عمان- عشية دخوله حيز النفاذ بعد أيام، يُسجل لقانون "قيصر" الأميركي إنجاز قد لا يلتفت له كثيرون، هو إجبار نظام الأسد ومؤيديه على الاعتراف بوجود "شعب سوري"، يعيش في بلد اسمه سوريا وليس "سوريا الأسد".

ومع هذا الإقرار القسري، صار يمتلك هؤلاء الحجة لإدانة "قيصر" وتخوين مؤيديه أو حتى الساكتين عنه، كونه لن يطال بتداعيات عقوباته نظام الأسد، بل المواطن السوري الذي لا تكاد غالبيته تجد كفاف يومها. أبرز دليل على ذلك هو الانهيار المتسارع والتاريخي لقيمة الليرة السورية خلال الأيام الماضية، ما يعني ارتفاعاً صاروخياً في أسعار السلع، لاسيما الأساسية منها، بل وأيضاً شل حركة الاقتصاد بإغلاق المحال التجارية، على نحو ما حصل فعلاً قبل أيام قليلة، نتيجة الحيرة، في أحسن تقدير، بشأن تسعير البضائع.

لكن أصحاب هذه الحجة التي يظنونها "دامغة"، لا يريدون الإشارة خصوصاً إلى العلاقة بين انهيار الليرة السورية وبين تفجر خلاف رمز الفساد في "سوريا الأسد" رامي مخلوف مع ابن عمته بشار الأسد على اقتسام الغنائم المسلوبة من الشعب السوري. والتفسير الممكن الوحيد لهكذا تجاهل، هو لومهم العقوبات الدولية -السابقة على "قيصر" أو المتضمنة فيه- عن تفجر هذا الخلاف. الأمر الذي يعني بالضرورة أيضاً القول، صراحة، إنه لولا العقوبات الأميركية والأوروبية لبقي مخلوف ينهب من دون أي خلافات أثرت على الليرة، لاسيما وأنه يفعل ذلك وراثة عن والده منذ عقود.

بقدر ما يبدو هذا "المنطق" مثيراً للسخرية على أقل توصيف، بقدر ما يقدم مساحة التقاء نادرة بين معارضي الأسد وشبيحته بشأن مآل الأموال التي منعتها وستمنعها العقوبات "الظالمة"؛ أي شبكة الفساد التي حمت الأسد أباً وابناً، لاسيما وأن شبيحة الأسد أنفسهم -أكانوا سوريين أم عابرين للحدود بدعوى القومية العربية والممانعة والمقاومة وسواها من أكاذيب- لا يتجرأون، إلى الآن على الأقل، على ادعاء أن انقلاب الأسد المفاجئ على ابن خاله يأتي في إطار حملة لاستئصال الفساد الذي يجري من "سوريا الأسد" مجرى الدم؛ من أعلى هرم القيادة إلى صغار الموظفين والجنود.

أما إن كانت هناك ذرة وهم باقية بأن الأسد سيستخدم أموال إعادة الإعمار، أو حتى جزء منها، لأجل الشعب السوري، أملاً في اكتساب شرعية ما، أو تلافياً لبعض أسباب الثورة والحرب، فجدير رداً على ذلك العودة إلى ما تورده تقارير منظمة الشفافية الدولية في السنوات الأخيرة تحديداً، والتي تلت التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا. إذ مع تمكين موسكو الأسد من تحقيق "النصر"، لم يزدد ترتيب "سوريا الأسد" بين دول العالم إلا انحداراً على مؤشر مدركات الفساد؛ بحيث احتلت المرتبة 173 من أصل 176 دولة وإقليم في العام 2016، والمرتبة 178 من أصل 180 في الأعوام الثلاثة اللاحقة؛ 2017 و2018 و2019.

أسوأ من ذلك بالنسبة لشبيحة الأسد هو محاولة استحضار واقع ما قبل اندلاع الثورة السورية في العام 2011، والتي قد يظن البعض أنه يمكن استخدامها مشجباً يرمي عليه معاناة السوريين معيشياً، حتى وإن كانوا عرضة لأسوأ انتهاكات الحقوق الإنسانية في العالم أجمع، ووفق مقولة "كنا عايشين" أو "كنتم عايشين".

إذ رغم إصرار البعض، حتى الآن، على ترديد أكذوبة "الاكتفاء الذاتي" قبل الثورة، فإن الحقيقة المثبتة هي أن مئات آلاف السوريين كانوا يعتمدون، داخل بلدهم "الغني" وليس كلاجئين، على مساعدات برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة. ففي حزيران/يونيو 2010، على سبيل المثال فقط، أعلن البرنامج بدأه توزيع حصص غذائية تحتوي على الأرز والزيت والطحين والحمص وحتى الملح، على "190 ألف شخص في شرق سوريا"، بينما بقي "110 آلاف شخص آخرين في المنطقة ... بحاجة الى مساعدات غذائية طارئة" لم يتمكن البرنامج الأممي من تأمينها.

تدمير الأراضي الزراعية في منطقة شمال شرق البلاد المعروفة بـ"سلة غذاء سوريا"، نتيجة الفساد (متمثلاً خصوصاً في سوء الإدارة وحفر آلاف الآبار غير القانونية)، وتالياً حصول موجة جفاف، أدى إلى واحدة "من أكبر موجات النزوح في الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة الماضية"، بحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في شباط/فبراير 2010. فيما هوى ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين من سكان المنطقة إلى مستوى الفقر المدقع، وفقاً لتقديرات مقرر الأمم المتحدة الخاص للحق في الغذاء، في تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته. 

في المقابل، كان آل الأسد وبطانتهم يزدادون ترفاً واحتقاراً للسوريين، ينشر أبناؤهم صورهم إلى جانب طائراتهم الخاصة وسياراتهم النادرة. وهؤلاء الذين راكموا فوق كل سرقاتهم السابقة ملايين ومليارات الدولارات عبر قتل السوريين وتهجيرهم خلال السنوات التسع الماضية، يراد لنا الآن تصديق أنهم كانوا ينوون إعادة إعمار سوريا وإعادة اللاجئين والنازحين، لولا، وفقط لولا، العقوبات الأميركية "الظالمة".

طبعاً سيتأثر المواطن السوري عموماً بالعقوبات المقبلة. لكن سبب ذلك الأهم أن الأسد وحاشيته من الفاسدين القدامى والجدد وأمراء الحرب والمليشيات لا يبالون سوى بالنهب ولو عنى ذلك مجاعة لعموم السوريين. مع ذلك، يحق للسوريين الذين أعلوا صوتهم في وجه طغيان الأسد وفساده بأي وسيلة ممكنة أن يعبروا عن قلقهم من قانون قيصر وحتى تحفظهم ورفضهم له لأجل المواطن العادي. أما أولئك الذين يرون أن الطريق إلى القدس معبدة بجثامين السوريين وأشلائهم وركام وطنهم، فعليهم أن يتوقفوا عن التستر بمعاناة السوريين للتعبير، في الحقيقة، عن خوفهم على فساد الأسد وتوحشه فحسب.