في 11 تموز/ يوليو الحالي، صوت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على تمديد التفويض الخاص بإيصال المساعدات إلى سوريا من خلال معبر باب الهوى لمدة اثني عشرة شهراً، وإغلاق معبر باب السلامة، ولتقتصر جهود الأمم المتحدة لإدخال المساعدات إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، شمال غرب البلاد، على معبر واحد. الأمر الذي "يعرّض موظفي [الأمم المتحدة] لخطر أكبر… ويفرض مزيداً من التعقيدات، ويهدد حياة الأطفال" هناك، كما قال منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية، كيفين كينيدي، في مقابلة مع مراسل "سوريا على طول"، وليام كريستو، في 9 تموز/يوليو

وكما أوضح كينيدي، فإن مهمة إيصال المساعدات التي تتولاها الأمم المتحدة إلى شمال غرب سوريا هي عملية "ضخمة"، وزيادة تعقيدها بإغلاق معبر باب السلامة "يُعرقل العملية إلى حد كبير". 

وبشأن بديل استخدام المعابر الحدودية، والمتمثل في إيصال المساعدات الدولية عبر دمشق إلى المناطق الخارجة عن سيطرتها، مثل شمال غرب وشمال شرق سوريا، فإن تحقيق ذلك يتطلب، أولاً، التغلب "حساسيات وعقبات"، وفقاً لكينيدي، بحيث يبقى إيصال مساعدات منتظمة ومستدامة عبر دمشق أمراً  يصعب تصوره.

أمضينا الأسبوع الماضي، في "سوريا على طول"، نتحدث مع ممثلين عن المجتمع المدني السوري وعاملين في المجال الإنساني، يتواجدون في تركيا وسوريا. وقد عبر هؤلاء عن قلقهم الشديد حيال احتياجات المدنيين على المدى القصير [نتيجة استخدام روسيا والصين "الفيتو" ضد مشروعي القرار الأصليين لتجديد إيصال المساعدات لشمال غرب سوريا]. وقد أشاروا إلى نقص فيها، من قبيل أغذية الأطفال الرضع. هل يمكنك إخبارنا عن كيفية مساعدة الأمم المتحدة في تلبية احتياجات هؤلاء المدنيين؟ 

الأرقام المتعلقة بالأزمة السورية قد تكون ضخمة جداً حد الإرباك. لكني سأكتفي بذكر رقمين رئيسين. فإذا أردنا تلبية احتياجات قاطني شمال غرب سوريا، والبالغ تعدادهم أربعة ملايين نسمة، يتلقى 2.8مليون منهم المساعدات حالياً، فإننا نحتاج معابر حدودية إلى تلك المنطقة. فلا شك أنها الطريقة الوحيدة لتلبية تلك الاحتياجات، ولن تفي السبل الأخرى بالمهمة.

يقتضي المقترح الحالي لروسيا بفتح معبر واحد [عقب إجراء هذه المقابلة، تم اعتماد هذا المقترح من قبل مجلس الأمن]، وهو باب الهوى، وإغلاق باب السلام [ويعرف أيضاً بباب السلامة]. وهذا من شأنه فرض الكثير من الصعوبات لإنجاز عملية إيصال المساعدات.

فقبل كل شيء، يجعل هذا المقترح عاملي الأمم المتحدة عرضة لخطر أكبر، لأنّه يتوجب في هذه الحالة اجتياز خطوط التماس [الصراع] لتقديم المساعدات. فوفقاً للوضع القائم حالياً، ما إن تعبر باب الهوى، حتى تغدو في مناطق هيئة تحرير الشام، وبعبورك باب السلام فأنت في مناطق[سيطرة] تركيا. أي هناك مشكلة أمنية.

كذلك، يزيد هذا المقترح العملية تعقيداً. فبدلاً من قيادة [الشاحنات المحملة بالمساعدات] لعشرين دقيقة، سيتوجب القيادة لساعتين أو ثلاث ساعات، ما يعني زيادة التكاليف أيضاً. إنّ المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة تتولى عملية كبيرة في شمال غرب سوريا. وقد شاركت في الجهود المتعلقة بالعديد من الأزمات [الأخرى]، وهذه العملية هي الأكبر؛ إنها تذكرني بدارفور [في السودان] في الأيام الأولى. وزيادة التعقيدات والمتطلبات اللوجستية والوقت والمال والترتيبات وعمليات التنسيق، تعرقل العملية إلى حد كبير.

في منطقة باب السلام، نقدم مساعدات لنحو 1.8 مليون نسمة، منهم 800,000 نازح وبعض من أكثر مخيمات النازحين [في شمال غرب سوريا]. فهناك نحو 600 تجمع يعتمد المتواجدون فيها على الدعم الذي نقدمه.

