يمثل 30 أيلول/سبتمبر 2015، نقطة التحول الأعمق في مسيرة الثورة السورية التي اندلعت في آذار/مارس 2011، والذي شهد بداية التدخل العسكري الروسي المباشر إلى جانب القوات الحكومية والمليشيات الإيرانية المتحالفة معها.

وفيما كان يفصل نظام الحكم في دمشق، عشية التدخل الروسي، "أسبوعان أو ثلاثة أسابيع عن السقوط" بحسب تصريح لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في كانون الثاني/يناير 2016، يسعى هذا النظام اليوم، بمساندة روسية، إلى السيطرة على آخر معاقل المعارضة السورية في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، بعد سيطرته على مناطق المعارضة الأخرى كافة في شمال ووسط وجنوب سوريا. كما يتزايد التسليم الدولي بحتمية التعامل مع بشار الأسد رغم مسؤوليته عن جرائم موثقة تندرج ضمن "جرائم الحرب"، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين العزل.

ويسعى هذا الملف الذي تنشر "سوريا على طول" حلقاته على امتداد الأسبوع الحالي، إلى تناول بعض أبعاد التدخل الروسي العسكري المباشر إلى جانب الأسد؛ بدءاً من تطور الموقف الروسي من الثورة السورية، في مقابل موقف المعارضة السورية من روسيا، ثم الذرائع التي قدمتها وتقدمها موسكو لتدخلها، وأدواتها في ذلك، وصولاً إلى مفهومها لما تعتبره "تسوية سياسية" للصراع في سوريا.

*   *   *


عمان- تتعدد الأسباب الحقيقية التي دفعت روسيا إلى التدخل عسكرياً بشكل مباشر في سوريا منذ 30 أيلول/سبتمبر 2015؛ وهي بحسب الكاتب الصحافي المختص في الشأن الروسي، طه عبد الواحد، أسباب "كثيرة ومعقدة ومترابطة، من بينها عدم السماح بانتصار الاحتجاجات، ووقف زحف الربيع العربي قبل أن يصل إلى جمهوريات آسيا الوسطى وروسيا نفسها".

يضاف إلى ذلك، بحسب عبد الواحد في حديث إلى "سوريا على طول"، خوف موسكو "من استغلال الولايات المتحدة للثورة السورية لتعزيز هيمنتها عبر التحالف مع البديل عن [بشار] الأسد"، ناهيك عن الدوافع الاقتصادية، من خلال السيطرة على بعض أهم القطاعات الاقتصادية في سوريا، كما ترويج السلاح الروسي الذي تعد مبيعاته مصدراً مهماً للدخل القومي، وبناء تحالفات سياسية أو ترسيخها.

على الرغم من ذلك، لا يكاد يذكر أي من هذه الأسباب الحقيقية على لسان المسؤولين الروس في تبرير تدخلهم في سوريا، بل تعتمد موسكو على مجموعة من الذرائع التي ترى أنها تلقى قبولاً عالمياً وإقليمياً ولربما محلياً داخل المجتمعات الروسية. وتشمل هذه الذرائع خصوصاً: محاربة الإرهاب، وضمان التوصل إلى تسوية سياسية للصراع في سوريا تسمح بمنع انهيار "الدولة"، إضافة إلى ذريعة "حماية المسيحيين" السوريين.

مكافحة الإرهاب

في اليوم الأول لانخراطها العسكري في سوريا، أعلنت القوات الروسية شنها 20 غارة جوية استهدفت 8 مواقع لـ"تنظيم الدولة" (داعش) في سوريا، فيما كان المستهدف الأساسي هي فصائل المعارضة السورية المنضوية ضمن "الجيش السوري الحر"، وغير المصنفة إرهابية إلا من حكومة دمشق وحلفائها.

وخلال مؤتمر موسكو الثامن للأمن الدولي، والذي عقد في نيسان/أبريل الماضي، اعتبر رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الجنرال فاليري غيراسيموف، أن "دعم موسكو العسكري لدمشق في العام 2015 جنب الدولة السورية الانهيار تحت ضربات الإرهابيين".

