يبدو أن السفارة السورية في الأردن، الواقعة بالقرب من الطريق السريع في ضواحي عمان الجنوبية، قد صممت للانتظار طويلاً من قبل المراجعين.

و بجوار المبنى ذي اللون الرملي وعلى بقعة من العشب، جلس مجموعة من المسنين السوريين بزيّهم التقليدي  يدخنون السجائر وينتظرون مرور الوقت.

وبصرف النظر عن علمين يرفرفان على سطح السفارة، فإن القضبان الفولاذية للنوافذ – التي صممت وفقاً للطراز الأموي الكلاسيكي- هي واحدة من العلامات القليلة التي تدل على انتماء المبنى إلى دمشق.

وعلى الجدار بين شبابيك الموظفين، توجد لوحة كبيرة تُعلّق عليها تعليمات إجراءات الأحوال المدنية المختلفة: المواليد والزواج والهويات، وتلك التعليمات موجهة "للإخوة والأخوات" الذين ينتظرون بهدوء في الخارج، ولكن لا يشعر كافة السوريين بالترحيب هنا.

وقال بسام الديري، وهو لاجئ سوري في الأردن من محافظة دير الزور "أشعر بعدم الارتياح عند الذهاب إلى السفارة".

وأوضح ضاحكاً "لا أستطيع ضبط مشاعري وقد أبدأ بالحديث عن السياسة وأشياء أخرى، لا يمكنني حقاً رؤية العلم السوري الأحمر أيضاً".

وأضاف الديري، أنه يتجنب الاقتراب من السفارة قدر الإمكان، لكن عندما رُزق بابنته الأولى منذ عامين، لم يكن هناك أي طريقة لتجنب القدوم إلى السفارة، فهذا هو المكان الذي يحتاج إليه لتسجيل ابنته، على الأقل إذا أراد أن يتم الاعتراف بها كمواطنة سورية.

وفي مؤتمر المانحين الدولي "بروكسل الثالث" الذي انعقد الأسبوع الماضي، تمت الإشادة بجهود الأردن في تزويد السوريين بالوثائق القانونية، وهناك مكاتب لدائرة الأحوال المدنية في وزارة الداخلية الأردنية في مخيمات اللاجئين السوريين مهمتها إصدار شهادات الميلاد الرسمية.

لكن الحصول على الوثائق الأردنية هو جزء بسيط من العملية، أما توثيقها من قبل السلطات السورية فهو قصة أخرى تماماً.

ووفقاً للعديد من اللاجئين السوريين في الأردن، فإن الإجراءات البيروقراطية ونقص المعلومات والتكاليف الباهظة تمنعهم من تسجيل ولادة أطفالهم في السفارة السورية، مما يترك الآلاف من الأطفال السوريين المولودين في الأردن دون إثبات الجنسية، ويحتمل أن يواجه بعضهم خطر انعدام الجنسية.

وعندما ولد الابن الثاني لأحمد قبلان في عام ٢٠١٤، أي بعد مرور عام على وصول العائلة إلى الأردن، مرّ بجميع الإجراءات والأوراق التي كانت مطلوبة لتسجيله، أولاً لدى السلطات الأردنية ثم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وعندما ولد ابنه الثالث، فعل الشيء ذاته.

ورغم ذلك، بعد سنوات من ولادتهما، لم يكن لدى أي منهما وثائق رسمية سورية تثبت جنسيتهما.

ويتوجب على قبلان، وهو من سكان أحد مخيمات اللاجئين على بعد حوالي ٧٠ كم شرق العاصمة عمان، السفر لمدة ساعتين ونصف للحصول على شهادات الميلاد السورية لولديه - من خلال تقديم الطلب للسفارة السورية- والعودة مرة أخرى بعد أسبوع لاستلامها إذا أراد ذلك.

لكن أكبر عقبة أمام التسجيل، كما قال، هي الرسوم التي ينطوي عليها التسجيل المتأخر، ورغم أن دخله أعلى من باقي سكان المخيم، إذ يعمل مدرساً في المخيم، إلا أن راتبه بالكاد يغطي نفقات العائلة، بحسب قوله.

