قبل أقل من عام واحد، كان خالد الأحمد يقاتل مع فصيل تابع للجيش السوري الحر في الصحراء الشرقية ذات الكثافة السكانية المنخفضة، حيث عاش مع عائلته في مخيم الركبان للنازحين.

وفي صباح يوم الثلاثاء، استقل الأحمد وعائلته شاحنة واتجهوا إلى مدينة حمص الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، تحت خطر التعرض للاعتقال أو السوق للخدمة الإلزامية، هربا من الجوع واليأس في الركبان، الذي يمتد ضمن منطقة حدودية غير مأهولة بين سوريا والأردن تعرف باسم "الساتر الترابي".

وقال الأحمد، الذي طلب استخدام اسم مستعار، خوفا على أقاربه الذين بقوا في الركبان "بالتأكيد مغامرة كبيرة  ربما أتعرض للموت ولكن سيكون وقتها موتاً سريعاً وأفضل من الموت البطيء في هذا المخيم".

وفر الأحمد من مسقط رأسه في حمص مع زوجته وطفليه في عام ٢٠١٢، ولجأ إلى شرق حمص قبل أن ينزح مرة أخرى بسبب تنظيم الدولة. وبعد ذلك، توجهت العائلة نحو الحدود الأردنية أملا بالعثور على الأمان في الأردن، ولكنهم وجدوا أنفسهم عالقين، إلى جانب عشرات الآلاف من النازحين الآخرين، في الركبان وذلك بعد إغلاق الحدود أمامهم.

ولأن الركبان، وهو مخيم عشوائي غير مجهز بشكل كاف، يقع في منطقة حدودية تواجه المنظمات الإغاثية تحديات قانونية للحصول على إذن لإيصال المعونات إلى المخيم. وفي كانون الثاني، تمكنت الأمم المتحدة من إيصال المعونات إلى المخيم للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، وفقا لما ذكرته سوريا على طول في ذلك الوقت. وكانت المرة الأخيرة التي يتم فيها إيصال المعونات إلى المخيم.

ودفع الوضع المتدهور في المخيم  إلى رحيل آلاف المدنيين في الأشهر الأخيرة، واتجه بعضهم إلى الأراضي الحكومية وآخرون إلى الأجزاء الواقعة تحت سيطرة الأكراد في سوريا، إلا أن الوضع المأساوي في المخيم وصل إلى حد دفع حتى مقاتلين المعارضة السابقين أن يختاروا خطر الإعتقال والالتحاق بالخدمة العسكرية على الحياة في المخيم، على حد قول الأحمد.

وأخبر الأحمد مراسلة سوريا على طول بهيرة الزرير، يوم الإثنين بالوقت الذي كان يستعد فيه لمغادرة الركبان "عندما أنظر لأولادي أشعر بالذنب أني وراء تشردهم في الصحراء" مضيفاً "حتى لو كان الثمن حياتي على الأقل سيعيش أولادي في بلدهم وليس في الصحراء".

السوق في مخيم الركبان يوم الإثنين. تصوير خالد الأحمد.

وذكر محمد أحمد الدرباس، مدير مخيم الركبان، أن من 10 إلى 30 عائلة تقريباً كانوا يغادرون المخيم كل يوم إلى الأراضي الواقعة تحت سيطرة الحكومة  خلال الأسبوعين الماضيين، وكان من بينهم عدد قليل من المقاتلين السابقين التابعين للجيش السوري الحر.

وأضاف الأحمد أنه تخلى عن أمله في تنحي الحكومة السورية، ولا يرى خياراً آخر الآن سوى المخاطرة بالعودة بدلاً من "الموت جوعاً" في الركبان.

وتابع "آخرتنا كلنا سنرجع إلى سيطرة النظام عاجلا أم أجلاً".

كم المدة التي بقيت فيها في الركبان؟ ومتى انضممت لفصائل الجيش الحر؟

في عام 2012 هربنا من بطش النظام في مدينة حمص إلى المناطق الشرقية من محافظة حمص، ثم هربنا من الريف الشرقي بسبب داعش وكان هدفنا الدخول إلى الأردن لننعم بالراحة والأمان، ومضى على وجودنا في مخيم الركبان أكثر من سنتين.

(شددت الحكومة الأردنية إجراءات الدخول على حدودها الشرقية مع سوريا في 2014 ، ولم تسمح سوى لبضع مئات من الأشخاص بالعبور شهريا، قبل إغلاق الحدود بشكل كامل في 2016. وقدرت الأمم المتحدة أن 50 ألف شخصاً لازالوا محاصرين في مخيم الركبان في كانون الثاني 2018).

