عمان- كان وقع خبر اعتقال الحكومة السورية 174 شخصاً عائداً من مخيم الركبان، على الشريط الحدودي مع الأردن، ثقيلاً على الرجل الستيني أبو عبد الرحمن الحمصي؛ إذ قضى على فكرة مغادرته المخيم في الفترة الراهنة.

الحمصي (65 عاماً)، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، كان يترقب أخبار أقاربه الذين غادروا المخيم سابقاً، متأملاً سماع ما يشجعه على العودة إلى مدينته القريتين في ريف حمص، بعد أن "تقطعت بي السبل" كما قال لـ"سوريا على طول". لكن فيما انقطع الاتصال بهم، تواردت الأنباء باعتقال عشرات المغادرين للمخيم في وقت سابق، أحدهم من أقاربه، وسوقهم إلى محكمة الإرهاب، بينهم أشخاص في سنّ الحمصي.

وكانت الرابطة السورية لكرامة المواطن، أصدرت تقريراً، في 13 كانون الأول/ديسمبر الحالي، ذكرت فيه قيام أجهزة الأمن السورية باعتقال 174 شخصاً عائداً من مخيم الركبان إلى مراكز الإيواء في حمص، تتراوح أعمارهم بين 18 و42 عاماً. وهو ما أكدته مصادر أخرى لـ"سوريا على طول"، لافتة في الوقت ذاته إلى كون بعض المعتقلين في الخمسينات والستينات من العمر.

ذريعة الخدمة العسكرية

صنفت "الرابطة"، وهي تجمع حقوقي مقره اسطنبول، تأسيس في كانون الأول/ديسمبر 2018، معتقلي الركبان إلى مجموعتين. تضم الأولى المنشقين الذين فرّوا من الخدمة العسكرية الإجبارية والاحتياطية، وقد تم الزج بهم في سجون عسكرية. بينما تشمل المجموعة الثانية شباباً لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية الإجبارية، وأودعوا في سجون مدنية. وقد تم تحويل المعتقلين كافة إلى محكمة الإرهاب.

وكان مجلس الشعب السوري أقرّ، في تموز/ يوليو 2012، استحداث محكمة، مقرها دمشق، تختص بالنظر في جرائم الإرهاب والجرائم الأخرى التي تحال إليها من قبل النيابة العامة الخاصة بالمحكمة. ويشمل اختصاصها المدنيين والعسكريين.

في هذا السياق، تساءل رئيس الرابطة السورية لحقوق اللاجئين، وهي منظمة حقوقية مقرها اسطنبول، مضر حماد الأسعد، عن سبب تحويل المعتقلين إلى محكمة الإرهاب، رغم أنهم "لا يحملون أي توجهات سياسية أو نشاط معارض"، كما قال لـ"سوريا على طول"، وهم "نزحوا من مدنهم وقراهم من أرياف حمص وحماه ودير الزور هرباً من قصف النظام وروسيا، وجرائم إيران وحزب الله وتنظيم "داعش"، وحتى وحدات حماية الشعب الكردية".

كذلك، فإن عدداً من المعتقلين تجاوزوا سن الثانية والأربعين، ما يعني، كما أوضح الناشط الإعلامي عماد غالي، أنهم "غير مطلوبين للخدمة العسكرية الإجبارية والاحتياطية". لافتاً في حديثه إلى "سوريا على طول" أن بين المعتقلين "أشخاص تجاوزت أعمارهم 50 عاماً، فيما ناهز [عمر] أحد المعتقلين 60 عاماً".

ويكشف عضو في الإدارة المدنية في الركبان، شارك في آذار/ مارس الماضي، في اجتماع نظمته روسيا لمناقشة مصير المخيم، ونقل مطالب ومخاوف سكانه بالتزامن مع إعلان روسيا عن فتح ممرات آمنة لخروج الأهالي، عن انعدام التواصل مع مركز المصالحة الروسي أو حكومة دمشق من أجل المعتقلين.

وكانت وزارة الدفاع الروسية أعلنت في شباط/فبرايرالماضي، عن فتح معابر تابعة لها في محيط الركبان لاستقبال ومساعدة الأشخاص الذين يغادرون المخيم.

وقال العضو الذي تحدث إلى "سوريا على طول" شريطة عدم الكشف عن هويته إن "من بين المعتقلين أشخاص كانوا على متن آخر قافلة خرجت من المخيم، بإشراف الأمم المتحدة، في أيلول/سبتمبر الماضي".