الأمر الذي أعتقد أنه تم إغفاله في هذا النقاش [في مجلس الأمن]، والخطير بحد ذاته، هو التأثير على مجال الصحة والأطفال، والذي تفاقم، دونما شك، مع ظهور وباء [فيروس كورونا المستجد] "كوفيد -19". فنحن حين نقوم بإيصال لقاحات إلى تلك المنطقة، يتم وضعها في حافظة باردة. واللقاحات عرضة للتلف السريع، ما يوجب التعامل معها بحذر. 

حالياً، تقوم منظمتا الصحة العالمية واليونسيف بإيصال اللقاحات عبر معبر باب السلامة إلى مركز في مدينة أعزاز [شمال حلب]، ومن ثم توزع على 45 [مركزاً ]مختلفاً، حيث يتم تقديم المطاعيم في الباب واعزاز وعفرين وجرابلس.

هذا مجرد مثال واحد فقط، لكني أعتقد أنه يلخص الكثير. ففقدان [نقطة] العبور الوحيدة هذه تفرض مزيداً من التعقيدات، وتهدد حياة الأطفال في الواقع.

في حديثها لـ"سوريا على طول"، أعربت العديد من المنظمات غير الحكومية العاملة في سوريا عن خشيتها من تدخل حكومة دمشق فيما لو تم إيصال المساعدات عبر دمشق، لناحية الاستحواذ على المساعدات، والإصرار على مشاركة بيانات المستفيدين مع الأجهزة الأمنية. كيف سيتمكن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وفقاً لهذا السيناريو، من توفير الحماية للمستفيدين والحفاظ على المساعدات؟

قمنا، أو حاولنا القيام، خلال السنوات الماضية، بما يسمى إيصال المساعدات عبر خطوط التماس انطلاقاً من دمشق إلى كل المناطق المحاصرة والتي يصعب الوصول إليها في سوريا. لكننا حققنا إنجازاً محدوداً. فقد تمضي أشهر من دون الحصول على إذن لعبور قافلة عبر خطوط التماس، أو يتم منحنا الإذن بذلك في اللحظة الآخيرة، مع قيام مسؤولين بأخذ المستلزمات الصحية والجراحية من قافلة المساعدات.

ولا شك أن إرسال قافلة واحدة يتطلب سلسلة هائلة من الإجراءات. وأذكر أنها كانت تشمل 13 خطوة منفصلة ومختلفة ليؤتى بشاحنة، ثم تتم تعبئتها وتحريكها  من نقطة (أ) إلى نقطة (ب). وفي كل مرة يتم فيها تسيير قوافل [بحسب هذه الآلية]، يصبح ذلك عملاً جديداً إضافياً، وحدثاً بحد ذاته.

نظراً إلى حجم العمليات [الإغاثية] في شمال غرب سوريا، ونطاقها، وتواترها، لا يمكنني تصور كيفية إنجازها بكفاءة عبر "آلية خطوط التماس" ما دام الوضع القائم على الأرض على حاله. حاولنا سابقاً، وسنحاول في المستقبل القريب، كما نأمل، بإطلاق عملية إيصال مساعدات من مناطق [سيطرة] الحكومة إلى المناطق الخارجة عن سيطرتها. لكنها مهمة شائكة، تتطلب تنسيقاً كبيراً. والأمر أيضاً مختلف الآن، فهناك أطراف مختلفة، ولسوء الحظ يتم النظر إلى العملية من منظور سياسي. ومقارنة بالأزمات التي شاركت في الجهود المتصلة بها في حياتي، فالأرجح أن الأزمة السورية، من وجهة نظري، هي الأكثر تسييساً، من قبل الأطراف كافة.

نقوم بعمليات [إيصال المساعدات] عبر خطوط التماس إلى شمال شرق سوريا [الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)]. وقد حققنا في الأونة الآخيرة نجاحاً أكبر [مقارنة بمرحلة سابقة]. مع ذلك، فإن عبور خطوط التماس والوصول فعلاً إلى الناس الذين تبتغي الوصول إليهم -أي المنظمات الدولية غير الحكومية غير المرحب بها من قبل حكومة دمشق- ليس بالمهمة السهلة، بخلاف ما كان عليه الأمر عندما كان لدينا معبر اليعربية [بين سوريا والعراق قريباً من الحسكة]. إذ كانت شاحناتنا تعبر إلى سوريا، لتأتي المنظمات غير الحكومية لأخذ موادها من مستودع بسيط هناك. هذا لم يعد متاحاً في شمال شرق البلاد، ما جعل الوضع مُربكاً.

نحن نلبي بعض الاحتياجات وليس جميعها. وللقيام بذلك تحتاج عملاً منتظماً وموثوقاً وآمناً. عمليات إيصال المساعدات عبر خطوط التماس لا تُتستجيب لهذه المتطلبات.