وتابع قائلاً "لماذا أذهب وأنفق هذه الأموال في السفارة؟"

Embed from Getty Images

 شارع في عمان في شباط. تصوير: NurPhoto

 وإذا تأخر تسجيل الطفل السوري في السفارة عن ثلاثة أشهر من ولادته، تتم إضافة غرامة قدرها ٥٠ دولاراً، إلى جانب رسوم التسجيل القياسية البالغة ٧٥ دولاراً. وقد تصل غرامة التأخير لأكثر من عام إلى ١٠٠ دولار.

ووفقاً للدير، فإن هذه التكاليف تجعل الأسر تؤجل الإجراءات، لكن كلما تأخروا كلما ارتفعت التكلفة، ونتيجة لذلك يجد هو وغيره من السوريين أنفسهم عالقين في دوامة من التكاليف المتزايدة.

وقال الديري "أنت تعلم أن الرسوم ستزيد، لكن في النهاية يؤجل الناس القيام بالإجراءات ويقولون: قد يكون هناك حل آخر".

ووفقاً لمصدر في السفارة السورية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، لأنه غير مخول بالتحدث إلى الصحافة، إن بعض اللاجئين يختارون إرسال أفراد العائلة عبر الحدود لإتمام الإجراءات في سوريا لمجرد توفير الرسوم القنصلية.

"١٢٥ ألف" طفل سوري مولود في الأردن

تشير التقديرات في وسائل الإعلام الأردنية إلى أن أكثر من ١٢٥ ألف طفل سوري ولدوا على الأراضي الأردنية، منذ بداية الثورة السورية وما تلاها من نزاع، ومع ذلك، من الصعب الحصول على عدد دقيق بسبب عدم تسجيل الكثير من الأطفال لدى الحكومة الأردنية.

ويبلغ عدد الأطفال المسجلين في المفوضية ١٠٧,٢٦٨ طفلا دون سن الخامسة في الأردن.

ورغم أن الحكومة الأردنية أصدرت ما يقرب من ٨٠ ألف شهادة ميلاد للأطفال السوريين المولودين في الأردن منذ عام ٢٠١٥، إلا أن الخبراء يقولون إن الغالبية العظمى منهم لا يزالون غير مسجلين في السفارة السورية.

وإن واحدة من أكبر العقبات التي تحول دون تسجيل الأطفال، وفقاً لعمال الإغاثة واللاجئين السوريين على حد سواء، هي نقص المعلومات حول الإجراءات.

وحاول قاسم النظامي، أحد سكان درعا السابقين، معرفة إجراءات التسجيل بعد ولادة ابنته البالغة من العمر ثلاثة أشهر الآن، لكنه لم يعلم من أين يبدأ.

ووفقاً لمصدر من الأمم المتحدة تحدث إلى سوريا على طول، شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث إلى الصحافة، فإنه لا يوجد تنسيق بين المفوضية والسفارة السورية.

ومع ذلك، يمكن للاجئين استشارة المفوضية حول الخطوات التي يتعين عليهم اتباعها لتسجيل أحداث الأحوال المدنية في الأردن.

وبعد السؤال عن الإجراءات في مجتمعه والتحدث أخيراً إلى مكتب الأحوال المدنية الأردني في مخيم الزعتري، حيث يقيم - تلقى في بعض الأحيان معلومات متناقضة -  واكتشف النظامي مؤخراً أن الإجراءات كانت أكثر تعقيداً مما كان يظن.

وللحصول على شهادة الميلاد في السفارة السورية، يحتاج اللاجئون إلى تقديم جواز سفر الأم والأب، بالإضافة إلى شهادة الميلاد الأردنية، وعقد الزواج المصادق عليه من السفارة.

وعندما تزوج النظامي في سوريا، كانت مدينته تحت الحصار، وكغيره من السوريين الآخرين، لم يتمكن الزوجان من الوصول إلى السجلات المدنية الحكومية، المسؤولة عن تسجيل أحداث الأحوال المدنية، وبدلاً من ذلك، لجأ الزوجان إلى الزواج الإسلامي التقليدي، بوجود شيخ وشهود.

واليوم، وثّق النظامي زواجه لدى السلطات الأردنية وينتظر حالياً الحصول على الأوراق.

وقال "لا يمكنني تسجيل ابنتي حتى أنتهي من المشكلة التي أواجهها الآن".

"أطفال بلا وثائق"

وفقاً للمجلس النرويجي للاجئين، فإن الحصول على أوراق هوية صالحة يعدّ أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للاجئين للحصول على الحقوق الأساسية في بلد مضيف مثل الأردن، والأطفال الذين يفتقرون إلى شهادة الميلاد الأردنية معرضون بشكل خاص للاستغلال والاتجار وزواج الأطفال.