لكن فيما تصر موسكو حتى اللحظة، على أن الهدف من تدخلها هو محاربة التنظيمات الإرهابية، يؤكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن "هجمات روسيا على داعش لم تتجاوز 20% من ضرباتها، [فيما] النصيب الأكبر، أي 80% من تلك الهجمات، استهدف مدنيين".

وبالنتيجة، كما ذكر عبد الغني لـ"سوريا على طول"، فقد "قتلت روسيا وحدها منذ تدخلها العسكري في سوريا في 30 أيلول/سبتمبر 2015 وحتى 30 أيلول/سبتمبر، 2019، 6686 مدنياً، بينهم 1928 طفلاً و908 امرأة (أنثى بالغة)".

يضاف إلى ذلك تشريد "ما لا يقل عن 3.3 مليون شخص"، قرابة مليون منهم نزحوا نتيجة الهجوم الروسي-الحكومي الأخير على شمال غرب سوريا بزعم مواجهة هيئة تحرير الشام المتواجدة في المنطقة والمدرجة على قوائم الإرهاب الدولية.

لكن فيما ركزت روسيا دعمها العسكري للقوات الحكومية التي تسعى إلى القضاء على المعارضة السورية من غير التنظيمات الإرهابية، يستعيد تنظيم "داعش" قوته تدريجياً في البادية السورية، عقب القضاء على "دولته" على يد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وقد تمكن التنظيم خلال الفترة الماضية من تنفيذ عمليات عسكرية وتفجيرات على كامل الأراضي السورية.

حماية المسيحيين

بعد مرور سنة على اندلاع الثورة السورية، حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، مما سماه "حكماً سُنياً" في سوريا.

ومع التدخل العسكري المباشر في سوريا، اعتبرت الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية هذا التدخل بمثابة "حرب مقدسة". ونقلت إدارة الصحافة بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية عن بطريرك موسكو وعموم روسيا، البطريرك كيريل، قوله إن "الشعب الأرثوذكسي لاحظ العديد من حوادث العنف ضد المسيحيين في المنطقة".

لكن مدير المرصد الآشوري لحقوق الإنسان، جميل دياربكرلي، يشدد على أنه "لا توجد أي جهة ساعدت المسيحيين السوريين، بل على العكس تماماً" بما في ذلك "النظام والمعارضة السورية [اللذان] لم يكترثا يوماً للوجود المسيحي المهدد في البلاد". موضحاً في حديثه إلى "سوريا على طول" أنه "كلما تحدثت الدول الكبرى كروسيا وغيرها عن المسيحيين، كلما زاد العنف والاضطهاد ضدهم أكثر، حتى بات المسيحيون مكسر عصا لكل قوى الصراع الدائر في البلاد".

وبحسب تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد "تم تسجيل ما لا يقل عن 124 حادثة اعتداء على أماكن عبادة مسيحية من قبل الجهات الرئيسة الفاعلة في سوريا"، منذ آذار/مارس 2011 وحتى أيلول/سبتمبر 2019، توزعت بين 75 حادثة اعتداء على يد قوات النظام السوري، و10 على يد تنظيم داعش، واعتداءان على يد هيئة تحرير الشام، و33 اعتداء على يد فصائل في المعارضة المسلحة، و4 اعتداءات على يد جهات أخرى.

كذلك، أثار غضب نشطاء سوريين مسيحيين تصرح المتحدث باسم مركز العمليات الروسية في قاعدة حميميم، في تموز/يوليو 2019 بأن "عمليات القصف [الروسية] الأخيرة في إدلب جاءت رداً على قصف مسيحيين في قرية محردة"، وأن دخول روسيا إلى سوريا "هو لحماية المسيحيين فقط".

