عفرين في 29 ايلول. تصوير مالك أبو عبيدة لسوريا على طول.

 

كان عز الدين الحمصي منذ البداية يعرف أن منزله الجديد في عفرين، التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المدعومة من تركيا سيكون سكناً مؤقتاً، مجرد نقطة وقوف أخرى في رحلة نزوحه المستمرة من دمشق نحو الحدود الشمالية السورية التركية.

والمنزل الذي لم يكن في الأصل للحمصي، قدمه له أحد مقاتلي الجبهة الشامية، فصيل معارض مدعوم من تركيا، بعد فترة قصيرة من وصوله مع عائلته من الغوطة الشرقية إلى المدينة ذات الأغلبية الكردية في محافظة حلب، وتم إعطاؤهم البيت مجانًا دون أي عقد أو إيجار، ولا حتى إشراف رسمي من السلطات المحلية، وبدلاً من ذلك، كان هناك شرط واحد فقط.

وقال الحمصي "أعطانا [المقاتل] عدة شهور للبقاء في المنزل".

وكان الحمصي وزوجته وابنته من بين آلاف العائلات التي وصلت إلى مدينة عفرين، الواقعة في شمال حلب ذات الغالبية الكردية بعد إجلائهم قسراً من ضواحي الغوطة الشرقية المحاصرة سابقاً في دمشق، في وقت سابق من هذا العام، من خلال سلسلة من اتفاقيات الإجلاء التي ساعدت الحكومة السورية وحلفاءها من استعادة السيطرة على غالبية البلاد في الأشهر الأخيرة.

ومنذ وصولهم إلى عفرين، رأى السوريون النازحون الجدد مقاتلي المعارضة المدعومين من تركيا يقومون بتوزيع الغنائم التي حصلوا عليها من معركة غصن الزيتون، والتي من خلالها تم طرد وحدات حماية الشعب ذات الأغلبية الكردية (YPG) من المنطقة ونزوح أكثر من 137 ألف شخصاً، وفي أعقاب ذلك، تم توزيع عدد من المنازل والمحلات الفارغة بين الجماعات المعارضة والنازحين السوريين الجدد.

وبعد أن انقضت الشهور الخمسة في وقت سابق من هذا الشهر، وعلى الرغم من أن أصحاب المنزل النازحين لم يعودوا بعد، إلا أن مقاتلي الجبهة الشامية طالبوا الحمصي، البالغ من العمر 30 عاماً، بتسليم المنزل، بحسب قوله.

ورغم من المناشدات المتعددة للبقاء في المنزل، الذي يعتبر بمثابة اكتشاف ثمين في منطقة مكتظة بشكل كبير بالنازحين الذين لا يملكون سوى القليل من المال لإنفاقه على الإيجارات الباهظة، إلا أن فصائل المعارضة كانوا يصرون على ذلك، وعرضوا عليه منزلاً آخر، ولكنه أسوأ من سابقه، كما ذكر الحمصي.

وقال الحمصي لسوريا على طول من المخيم الذي يعيش فيه الأن بالقرب من الحدود التركية "في النهاية  أعطوني 25 ألف ليرة (حوالي 50 دولارًا)، وقالوا لي أخرج وابحث عن منزل جديد" إلا أنه غير قادر على إيجاد بديل في عفرين.

وطلب الحمصي وجميع السكان الآخرين الذين تواصلت معهم سوريا على طول من أجل هذا التقرير، حجب أسمائهم الحقيقية خوفاً من التداعيات الأمنية عليهم.

والاتهامات الموجهة ضد جماعات المعارضة المدعومة من تركيا في عفرين حول الاستيلاء على المنازل وطرد أصحابها بالقوة ليست جديدة، حيث وثقت منظمة العفو الدولية سلسلة من "الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد المدنيين" بعفرين، في أعقاب معركة غصن الزيتون، ، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري ومصادرة الممتلكات.

وعلى الرغم من ادعاء فصائل المعارضة بأن هذه الممارسات تجري معالجتها، قال المسؤولون المحليون والسكان الحاليون أن فصائل المعارضة تقوم الآن بإجلاء السوريين النازحين بشكل تعسفي، بما في ذلك أولئك الذين ساعدوهم في البقاء في المنازل التي صودرت خلال حملة عفرين.

وفي الوقت نفسه، أكد المسؤولون المحليون المدعومون من تركيا أن نفوذهم محدود على جماعات المعارضة التي تتحايل على الهيئات الإدارية الحاكمة في محاولة لاحتكار السيطرة وجني الفوائد من الممتلكات الشاغرة في المنطقة.