و بسبب تردي الأوضاع المعيشية وعدم وجود فرص عمل، انضممت إلى أحد الفصائل الموجودة في منطقة الحدود الأردنية السورية وكنت اتقاضى راتباً يصل إلى 250 دولار كانت تكفيني أنا وأطفالي.

ولكن منذ أكثر من ثمانية أشهر تم الإستغناء عنّا لإنقطاع الدعم، ومن بقي يعمل مع الفصيل كان راتبه الشهري 100 دولار وهذا لا يكفي لشراء الخبز اليومي ووقود للطبخ  في المخيم.

(وطلب الأحمد عدم ذكر اسم الفصيل الذي حارب معه، خوفاً على أقاربه الذين لا يزالون في مخيم الركبان)


لماذا اخترت العودة من الركبان إلى مناطق سيطرة الحكومة في حمص، هذا الأسبوع؟

لا يوجد نهاية واضحة في الأفق لمعاناتنا في الركبان، سوى العودة إلى مناطق النظام. إنه الخيار الوحيد المتاح أمامنا.

الآن، أصبح الوضع مأساوي أكثر من ذي قبل فلا أملك عملا أعيش منه، وهذا سبب أساسي للعودة. حاولت العمل في صنع مكعبات للطين التي يستخدمها سكان المخيم لبناء غرف تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، ولكن بسبب كثرة العائلات التي تغادر المخيم أصبح هذا العمل كاسدا لقلة الطلب عليه.

مخيم الركبان يوم الثلاثاء. تصوير: محمد أحمد الدرباس.

منذ شهر شباط لم يعد بإمكاني توفير ثمن ربطة الخبز لأهل بيتي، وابنتي بحاجة إلى الحليب وبصعوبة كبيرة أستطيع تأمين ما يكفيها من الحليب يوميا، مع العلم أننا نخلط الحليب بمثله من الماء حتى يكفيها.

إضافة لذلك، انتشار الأمراض في المخيم، ولايوجد أي تحرك من كل الدول تجاه نازحي الركبان. كان عندي أمل بأن الدول ستقف معنا وتساعدنا وأن الأردن ستفتح أبوابها لنا، لكن حدث العكس.

سنموت من الجوع هنا، ولم يعد باستطاعتي التحمل أكثر من ذلك. في مناطق النظام ستعيش زوجتي وأولادي في بيت وليس في الصحراء. عندما أنظر لأبنائي أشعر بالذنب لأنني سبب تشردهم في الصحراء.

متى ستخرج من الركبان، وما هي تكلفة الرحلة؟ هل سمعت أي أخبار عن الذين عادوا إلى مناطق سيطرة الحكومة؟ ماذا كان مصيرهم؟

قررت الخروج صباح يوم الثلاثاء، مع  أحد سائقي السيارات التي تدخل البضائع من الداخل السوري  للمخيم، وطلبوا مني مبلغ ١٢٠ دولار أمريكي لنقلنا أنا وعائلتي إلى مناطق النظام.

تواصل الكثير ممن عادوا إلى الوطن مع أقاربهم في المخيم و أخبروهم بما جرى معهم. سمعت من أحد أقاربهم أنه تم التحقيق معهم على مدى يومين ثم تم إطلاق سراحهم ليلتحقوا بعائلاتهم على أن يتم استدعاؤهم للخدمة بعد شهرين.

هل أنت خائف من إمكانية تعرضك للاعتقال أو التجنيد الإجباري بعد عودتك إلى مناطق سيطرة الحكومة؟ أليست مجازفة؟ هل لديك مخاوف من أنك ستندم على قرارك؟

بالتأكيد مغامرة كبيرة وربما أتعرض للموت ولكن سيكون موتا سريعا وأفضل من الموت البطيء في هذا المخيم الذي انعدمت فيه كل مقومات الحياة.

وبالعودة لمناطق النظام سأكون قد أمنت على زوجتي وأطفالي، حتى لو كان الثمن حياتي، وعلى الأقل سيعيش أولادي ببلدهم وليس بالصحراء.لأن الحياة بالمخيم كحياة الغابة: القوي يأكل حق الضعيف.

على ماذا سأندم؟ على عيشتنا بالصحراء ونحن ننتظر طرد مساعدة نحصل عليه مرة كل عام؟ أم على عيشة التشرد التي يعيشها أولادنا؟ قد لا تصدقيني، ولكن أصبحنا نتمنى الموت بسبب حياتنا هنا.

ومن جهة أخرى، نحن نتابع الأخبار التي تقول بأن النظام استعاد سيطرته على أغلب المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة والعالم يكتفي بالمشاهدة. لذا تيقنت أن النظام سيبقى وبدعم من كل الدول، ونحن جميعنا من وقفنا ضده سنعود لسيطرته عاجلا أم أجلاً.