في قاعة مؤتمرات مزيّنة بأعلام هيئة تحرير الشام، والجيش السوري الحر والجبهة الوطنية للتحرير، كانت هناك لافتة كتب عليها "يداً بيد، تنتصر ثورتنا"، واحتضنت القاعة اجتماعاً لفصائل المعارضة المتبقية في سوريا -المتناحرة فيما بينها كما هو الحال مع الحكومة السورية - في المؤتمر العام للثورة السورية في باب الهوى بريف محافظة إدلب، بداية الشهر الجاري.

ونتج عن الاجتماع بيان يضم ١٢ نقطة تعد "بتوحيد الجهود الثورية، اجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً" من خلال حكومة جديدة للمنطقة الشمالية الغربية التي تسيطر عليها المعارضة، ومجلس عسكري مشترك وإقامة مؤسسات مدنية جديدة تهدف إلى تحسين حياة المدنيين.

وعن آخر مؤتمر مماثل لهذا، والذي عقد قبل أكثر من عام، تشكلت حكومة الإنقاذ السورية، وهي هيئة حكم تأخذ أوامرها إلى حدّ كبير من هيئة تحرير الشام.

لكن الكثير من الأمور تغيرت منذ ذلك الحين.

ومن خلال القوة العسكرية والتسويات التي تم التوصل إليها من خلال المفاوضات، أكدت الهيئة سيطرتها الفعلية على غالبية المناطق الشمالية الغربية التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا في أعقاب حملة خاطفة ضد فصائل المعارضة المتناحر، تم إطلاقها في بداية هذا العام، وتسيطر الهيئة الآن على إدلب والمناطق التابعة للمعارضة في محيط محافظتي حلب وحماة المجاورة.

أعلام هيئة تحرير الشام، الجيش السوري الحر والجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من تركيا، معلقة على المنصة في المؤتمر العام للثورة السورية في ١٠ شباط. تصوير: المؤتمر العام للثورة السورية.

ورداً على ذلك، سحبت المنظمات الدولية التمويل المخصص لمنشآت الرعاية الصحية وغيرها من المنشآت والمجموعات، بما في ذلك الشرطة السورية الحرة، التي تم حلها، وقد أغلقت الجامعات الخاصة، ولم يكن أمام السكان العديد من الخيارات سوى مواجهة عبء الضرائب الجديدة ورسوم الحواجز التي فرضها الفصيل المتشدد.

وبينما أعلن المموِلون الدوليون، يوم الاثنين، أنه ستتم إعادة تمويل مديريات الصحة وفقاً "لشروط صارمة"، فإن التأثير الحقيقي لسيطرة الهيئة على المنطقة قد لا يكون معروفاً بعد، حيث يخشى المدنيون ما قد يحدث لاحقاً.

ومهّد التوسع العسكري السريع للهيئة الطريق لتوسيع نطاق حكم حكومة الإنقاذ، وأكد زعيم الفصيل المتشدد أبو محمد الجولاني، الشهر الماضي، على أن الفصيل ينوي "تسليم جميع مناطقنا إلى حكومة مدنية".

ومع ذلك، فإن أعضاء المجالس المحلية، والعاملين في المجتمع المدني والمجال الإغاثي قالوا لسوريا على طول، أن الهيئة تستخدم الهياكل المدنية من خلال حكومة الإنقاذ، لتعزيز سيطرتها على الشمال الغربي.

وقال فضل عبد الغني، مدير مرصد الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لسوريا على طول "لم يعد هناك أي شكل من أشكال الحرية بعد أن سيطرت الهيئة على المنطقة وجميع جوانب الحياة فيها".

كيف تمت السيطرة على الشمال الغربي

في أعقاب اندلاع الاقتتال في الشهر الماضي بين هيئة تحرير الشام مع حركة نور الدين الزنكي، وهي جزء من تحالف الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من تركيا، والتي كانت موجودة في جميع أنحاء الشمال الغربي، أجرت الهيئة تحركاتها فجأة.

وانهارت الزنكي في غضون بضعة أيام، قبل أن تهاجم الهيئة فصائل الجبهة الوطنية الأخرى.

وعقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في ١٠ كانون الثاني بين الهيئة والجبهة الوطنية للتحرير، وافقت فصائل من التحالف المدعوم من أنقرة على الإخلاء شمالا إلى عفرين، الخاضعة للسيطرة التركية، في حلب، بينما ستتولى حكومة الإنقاذ السيطرة الإدارية على المنطقة.

وبالتالي عززت الهيئة سيطرتها على المنطقة في غضون أسابيع، حيث أصبح جزء كبير من الشمال الغربي تحت سيطرتها المطلقة تقريباً.

وتستحوذ الهيئة الآن، في المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً، على المجالس المحلية التي كانت تخضع في السابق للحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة، ومقرها مدينة غازي عنتاب، في جنوب شرق تركيا، وتندرج هذه المجالس تحت مظلة حكومة الإنقاذ، التي تستخدم فترة نهاية حكم المجالس السنوية، في ١ كانون الثاني، كذريعة لإعادة هيكلتها بالصورة التي تريدها.

واستخدمت الهيئة تاريخياً حكومة الإنقاذ للسيطرة على المجتمع المدني في المناطق الخاضعة لها، كالإشراف على الجهود الإغاثية والمجالس المحلية أثناء جمع الضرائب، ومراقبة المجتمعات المحلية والسيطرة على محطات المياه والكهرباء، ودمجت الهيئة الأجهزة التابعة لها في الحياة المدنية.

وفي الماضي، تم حلّ المجالس المحلية التي كانت تخضع لسيطرة حكومة الإنقاذ، وتمت إعادة تشكيلها كلياً مع الكوادر المعتمدة من قبل الهيئة.

وفي سراقب، وهي مدينة شرقي إدلب استولت عليها الهيئة بالقوة في تموز ٢٠١٧، تم حلّ المجلس المحلي في وقت لاحق، وتمت إعادة تشكيله دون انتخابات، والآن "يلتزم تماماً بتعليمات حكومة الإنقاذ"، وفقاً لما قاله رئيس المجلس المحلي السابق مثنى محمد.

وأتاحت التطورات العسكرية التي حدثت الشهر الماضي للهيئة تكرار العملية عبر الشمال الغربي، من خلال السيطرة على العديد من هيئات المجالس الجديدة أثناء استخدام إجراءات بيروقراطية للقيام بذلك.

وفي كل عام، في 1 كانون الثاني، تقوم المجالس المحلية في الشمال الغربي بتعيين أعضاء جدد للسنة القادمة.

وقال ضياء البكور، رئيس المجلس الموحد للمجالس المحلية في معرة النعمان، وهي هيئة تنسق بين المجالس المحلية في معرة النعمان، بالإضافة إلى البلدات والقرى المحيطة بها، لسوريا على طول، إن الهيئة وحكومة الإنقاذ استولوا على السلطة في المنطقة في الوقت الذي يتم فيه حل المجالس المحلية وإعادة تشكيلها أو إصلاحها.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت حكومة الإنقاذ أنها ستبدأ بقبول الترشيحات لموظفي المجلس الجدد - على ما يبدو - وفقاً لنظام المجلس العادي، ولكن مع احتفاظ حكومة الإنقاذ بصلاحيات تحديد المواعيد أو التأثير عليها بطريقة لم تكن موجودة من قبل.

وقال البكور "هذا كل ما فعلته حكومة الإنقاذ حتى الآن، ما زلنا لا نعرف الجيد من السيئ".

المدنيون "لا يستفيدون" من ضرائب الهيئة

تحدث مسؤولو حكومة الإنقاذ عما يصفونه بالبنية التحتية للحكومة الشرعية والفعالة، والتي تضم أكثر بكثير من المجالس المحلية، بما في ذلك الوزارات وحتى رئيس الوزراء. وفي الوقت نفسه، عينت حكومة الإنقاذ سبعة مديريات ومؤسسات أخرى على مستوى المحافظة لتشغيل البنية التحتية المحلية - كالمياه والكهرباء والنقل والصرف الصحي والاتصالات السلكية واللاسلكية- وإدارة الخدمات.