"من سمح لك بالعيش في هذا المنزل؟"

وبعد الهدوء النسبي في منطقة عفرين المعزولة، أطلقت تركيا حملتها العسكرية "غصن الزيتون" في كانون الثاني بهدف "القضاء على الإرهابيين" في المنطقة، التي كانت تسيطر عليها آنذاك وحدات حماية الشعب ذات الأغلبية الكردية (YPG)، ونشبت معركة دامت ثلاثة أشهر أسفرت عن مقتل المئات من المدنيين وتدمير البنية التحتية في المنطقة.

ومنذ أن انتهت المعركة في شهر آذار، بدأ عشرات الآلاف من نازحي عفرين بالعودة إلى مدينتهم بعد مغادرتها  بسبب القتال الأخير، أو عندما سيطرت وحدات حماية الشعب على المنطقة من الحكومة السورية في عام 2012.

ووفقاً للسلطات المحلية، فقد عاد ما بين 70 ألف و 80 ألف نازح سابق من عفرين إلى المنطقة منذ نهاية غصن الزيتون في آذار - على الرغم من وجود تقارير تفيد بأن بعض النازحين محرومين من العودة إلى منازلهم أو إلى المدينة بشكل تام.

مدينة عفرين في آب. الصورة من عفرين مباشر.

ومع ذلك، عاد العديد من النازحين إلى منازلهم السابقة ووجدوا فيها مدنيين نازحين من مناطق أخرى في البلاد، أو في بعض الحالات، مقاتلين تابعين لفصائل المعارضة.

وقال أبو محمد الغوطاني، البالغ من العمر 25 عاماً من بلدة حمورية من الغوطة الشرقية، نزح إلى شمال غرب البلاد في نيسان، أنه أخلى ثلاثة منازل طوعاً في مدينة عفرين في الأشهر المنصرمة، لأن أصحابها عادوا، وقال "أبقى في منزل لفترة من الزمن وعندما يأتي المالكون أسلمهم المنزل وأغادر".

ويصرّ قادة المعارضة في عفرين على أن النازحين السوريين، بما فيهم أهالي الغوطة الشرقية وغيرهم من حمص وجنوب دمشق وأماكن أخرى، الذين كانوا يقيمون في المنطقة الشمالية الغربية لا يتم طردهم قسراً

إلا إذا عاد مالك المنزل الأصلي.

ووفقاً للناطق باسم الجبهة الشامية، رأفت جنيد، فإن عمليات الإخلاء القسري تتم فقط "بشرط واحد، إذا عاد المالك الأصلي ... ووجد أسرة تقيم في منزله".

ومع ذلك، فإن شهادات سكان عفرين الحاليين - بما في ذلك الغوطاني - تشير إلى أن هذا ليس هو الحال دائماً.

وفي أواخر آب، قال الغوطاني، إن مقاتلين من فصيل أحرار الشرقية، التابع للجيش السوري الحر، ظهروا أمام رابع منزل أقام فيه في عفرين، وكان ذلك في ضواحي مدينة عفرين واستأجره مباشرة من المالك الذي كان مدرساً  متقاعداً يعيش في منطقة قريبة.

وقال له أحد المقاتلين "من سمح لك بالعيش في هذا المنزل؟" حينها أظهر لهم الغوطاني على الفور العقد الرسمي مع المالك، والذي تم تصديقه من قبل الهيئة الإدارية في عفرين، وهي مجلس عفرين المدني المدعوم من تركيا.

لكن الفصيل - وهو واحد ضمن مجموعة من الفصائل التي  فرضت سيطرتها على مناطق معينة داخل مدينة عفرين والمناطق الريفية المحيطة بها، والتي يشار إليها عادة باسم "القطاعات" - رفض قبول الوثيقة.

وقال الغوطاني "لقد مزقوا العقد"، متذكراً كيف قال له أحد المقاتلين "نحن لا نعترف بشيء، عليك إخلاء المنزل غداً".

وقال أحد العاملين في وسائل الإعلام التابعة لأحرار الشرقية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتحدث إلى وسائل الإعلام، لسوريا على طول، أن قادة الفصائل أصدروا قراراً "بمنع المقاتلين من طرد النازحين من منازلهم"، لكنهم أدركوا أن "المقاتلين انتهكوا القرار وتصرفوا على أساس فردي".

وأضاف أنه إذا أبلغ أحد السكان عن حدوث انتهاك، فسيقوم الفصيل بمعاقبة المسؤولين عنه، فيما قال بعض السكان إنهم يخشون من التداعيات في حال رفضوا الإخلاء ورفعوا شكاويهم ضد المقاتلين.

