"مناطق النظام أم الشمال" نازحو الركبان في صراع بين الرغبة بمغادرة المخيم والخوف من المجهول

سيارات مساعدات الهلال الأحمر العربي السوري تصل إلى الركبان، ٦ شباط. تصوير: الهلال الأحمر العربي السوري.

في الآونة الأخيرة، كانت كثير من الأفكار تدور في رأس قاسم حول المصير المجهول لمخيم الركبان.

وقاسم، أب لطفلتين، واحد من بين ٤٠ ألف نازح سوري مقيم في مخيم الركبان العشوائي على طول الحدود السورية مع الأردن، حيث يعيش مع غيره من النازحين في المنازل الطينية المؤقتة والخيام التي لم تحميهم من برد الشتاء القارس هذا العام. وهذا العام هو الثالث لقاسم وعائلته في المخيم.

وفي الأسبوع الماضي دخلت قافلة مساعدات مشتركة من الهلال الأحمر العربي السوري والأمم المتحدة، تضم أكثر من ١٠٠ شاحنة وتحمل المعاطف الشتوية والطعام والتطعيمات وغيرها من الإمدادات إلى المخيم، كجزء من عملية تسليم مساعدات رسمية قلما تحدث.

ولكن القافلة -وهي الثانية منذ أشهر، بعد قافلة سابقة في تشرين الثاني- لا تزال أقل من أن تكون عملية إصلاح مؤقت للأوضاع هناك، بحسب ما قاله سكان المخيم وعمال الإغاثة.

وعندما حمل قاسم ابنتيه الصغيرتين إلى أقرب مدرسة طينية الأسبوع الماضي، قدم عامل إغاثة من القافلة المشتركة اللقاحات للطفلتين، وحقن اللقاح في ذراعيهما وساقيهما، وفي هذه الأثناء سألوا الأب البالغ من العمر ٢٩ عاما سؤالاً "هل ترغب بالعودة إلى مناطق النظام أو الذهاب إلى الشمال؟" بحسب ما قاله قاسم متذكراً الموقف.

وقال سكان آخرون من الركبان، أنه قد وجهت إليهم أسئلة مماثلة من قبل عمال الإغاثة الزائرين للمخيم، وهو جزء من استطلاع نوايا، مخطط له مسبقاً "للتشاور مع النازحين حول رغباتهم وأولوياتهم لدعم النقاش حول تسهيل الحلول الدائمة"، وفقاً لبيان صادر، في ٦ شباط، عن الأمم المتحدة.

ومع ذلك، فإن سكان الركبان لا يرغبون بالعودة إلى منازلهم في المناطق التي سيطرت عليها الحكومة حديثاً، واعتبروا الاستطلاعات بأنها أحدث علامة على أن مستقبل المخيم في المنطقة المتنازع عليها في الصحراء، قد لا يكون دائماً.

وفي يوم الجمعة، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها ستشرف على "ممرات إنسانية" لنقل أعداد غير معروفة من سكان الركبان إلى مدنهم بشكل آمن.

ووفقا للبيان، فمن المقرر إقامة نقاط تفتيش على مشارف الركبان صباح الثلاثاء "لمقابلة، واستقبال، وتوزيع، وتقديم المساعدة الضرورية للنازحين" الذين يرغبون في مغادرة المخيم.

"لا يوجد تنسيق" فيما يتعلق بالخطط الروسية

قال العديد من سكان الركبان ومسؤولي المخيم، لسوريا على طول، إنهم لم يلاحظوا أي تحركات على الأرض تشير إلى تنفيذ خطة تدعمها روسيا لفتح ممر إنساني.

وقال أحمد الزغيرة، وهو عضو في الإدارة المحلية للركبان "إنه أمر مستحيل، وحتى لو كانت الأخبار صحيحة، لم يكن هناك أي تنسيق مع المخيم أو أي إشعار رسمي. من المستحيل أن يحدث ذلك يوم الثلاثاء".

ونشرت الحكومة السورية وروسيا، الثلاثاء، صوراً لتجهيزات على حدود منطقة الـ55، الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة، معلنة افتتاح مراكز لاستقبال النازحين.

