقة بإرسال قوات إلى دول أجنبية.

في أعقاب ذلك، صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في السادس من كانون الثاني/ يناير الحالي، لقناة "سي إن إن" التركية، بأن قوات بلاده بدأت بالتحرك و"بعد فترة قصيرة سنرسل الجزء الأكبر". مشيراً إلى أن الجيش التركي سيتواجد في ليبيا "من أجل التنظيم"، بينما ستكون "قوات محاربة هناك لكن ليس من عسكرنا" بحسب قوله.

كذلك، فإن عبارة "الموظفين الضيوف" التي وردت في نص الاتفاق التركي- الليبي، التي وقعت بين الجانبين في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وتتعلق بالتعاون الأمني والعسكري "عززت الانطباع بأن تركيا استخدمت مقاتلين سوريين، رغم عدم وجود أدلة سوى التقديرات وبعض الشهادات الميدانية" بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول" الصحفي التركي ليفنت كمال.

وهو ما نفاه في المقابل الصحفي التركي المقرب من الحكومة التركية، حمزة تكين، بدعوى أن "الجيش التركي كافٍ في طرابلس، والقوة التي أرسلت أو سترسل تركية. فالاتفاق بين طرابلس وأنقرة، وليس بين طرابلس والمعارضة السورية".

وأضاف تكين في حديث إلى "سوريا على طول" أن "الجيش الوطني السوري لديه ما يكفيه من ملفات في الشمال السوري لحماية المناطق المحررة من التنظيمات الإرهابية ولصدّ قوات النظام السوري المدعومة من روسيا في إدلب". مشدداً على أن الجهات المعنية الثلاث؛ تركيا وليبيا والجيش الوطني "نفوا كل الادعاءات بتجنيد سوريين".

كذلك، فيما أكد عضو في الهلال الأحمر الليبي في مدينة مصراتة، الواقعة تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطني، وصول مقاتلين أتراك إلى ليبيا، فإنه نفى في المقابل لـ"سوريا على طول" وصول سوريين "لصالح حكومة السراجّ [الوفاق]".

على الرغم من ذلك، فإن توارد التقارير المختلفة حول مقاتلين وقتلى سوريين في ليبيا، يُضعف إلى حد كبير النفي التركي.

البحث عن مكاسب

في قرية "قيبار" التابعة لمدينة عفرين بريف حلب الشمالي، التحق سبعة عناصر من أصدقاء عبد الرحمن الحمصي، وهو من مهجري مدينة الرستن بريف حمص الشمالي، بإحدى دفعات المقاتلين الذين أرسلوا من تركيا إلى ليبيا.

وقال الحمصي (اسم مستعار) لـ"سوريا على طول" إن "العناصر سجّلوا أسماءهم طوعاً لدى لواء المعتصم في القرية، طمعاً بالرواتب العالية التي وعدوا بها، والتي تصل إلى 2000 دولار شهرياً". لافتاً إلى أن نقل المقاتلين يتم "عبر معبر كلّس إلى تركيا، ومنها بطائرات عسكرية إلى القواعد التركية في ليبيا". مؤكداً أنهم "وصلوا إلى ليبيا، وتواصلت معهم وهم هناك".

وأضاف الحمصي أن "المقاتلين يصلون إلى تركيا من دون الحاجة إلى أي وثائق رسمية، لأن بياناتهم أصلاً مثبتة لدى الجانب التركي منذ لحظة انضمامهم إلى الفصيل المدعوم من تركيا [من مثل] المعتصم والحمزة".

وفيما يؤكد المصدر في الجيش الوطني السوري بريف حلب الشمالي أنباء التجنيد، فإنه ينفي أي ضغوطات تركية على الفصائل تلزمهم بالمشاركة. كاشفاً عن أن "شخصيات في الجيش التركي اجتمعت مع قادة من كل الفصائل المدعومة منها في الأراضي التركية، وعرضت عليهم إرسال مقاتلين من دون أي ضغط أو إجبار". لافتاً إلى أن "عدداً من الفصائل رفض العرض التركي باعتباره ارتزاقاً. أما من وافق فكان قراره خاصاً به كفصيل، ويبحث عن تحقيق مكاسب على صعيد شخصي أو فصائلي".

وتتمثل مكاسب المشاركة في القتال في ليبيا بالنسبة للسوريين في "الحصول على جنسية تركية، إلى جانب البدل المالي للمقاتل هناك" كما قال المصدر، علماً أن "القيادات وبعض المقاتلين حصلوا على جنسيات حتى قبل العرض التركي، لكن هناك وعود لمقاتلين بالحصول على الجنسية بعد إتمام مدة عقدهم".

وكانت تركيا عوّضت ذوي قتلى فصائل المعارضة السورية في معارك "غصن الزيتون" بمبالغ مالية وامتيازات أخرى منها منحهم الجنسية التركية. 

وفي أثناء الحديث عن تجنيد سوريين لصالح الأتراك في ليبيا، برز اسم شركة "صادات" التركية، المتخصصة في الاستشارات الدفاعية الدولية. باعتبارها قد تكون مسؤولة عن تجنيد السوريين بالنيابة عن الجيش التركي.

ويأتي بروز اسم "صادات" باعتبارها "من الشركات التي يقال إنها دربت الجيش السوري الحر في سوريا" بحسب الصحفي كمال، وهو ما نفته الشركة عبر موقعها الرسمي، مشددة على أن تقديم تدريباتها مخصص "لتلبية الاحتياجات التدريبية للقوات المسلحة الشرعية التي أنشأتها دول أجنبية من أجل الدفاع عن وطنها وطرد الغزاة".