وقال مروان الشامي، وهو من أهالي بلدة عربين في الغوطة الشرقية، تم إجلاؤه إلى الشمال الغربي في أواخر آذار "لم يكن هناك أي مبرر على الإطلاق"، عندما طلب منه مقاتلو المعارضة مغادرة منزله في أيلول.

وعندما رفض الشامي، عامل سابق في مجال الإغاثة، مغادرة المنزل - الذي استأجره مباشرة من شقيق المالك - قال إن المقاتلين هددوه بقوة السلاح، وفي النهاية تخلى عن المنزل بالكامل.

وأضاف "لو بقيت رافضاً ، كان من الممكن أن أتعرض للاعتقال أو للمضايقات بشكل متكرر".

"إنهم القوة العليا"

وفقاً لآزاد عثمان، وهو عضو منتخب في مجلس عفرين المدني، الذي ناضل طويلاً لإبعاد فصائل المعارضة في عفرين عن التدخل في الشؤون المدنية، أن عمليات الإجلاء الأخيرة ليست حوادث معزولة.

وقال "نحن نواجه مشكلة حقيقية، فحتى العقود التي يقرها المجلس - عقود الإيجار الرسمية - لا يتم قبولها، لأنهم السلطة العليا"، مشيراً إلى فصائل المعارضة المدعومة من تركيا في عفرين.

ويبدو أن بعض مصادر المعارضة تبرر مصادرتهم للمنازل بأنها سياسة، أي أنهم يأخذون ما يُفترض أنه حقهم بعد طرد وحدات حماية الشعب من المنطقة.

وقال إعلامي أحرار الشرقية، لسوريا على طول "إذا كان المنزل مسكون من مدني أو نازح، فلا يحق لأحد إخراجه منه"، مضيفاً "إذا كان المالك مقاتل في حزب العمال الكردستاني" حينها يمكن للفصائل المطالبة بحق الملكية كـ"غنيمة". وحزب العمال الكردستاني، وهو جماعة يسارية كردية وشبه عسكرية شنت تمرداً في تركيا منذ عقود ولها علاقات مع وحدات حماية الشعب.

لكن العديد من السكان يرون أن فصائل المعارضة قد تكون مهتمة بالمنفعة الاقتصادية من سوق الإسكان في عفرين، والتي يمكن تحقيقها من خلال موجات النزوح.

والنتيجة هي أن يتم طرد المدنيين من قبل مقاتلي المعارضة "لا ليعيد المقاتلون المنازل إلى أصحابها، إنما ليقوم الفصيل نفسه بتأجيرها" بحسب عثمان.

وقال عدنان سعد الدين، أحد أهالي الغوطة الشرقية، نزح إلى عفرين في وقت سابق من هذا العام، لسوريا على طول، أن تأجير المقاتلين للمنازل التي استولوا عليها ليس شيئاً جديداً - وأن الأسعار التي يقدمونها غالباً ما تكون من بين أفضل الأسعار في السوق.

وأضاف "لقد عرض عليّ عن طريق الفصائل منزلاً بسعر ٥٠ دولاراً في الشهر".

كان رخيصاً جدا، ولكنه رفض لأنه شعر أن أخذ منزل شخص آخر هو أمر "غير مقبول، سواء كان ذلك من الناحية القانونية أو الدينية".

وتمكن سعد الدين من العثور على منزل آخر للإقامة، ولكنه غادر في النهاية إلى تركيا، بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً.

كما أنه ليس الشخص الوحيد الذي غادر نتيجة عدم الاستقرار الذي أعقب استيلاء المعارضة على عفرين.

وقال محمود رضوان، الصحفي الذي وصل مؤخراً إلى عفرين بعد نزوحه في البداية إلى محافظة إدلب المجاورة، التي تسيطر عليها المعارضة "حاولت العثور على منزل لا يتسبب لي بالمشاكل (ووجع الراس)، لكن من النادر أن تجد منزلاً له مالكه، وأعين الفصائل ليست عليه".

وقام رضوان بتقييم خياراته، فالعثور على منزل في عفرين لن يكون سهلاً، وعندما تم تأجيل هجوم وشيك للحكومة على إدلب الشهر الماضي في أعقاب اجتماع مدته ١١ ساعة بين روسيا وتركيا، قرر رضوان العودة إلى إدلب بدلاً من ذلك.

وختم قائلاً "يفترض أن يكون التوتر في إدلب، ولكنه حقيقة هو في عفرين".

 

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول لأوضاع النازحين في سوريا بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض هناك. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.

 

شارك في إعداد التقرير: مالك أبو عبيدة