ولم يتمكن مسؤول في الأمم المتحدة في سوريا من تأكيد ما إذا كانت الخطة التي تقودها روسيا ستدخل حيز التنفيذ، مشيراً إلى أن أي عودة من الركبان ستكون "طوعية ومدروسة بشكل جيد".

وفي تلك الأثناء، أخبر مصدر مطلع، سوريا على طول، أن "الممرات الإنسانية" المقترحة ليست جزءاً من المحادثات الثلاثية الجارية بين روسيا والولايات المتحدة والأردن لإغلاق الركبان.

وتفيد الأنباء بأن الدول الثلاث تشارك في محادثات تجري في عمان حول مصير الركبان وعشرات الآلاف من السكان النازحين، ومع ذلك، لا يزال أي جدول زمني أو تفاصيل دقيقة حول الاقتراح غير واضحة، حسبما أفاد به مصدر رسمي أردني لسوريا على طول، الأسبوع الماضي.

ومع ذلك، قال السكان إن القليل من العوامل الأساسية المتعلقة بالحياة في الركبان قد تغيرت، حيث تدهورت الظروف المعيشية في المخيم- بسرعة- كما أن مخزون الأدوية والإمدادات الغذائية الأساسية، ومنتجات العناية بالنظافة الصحية ينخفض تدريجياً، ولا يوجد أطباء في المخيم.

ويقع الركبان في منطقة نائية بين الحدود السورية والأردنية، المعروفة باسم "الساتر الترابي". وتخضع المنطقة الصحراوية الممتدة عبر ٥٥ كم والمحيطة بالساتر، لقوات المعارضة المدعومة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة، والذي يدير عملياته من قاعدة التنف العسكرية على بعد بضعة كيلومترات شرق المخيم.

وخارج هذه المنطقة التي تقع على مسافة 55 كلم، تقع مساحات شاسعة من الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة السورية. وهناك، تحافظ القوات الموالية للحكومة بالإضافة إلى الحليف الإيراني وغيرهم من الميليشيات على وجودهم المستمر.

وأثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ، في أواخر العام الماضي، عن سحب قوات بلاده من سوريا، بما في ذلك احتمال انسحابهم من التنف أيضاً، مخاوف سكان الركبان من أن القوات الموالية للحكومة قد تهاجم المخيم قريباً.

ولكن العودة إلى الوطن من الركبان، تعني العودة للعيش في ظل الحكومة السورية، وهو أمر، بالنسبة للكثيرين في المخيم، لا يرغبون القيام به.

ولم يكن المقصود من إنشاء مخيم الركبان أن يكون مستوطنة دائمة، حيث فرّ الآلاف من السوريين من مدنهم إلى الصحراء المفتوحة في هذه الزاوية من سوريا، معظمهم في محافظة حمص، أثناء تقدم داعش بعد عام 2013، وكان لديهم أمل بعبور الحدود السورية-الأردنية القريبة من المنطقة في يوم من الأيام للوصول إلى برّ الأمان، ولكن هجوماً بسيارة مفخخة في عام 2016، دفعت عمان إلى إغلاق الحدود بإحكام، معلنة المنطقة المحيطة بها منطقة عسكرية مغلقة.

ومرت السنوات، وأصبحت الخيام المؤقتة لمخيم الركبان منازل طينية غير رسمية، وبنى السكان سوقًا صغيرة ومدرسة صغيرة، وكان موقع المخيم في الزاوية المتنازع عليها من صحراء سوريا، يعني أن عشرات الآلاف من الأشخاص النازحين هناك محاصرون في الصحراء.

"أريد العودة، ولكن بشرط ألا يهددنا أحد"

ومع مرور الوقت، والتجاذبات السياسية، أصبحت خيارات المغادرة أمام سكان مخيم الركبان، أصعب بشكل متزايد.

وكان قاسم يفكر بهذا الخيار في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد فصل الشتاء القاسي، الذي جعل السكان يتساءلون عن مدى قدرتهم من تحمل الحياة في الصحراء، كما أن انسحاب الولايات المتحدة الذي يلوح في الأفق من قاعدة التنف العسكرية القريبة، قد أثار قلق السكان بشأن ما سيحدث، حيث يُنظر الى القوات الأميركية هناك على أنها قوات حماية للمخيم من القوات الموالية للحكومة المجاورة.