بالإضافة إلى الأمور اللوجستية، كانت إحدى شكاوى منظمات المجتمع المدني أن المساعدات التي تصل عبر دمشق يتم تسييسها، وتحديداً بحرمان الناس الذين كانوا يقيمون سابقاً في أحياء تابعة للمعارضة من المساعدات. هل تشعر أن للأمم المتحدة نفوذ قوي يخولها منع ذلك، أم يتم النظر إلى الأمر على أنه ضريبة حتمية لتوزيع المساعدات عبر دمشق؟

الهلال الأحمر العربي السوري هو المنفذ الأساسي لعملياتنا داخل سوريا وفي المناطق [التي أشرت إليها] على وجه الخصوص. في الماضي، حين كانت تجرى عمليات عبر خطوط التماس لإيصال مساعدات لمكان مثل الغوطة الشرقية، كانت الأمم المتحدة تتولى تقديم المساعدات، فيما يقوم الهلال الأحمر السوري بتوزيعها.

وأود القول هنا إننا بنينا، على مر السنين، علاقة جيدة مع الهلال الأحمر السوري الذي فقد ستين أو سبعين [شخصاً] من متطوعيه، قُتِلوا في هذا الصراع، لأنهم لا يجلسون في الصفوف الخلفية الآمنة. 

وهناك أيضًا مجموعة متنوعة من [آليات] الرقابة. فأعلم أننا في شمال غرب سوريا نقوم بالكثير للتأكد من وصول [المساعدات] إلى حيث يُفترض أن تذهب. إذ نوظف أشخاصاً مهمتهم الوحيدة مراقبة توزيع المساعدات والتقاط صور للعملية. وقد أصبحت آلية الرقابة متطورة جداً، مع أن ذلك لا يعني أن الواقع على الأرض مثالي. لهذا، من المهم أن يملك موظفو الأمم المتحدة الدائمون والعالميون القدرة على دخول شمال غرب سوريا لنرى بأم أعيننا ما يحدث.

لقد شغلت هذا المنصب منذ كانون الثاني/يناير 2015 وحتى حزيران/يونيو 2017، وعدت لتوليه الآن. ورغم أننا في عصر الهواتف الذكية، فكل شخص يمتلك كاميرته الخاصة، فإنني لم أرَ على امتداد هذه الفترة سوى صورة واحدة مرسلة من شخص من سوريا، مع عبارة: "مرحباً، هذه المواد أُخذت من أولئك الذين يجدر أن تكون لهم".

ربما هذا ليس دليلاً قطعياً بشأن ما يجري على الأرض، لكني توقعت أن أتلقى تقارير أكثر عن حرف المساعدات عن وجهتها، فلم نتلق سوى بضع تقارير قليلة جداً بهذا الشأن.

في 7 تموز/ يوليو، أصدرت البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة بيانًا أشارت فيه إلى إيصال مساعدات للحسكة، في 4 تموز/ يوليو، كدليل على إمكانية تنفيذ آلية خطوط التماس. ما رأيك بهذا البيان، هل ما تضمنه دليل فعلاً إمكانية إيصال المساعدات عبر  دمشق ؟

عملية إيصال المساعدات هذه تحديداً أنا مُطلع عليها جداً. وقد استغرق إتمامها ستة أشهر. كانت مساعدات تابعة لمنظمة الصحة العالمية تزن 80.5 طنا، تم تحميلها لتسليمها قبل انتهاء صلاحية قرار [مجلس الأمن الخاص بإيصال المساعدات عبر الحدود في كانون الثاني/يناير 2020]. وقد أجريت جلسات مفاوضات عدة لنقل تلك المساعدات من أربيل [في العراق] على متن طائرة روسية إلى دمشق، ومن ثم الحصول على جميع الأذونات لنقلها إلى شمال شرق سوريا. لقد استغرق الأمر الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى أواخر حزيران/ يونيو، أي ستة أشهر بالتمام.

وأعتقد أن هذا مؤشر على الخلافات والعقبات التي ستتم مواجهتها عند اللجوء لآلية "خطوط التماس" لإيصال مساعدات بصورة منتظمة وموثوقة ومستدامة.

ناهيك عن ذلك، عندما تصل هذه الإمدادات [الطبية]، فإنها تمر عبر خطوط التماس، بحيث يذهب بعضها إلى المستشفيات الحكومية، وبعضها الآخر إلى المستشفيات التي تديرها الإدارة الذاتية [لشمال وشرق سوريا]. ومن ثم من المفترض أن تصل إلى المرافق الصحية المختلفة الموجودة في المنطقة، والبالغ عددها 86 مرفقاً تديرها منظمات دولية غير حكومية. واستناداً لأفضل الأرقام المتوفرة لدينا، فإن نحو 33% من تلك المرافق يتلقون الإمدادات عبر آليات خطوط التماس، فيما لا تصل بقية هذه الإمدادات، لأكثر من سبب. أي كان ثمة نجاح بدرجة ما، لكن ليس هذا ما نصبو إليه.

 

أجريت المقابلة ونشرت سابقاً باللغة الإنجليزية، وترجمتها إلى العربية فاطمة عاشور