وكانت الأمم المتحدة قد شاركت في آخر عملية إجلاء من المخيم، إلا أنها دورها كان "كضامن فقط خلال عملية نقل النازحين من الركبان إلى مراكز الإيواء، بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول"، في آب/أغسطس الماضي، مسؤول في الإدارة المدنية. وقد حاولت "سوريا على طول" الحصول على تعليق من مكتب الأمم المتحدة في عمان بشأن عمليات الاعتقال، إلا أنها لم تتلق أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير. 

ابتزاز مالي بتهم "إرهاب"

توزع معتقلو الركبان، وفق ما ذكرت مصادر لـ"سوريا على طول"، على عدة سجون منها سجن حمص المركزي، وسجن دمشق المركزي (المعروف بسجن عدرا)، والسجن البالوني في حمص، وسجون فروع أمنية مختلفة. 

وفيما تلزم الحكومة السورية، وإعلامها الرسمي، الصمت إزاء مصير الخارجين من "الركبان"، وضمن ذلك التهم الموجهة للمعتقلين منهم بحسب تقارير غير حكومية، يضيف أبو عبد الرحمن الحمصي، أن أحد أقاربه الموقوفين تم اعتقاله على خلفية "قضية فساد أثناء عمله في دائرة حكومية قبل اندلاع الثورة السورية".

في هذا السياق فسر شكري شهاب، وهو مدير مركز تدمر الطبي في مخيم الركبان اعتقال أشخاص تجاوزوا سن التجنيد الإجباري والاحتياطي، وتالياً خضوعهم لإجراءات التسوية في مراكز الإيواء بمحافظة حمص، باعتباره "مساومات على الناس في السجون المدنية"، مستشهداً بما حصل مع قريب له، متحدر من مدينة تدمر بريف حمص الشرقي. 

إذ بعد خروجه من "الركبان"، كما روى شهاب لـ"سوريا على طول"، تم توقيف قريبه في مركز إيواء ميسلون في حمص، ليتم نقله لاحقاً إلى سجن حمص المركزي. و"بعد عدة اتصالات أجراها ذوو المعتقل مع شخصيات متنفذة في النظام، طلبوا نحو 800 ألف ليرة سورية [950 دولاراً] لقاء الإفراج عنه".

الداخل سيء والخارج مجهول

مع حلول فصل الشتاء، فإن "موسم الخير" كما قال أبو عبد الرحمن الحمصي، لم يعد يحمل المعنى ذاته بالنسبة لأهالي الركبان، حيث تبدو الحياة لهم أكثر قسوة. إذ "يعرّي الشتاء خدمات المخيم؛ فلا مساكن مهيأة تقينا برد الشتاء، ولا مساعدات إنسانية، وفوق ذلك ليس لدينا قدرة مالية لشراء المواد الأساسية ووسائل التدفئة، لعدم وجود عمل".

فرغم كبر سنه، سعى أبو عبد الرحمن إلى إيجاد فرصة عمل مع منظمة "عالم أفضل" التي تشرف على نقل المياه إلى المخيم، لكن من دون نجاح. 

وكما أوضحت المنظمة لـ"سوريا على طول"، فإن "التوظيف في برنامج المياه لا يقوم على عمال ثابتين، [بل] يتم تغييرهم بين فترة وأخرى لإعطاء فرص متساوية لجميع العمال".

كما إن المخيم الذي يعتمد على التهريب من مناطق الحكومة السورية لتأمين المواد الأساسية "تأثر بتدهور سعر صرف الليرة" بحسب ما ذكر شكري شهاب. إذ يبلغ سعر لتر المازوت (الديزل)، في "الركبان"، 700 ليرة سورية (0.80 دولار أميركي)، وسعر كيلو السكر 500 ليرة (0.57 دولار)، وربطة الخبز 500 ليرة (0.57 دولار)، بحسب ما ذكر عضو المكتب الإعلامي في الإدارة المدنية للمخيم، عمر الحمصي، لـ"سوريا على طول".

كما إن آخر قافلة مساعدات دخلت المخيم، وهي قافلة مشتركة للأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري، كانت في أيلول/سبتمبر الماضي، حين تم إدخال مساعدات وفي الوقت ذاته إخراج دفعة النازحين هناك. 

لكن إذا كان الواقع المعيشي سيئاً بالنسبة لأكثر من 12 ألف شخص ما يزالون يعيشون في الركبان، بحسب آخر إحصائية للأمم المتحدة، فإن الأخبار الواردة من خارج المخيم حول مصير من غادروه، لا تجعل من خيار لسكان المخيم سوى "التمسك بقرار البقاء في المخيم رغم كل الظروف"، بحسب تعبير أبو عبد الرحمن الحمصي.