ويتذكر قاسم حديثه مع عامل الإغاثة في المدرسة، حيث قال له "أرغب في العودة إلى منزلي، ولكن بشرط ألا يهددنا أحد من النظام أو يضايقنا".

وعلى الرغم من أنه لا يزال ذلك افتراضيًا إلى حد كبير، إلا أن اختيار المكان المناسب للانتقال من الركبان يعد أمرًا صعبًا، فالعودة إلى الوطن، بالنسبة لمعظم سكان الركبان، يعني العيش في إطار مناطق سيطرة الحكومة السورية من جديد، وهناك، يخشون من أنهم قد يواجهون الاعتقال بسبب تأييدهم للمعارضة، أو التعرض للتجنيد الإجباري العسكري، وهو شرط على جميع الرجال السوريين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة في البلاد.

ومع ذلك، فإن أعدادًا صغيرة من النازحين السوريين في الركبان قاموا بالفعل برحلة العودة إلى الوطن، وفي كانون الثاني، انضم حوالي 200 شخص إلى قافلة من الشاحنات المكشوفة دون تنسيق، وعادوا إلى منازلهم الأصلية في بلدة مهين، وهي بلدة صغيرة في محافظة حمص.

ومع ذلك، يبدو أن العديد من سكان المخيم غير راغبين في المخاطرة بالعودة إلى ديارهم، وطالب السوريون النازحون المقيمون في الركبان، منذ فترة طويلة، بالممر الآمن إلى شمال غرب سوريا الذي تسيطر عليه المعارضة، حيث يعيش آلاف الأشخاص بالفعل في مخيمات النازحين بعد سلسلة من عمليات الإجلاء القسرية، والتي أدت الى سيطرة الحكومة على الجيوب السابقة التي كانت تسيطر عليها المعارضة في جميع أنحاء البلاد.

وفي شهر أيلول، كان هناك حديث عن قافلة إجلاء مخطط لها من الركبان على بعد 400 كيلومتر شمالاً إلى جرابلس، وهي مدينة تقع على الحدود الشمالية الغربية لسورية، تحت النفوذ العسكري التركي.

وكانت قافلة الإخلاء، التي كان من المقرر أن تضم مقاتلين من فصيل معارض موجود في الركبان، بالإضافة إلى عدة آلاف من سكان المخيم الذين وقعوا على الرحيل، ستكون الأولى من نوعها من المخيم النائي.

وعلى الرغم من التخطيط لعملية الإخلاء لكنها لم تحدث أبداً، ومازال سكان الركبان يدعون إلى ممر آمن إلى الشمال السوري.

ويقول آخرون، بمن فيهم قاسم، إنهم مستعدون للبقاء في المخيم، بدلاً من مواجهة مخاطر ما سيكون، وفي الوقت الراهن، هو الخيار الأكثر واقعية لأولئك الذين يأملون في الرحيل والعودة إلى ديارهم.

وقال قاسم لسوريا على طول "لا أستطيع العودة إلى مدينتي، أنا مطلوب للاحتياط في الجيش، لقد كنت مطلوبًا منذ بداية الثورة".

وأضاف أن البديل، هو الحياة في الصحراء، مع مصير مجهول.

"لا يوجد شيء في مخيم الركبان. إنها مجرد صحراء. في الركبان ليس لنا سوى الله ".

عمار حمو

عمار من مدينة دوما، في غوطة دمشق الشرقية، درس الصحافة في جامعة دمشق. بدأ عمله الصحفي مع "سوريا على طول" عام 2014، ويعمل حالياً كمحرر ومراسل. شارك في عدد من الدورات الإعلامية في الأردن وإسبانيا، أشرف على مشروع "الصوت السوري" وهو موقع شريك لـ"سوريا على طول".

مادلين إدواردز

تخرجت مادلين إدواردز من كلية تشارلستون في عام 2016 ونشرت تقاريرها سابقاً في صحيفة ديلي ستار في بيروت.