"لا يمكن للأطفال غير المسجلين في الأردن، إثبات هويتهم والوصول إلى العدالة والتمتع بالحقوق"، بحسب ما قاله المجلس النرويجي للاجئين عبر البريد الإلكتروني لسوريا على طول.

وإن أسوأ سيناريو هو أن بعض الأطفال ينتهي بهم المطاف بأن يكونوا عديمي الجنسية، وبسبب قوانين الجنسية الأبوية في سوريا، فإن هذا يشكل خطراً على الأسر التي تعيلها نساء غير قادرات على إثبات جنسية الأب.

كما أن عدم وجود الوثائق السورية الصادرة عن سفارة البلاد، له عواقب فورية أكثر بكثير من ذلك.

ومنذ أن أعيد فتح معبر جابر- نصيب الحدودي بين سوريا والأردن في شهر تشرين الأول، بعد إغلاق دام ثلاث سنوات، قام ما لا يقل عن ١٢٨٤٢ سوري بعبور الحدود والعودة إلى سوريا، وفقاً للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

والجدير بالذكر أن عبور الحدود يتطلب إما جواز سفر، أو تصريح خروج صادر عن السفارة السورية في الأردن،  ولا يمكن الحصول على أي منهما دون وثائق هوية سورية.

ولسنوات، لفت الخبراء الانتباه إلى أن عدم وجود وثائق مدنية يمكن أن يكون أحد أهم العوائق التي تحول دون عودة اللاجئين السوريين، وبما أن الحكومات وهيئات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية تتصارع بشكل متزايد مع مسألة العودة المعقدة، فإن قضية الوثائق المدنية باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وأكد مؤتمر المانحين الدولي "بروكسل الثالث" الذي انعقد الأسبوع الماضي، ضرورة الحصول على وثائق مدنية بتكاليف مقبولة بالنسبة للسوريين.

"مقطوع من شجرة"

في حين أن الغالبية العظمى من السوريين في البلدان المجاورة التي شملها استطلاع المفوضية في وقت سابق من هذا الشهر، لديهم أمل في العودة إلى سوريا في يوم من الأيام، أعرب أقل من ستة في المئة عن نواياهم بالعودة في غضون العام المقبل.

وبالنسبة للديري، كان الأمل في تغيير الأمور في سوريا أحد أسباب استمراره في تأجيل تسجيل أطفاله.

حيث قال "كنت آمل أن يكون الأسد قد رحل بحلول الوقت الذي نرزق فيه بطفلنا الأول".

وعلى الرغم من أنه سجل في النهاية ابنته الأولى، فإن أصغر أفراد الأسرة - البالغ من العمر تسعة أشهر - لا يزال يمتلك وثائق أردنية فقط.

وقال الديري "بالنسبة للطفل الثاني، اعتقدنا أيضاً أن بشار سيكون قد رحل حينها لكن هذا لم يحدث".

والآن، بحسب ما قاله، تبذل العائلة ما في وسعها لضمان أن تكبر بناتهن وهن يحملن الهوية السورية.

وقال الديري "بنتي مقطوعة من شجرة" أي من شجرة العائلة، موضحاً كيف لجؤوا إلى الإنترنت باعتباره السبيل الوحيد لتقوية روابط الأطفال بأفراد الأسرة المنتشرين في جميع أنحاء العالم.

وأضاف "نحاول أن نعلمها إجابة سؤال (من أين أنت؟)، لترد قائلة أنا من سوريا… هذا هو أقصى ما يمكننا فعله في بلاد اللجوء".

ولكن لا يشعر الجميع بالحاجة إلى تربية أطفالهم ليكونوا سوريين.

فأبو عبيدة الحوراني، ٢٨ عاماً من سكان مخيم الزعتري في الأردن، لا يهتم حتى بتسجيل ابنه البالغ من العمر عامين ونصف في السفارة السورية.

حيث قال موضحاً "من الأفضل الانتماء إلى بلد يحمي ابني ويجعله يشعر بالأمان ولا يحرمه من أبسط الحقوق".

وختم قائلاً "كيف يفترض بي أن أربي ابني ليشعر بأنه ينتمي إلى بلد مليء بالقتل والتشريد والظلم؟"

 

ترجمة: سما محمد