وفي هذه الأثناء، يتساءل المراقبون والسكان عمّا إذا كانت هذه السلطات التابعة لحكومة الإنقاذ تستطيع حتى توزيع الخدمات الأساسية بشكل صحيح على المجتمعات التي يزعم أنها تخدمها الآن.

وفي الوقت نفسه، أصبحت الضرائب والأتاوات عنصراً أساسياً في استراتيجية سيطرة حكومة الإنقاذ واستقرارها.

وقال أحد موظفي حكومة الإنقاذ، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول للحديث مع الصحافة، لسوريا على طول "أن معظم موارد حكومة الإنقاذ تأتي من الضرائب والأتاوات المفروضة على المواطنين والمنظمات، وكذلك رسوم الدخول والخروج عند معبر باب الهوى".

وقال وزير الحكم المحلي في حكومة الإنقاذ، معاذ الحسن، أن الضرائب تتيح للحكومة توفير الخدمات الأساسية في جميع أنحاء الشمال الغربي.

ومع ذلك، فقد أقرّ بأن فرض الضرائب ورسوم الخدمة لا يزال يمثل مشكلة بالنسبة لحكومة الإنقاذ- بسبب "عدم التزام بعض الأشخاص بدفع الرسوم، على الرغم من كونها رسوم منخفضة".

وأفاد بعض المراقبين بأن حكومة الإنقاذ لم تقم بعد بإدخال الضرائب في المناطق التي تم الاستيلاء عليها خلال عمليات التقدم الأخيرة، بسبب المخاوف من استجابة المجتمعات المحلية.

وبدأت الحكومة بفرض ضرائب إضافية على تسجيلات السيارات والمحلات التجارية والباعة المتجولين في إدلب.

وهناك، يصف السكان ازدياد الضرائب والعقوبات، مقابل القليل من العوائد الملموسة.

وقد "تحتاج إلى الكثير من المال كل شهر لدفع الضرائب"، بحسب ما قاله أمجد، وهو أب لطفلين نزح إلى إدلب من ريف حلب، وطلب حجب اسمه بالكامل خوفاً من الانتقام.

وأضاف أمجد "تأخذ الهيئة الضرائب من أجل الصرف الصحي، ولكن الشوارع مليئة بالقمامة، إنهم يأخذون ضرائب مقابل الماء، لكن الماء لا يأتي إلا لمدة ساعتين في الأسبوع".

ووصف أبو أحمد، الذي يملك متجراً للعطور في مدينة إدلب، لوائح صارمة تستهدف أصحاب المحلات الذين يتم فرض الضرائب عليهم وتوجيه التهم لهم "بسبب أبسط انتهاك للقانون، من وجهة نظرهم".

ووفقاً لأبو أحمد، فإن الشرطة الإسلامية التابعة للهيئة  تحاكم مالكي المحلات التجارية بسبب أي صور للنساء أو الرجال معروضة في المتاجر، أو على اللافتات على الرصيف.

وفي الوقت نفسه، قال أبو أحمد إن محلات الأسلحة التابعة للهيئة - التي تبيع كل شيء من المسدسات إلى آر بي جي، والأسلحة المضادة للطائرات إلى قذائف الهاون، تعمل بحرية في جميع أنحاء المقاطعة، ودون ترخيص أو ضرائب.

وأضاف أبو أحمد ساخراً "يمكن لمالك المتجر أن يبيعنا دبابة إذا أراد ذلك، إن ٩٩٪ من محلات الأسلحة تمتلكها الهيئة نفسها على أي حال".

وتحدث عمار، الذي طلب حجب اسمه الحقيقي في هذا التقرير، عن المخاوف من أن الضرائب لم تحدث سوى تحسينات قليلة على مستوى الحياة اليومية في مدينة إدلب، حيث قال لسوريا على طول "لا يوجد شيء، لا توجد خدمات. إن هدف الهيئة الحقيقي... هو ملء جيوبهم".