إذ أصدرت منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام، بياناً استنكرت فيه "هذه الادعاءات الكاذبة"، ومشددة على أن "روسيا تتدخل في سوريا لدعم بقاء نظام الأسد في السلطة فقط، وهو نظام انتهك حقوق المسيحيين السياسية والمدنية طيلة عقود وتسبب في تهجيرهم، وتواطأ مع الفصائل المتشددة لتهديد مناطقهم واستخدامهم كأداة للبقاء في السلطة بحجة حمايتهم".

وهو ما أكد عليه دياربكرلي، بأن "التدخل الروسي جاء لأسباب جيوسياسية خاصة بمصالح روسيا" وأن "أي كلام عن دعم المسيحيين هو كلام للتداول الإعلامي فقط. لافتاً إلى أن "حضور الروس على الساحة السورية لم يغير شيئا في الوضع المسيحي المهمش أصلا في الساحة السورية". بل إن "نزيف الهجرة المسيحية لا يزال مستمراً أكثر من السابق، لانعدام ثقة الشارع المسيحي بحدوث تغيير حقيقي وحل على المدى المنظور للمعضلة السورية، بالإضافة إلى عدم رجوع أي مسيحي نازح إلى بلداته بفعل الحرب، والأهم من ذلك غياب الدعم السياسي لدخول المنظمات المسيحية إلى المعادلة السياسية في البلاد".

مستدلاً على ذلك بأن اللجنة الدستورية التي أعلن عن تشكيلها مؤخراً لوضع دستور سوري جديد "لم تراع التمثيل المسيحي السوري، فللنظام والمعارضة حصة في اللجنة ونحن مغيبون"، متسائلاً: "لماذا هذا التغييب المتعمد للحضور المسيحي في سوريا، وخصوصاً منظمات المجتمع المدني العاملة والفاعلة في المجتمع المسيحي؟".

من جانبه، عزا الصحفي عبد الواحد الحديث الروسي عن حماية المسيحيين في سوريا إلى أن هكذا حديث من "شأنه التأثير على مواقف بعض الدول من التدخل الروسي". موضحاً أن موسكو "عندما تقول إنها تعمل على حماية المسيحيين في الشرق الأوسط، فإنها تخاطب بذلك المجتمعات الغربية، لاسيما القوى اليمينية التي تستغل شعار "الدفاع عن المسيحيين" في حملاتها الانتخابية".

حماية الدولة السورية

بحسب الرئيس بوتين، فإن هدف موسكو من التدخل في سوريا هو "بالدرجة الأولى" الدفاع "عن مؤسسات الدولة السورية وليس عن الرئيس الأسد، ولا نريد أن يتشكل في سوريا وضع مشابه لما تمر به ليبيا أو الصومال أو أفغانستان".

لكن منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، وفرت موسكو كل حماية ممكنة لمنع أي إصلاح حقيقي في سوريا. وهو ما صار واضحاً بشكل أكبر مع التدخل العسكري الروسي في 2015. فعدا عن استمرار الممارسات الأمنية اللاإنسانية ذاتها التي أوصلت إلى الثورة، بما يمنع عودة ملايين اللاجئين السوريين. كما يستشري الفساد في مؤسسات الدولة السورية بإقرار الموالين أنفسهم، وهو ما يرتبط بدوره بتدهور الوضع الاقتصادي والخدمي في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية. يضاف إلى ذلك الفلتان الأمني الذي تشهده هذه المناطق.

كذلك، تم إفراغ العملية السياسية التي قد تسمح بحل دائم للصراع من مضمونها، عبر اختزالها في اللجنة الدستورية، والتي يرى الحقوقي المعارض أنور البني أن غاية روسيا من تشكيلها في الوقت الحالي هو "تمرير أجندتها العسكرية على أرض الواقع، والقفز عن المرحلة الانتقالية وبالتالي تجاوز مرحلة محاكمة المجرمين وحمايتهم"، معتبراً في تصريحات سابقة لـ"سوريا على طول"، أن المشاركة في اللجنة يعتبر خيانة حقيقية لتطلعات وآمال الشعب السوري لبناء سوريا ديمقراطية حرة".