خطر "توقف" المساعدات الدولية

أثرت سيطرة الهيئة على المنطقة، كونها تعتبر منظمة إرهابية من قبل عدة دول، على وصول المساعدات الإنسانية والخدمات المتاحة لسكان إدلب، حيث أن أكثر من مليون هم نازحون من مناطق أخرى في البلاد.

وكانت عيون عمال الإغاثة تراقب بقلق توسع رقعة سيطرة الهيئة عبر الشمال الغربي في كانون الثاني، ورداً على التوسع الأخيرة للهيئة، سحبت وكالة التنمية الألمانية GIZ التمويل في الشهر الماضي من أكثر من 50 مديرية للصحة في جميع أنحاء الشمال الغربي، على الرغم من أن GIZ أعادت دعمها لمديريات الصحة في محافظات حلب وحماة وإدلب، وإن كان ذلك تحت شروط صارمة على كيفية إنفاق الأموال.

ويستعد المدنيون ومنظمات الإغاثة المحلية لمزيد من خفض التمويل في المستقبل.

وقال محمد حلاج، مدير مجموعة التنسيق والدعم المعنية بتوثيق تقديم الخدمات في شمالي غرب سوريا، لسوريا على طول أن التمويل "سوف يتوقف بالتأكيد، ليس لدي شك في ذلك ".

وأضاف "هناك إجماع دولي على أن هذه المناطق مصنفة على أنها" إرهابية "، وبالتالي فإن التمويل سيتوقف".

ومع ذلك، ووفقا لما ذكره البكور، رئيس المجلس الموحد للمجالس المحلية في معرة النعمان، فإن القصف المستمر من قبل القوات الموالية للحكومة على جنوب محافظة إدلب - وليس تقدم الهيئة- أدى إلى إغلاق المنظمات غير الحكومية.

وأضاف "بعض المنظمات غير الحكومية توقف عملياتها، ولكن ذلك بسبب حملات النظام العسكرية وليس بسبب دخول حكومة الإنقاذ إلى المنطقة".

وقال ديفيد سوانسون، المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في عمان، لسوريا على طول إنه "على الرغم من البيئة التشغيلية الصعبة، تواصل الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العمل في المنطقة من خلال تقديم المساعدات الضرورية، وتنفيذ عمليات عبر الحدود خارج تركيا".

وهناك سيناريو محتمل واحد يمكن أن يغير كل ذلك، وهو التهديد الذي يلوح في الأفق للهجوم المحتمل من قبل القوات الموالية للحكومة على الشمال الغربي الذي تسيطر عليه المعارضة.

ولا يزال خطر تجدد العنف ممكناً على الرغم من اتفاق المنطقة العازلة الذي تم التوصل إليه من قبل روسيا وتركيا في أيلول الماضي، والذي تمت الإشادة به كونه السبب في تجنب ذلك الهجوم.

وتصاعد العنف المتبادل على أطراف المنطقة العازلة وداخلها في محافظة إدلب في الأسابيع الأخيرة.

كما أن التقدم العسكري للهيئة مؤخراً، والتأثير المتزايد لحكومة الإنقاذ، وهي أمور تم الترويج لها من قبل الهيئة على أنها وسيلة لإعادة الحكم "المدني" إلى شمال غرب سوريا، يهددان الاستقرار طويل الأمد لآخر معقل للمعارضة في سوريا.

ولم يبق أمام السكان الذين يعيشون تحت سيطرة المجموعة المتشددة سوى القليل من الخيارات المتاحة- وهو شعور مألوف للسوريين الذين كانوا يعيشون تحت سيطرة الهيئة، وذراعها الإداري، قبل التطورات الأخيرة.

وقال سكان أحد البلدات في إدلب، التي تخضع لسيطرة الهيئة منذ عام ٢٠١٦ "من الطبيعي أن يتغير الوضع بالنسبة للمدنيين في إدلب الآن".

وأضاف لكن في النهاية، إن الانتقال للعيش تحت ظل حكومة الإنقاذ هو تماما كالانتقال "من تحت الدلف لتحت المزراب".

 

ترجمة: سما محمد