عمان- مع ورود أيّ خبر عن وصول وفد أممي أو قافلة مساعدات أممية إلى مخيم الركبان، يؤمل عبد الرحمن التدمري نفسه بحلول قد تنهي معاناته وأسرته في المخيم الصحراوي على الحدود الأردنية السورية، بعيداً عن خيار العودة إلى مناطق الحكومة السورية. لكنها آمال لا تلبث أن تتبدد سريعاً.

التدمري (35 عاماً) كان قد وصل إلى "الركبان" العام 2015، هارباً من مدينة تدمر مع اندلاع المعارك بين القوات الحكومية السورية والروسية و"تنظيم الدولة" (داعش) الذي كان يسيطر على المدينة. وهو يعيش حالياً في غرفة طينية في المخيم، مع زوجته وطفلتيه اللتين رزق بهما خلال فترة نزوحه.

إذ كونه "مطلوباً للخدمة العسكرية الاحتياطية"، بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول"، فإنه يستبعد "فكرة الخروج من المخيم إلى تدمر، رغم سوء الأوضاع المعيشية ونقص الغذاء والدواء"، متأملاً "الحصول على خيار ومكان أفضل وأكثر أمناً".

أيضاً، ورغم ترويج الحكومة السورية لما تسميه "العودة الآمنة" إلى مناطق سيطرتها، فإن التدمري يرى عكس ذلك. إذ "لا توجد تسهيلات تشجّع على العودة، لا أمنياً ولا معيشياً. ومعظم من غادر المخيم في الدفعات السابقة لا يزال محتجزاً في المدارس التي حولها النظام إلى مراكز إيواء"، كما قال.

لذلك، ورغم تجربته السابقة مع الوفود الأممية إلى المخيم، كان التدمري، كما العادة، يتقصى أخبار وفد الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري الذي وصل أمس السبت إلى منطقة الـ(55) التابعة للمعارضة السورية المدعومة من التحالف الدولي، وهي أرض صحراوية تبلغ مساحتها 55 كيلومتراً مربعاً على الحدود السورية الأردنية، يقع المخيم داخل حدودها.

استطلاع جديد

وصل الفريق المشترك للأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري، وقوامه 150 شخصاً، على متن 35 سيارة. واجتمع الوفد فور وصوله مع قادة ومسؤولين عسكريين ومدنيين في المخيم لتنسيق عمل الفريق.

وبحسب ما أكدت مصادر عدة لـ"سوريا على طول"، وصل الوفد الزائر إلى الركبان "من دون مساعدات إنسانية رغم الحاجة إليها". وهو ما عزاه بيان وزعته الأمم المتحدة على قاطني المخيم، إلى كون الهدف الأساسي للوفد هو "تحديد عدد الأشخاص الذين يرغبون في مغادرة الركبان باتجاه المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وذلك لتسهيل إجراءات نقلهم، وإجراء تقييم لاحتياجات من أعربوا عن رغبتهم في البقاء في الركبان".

وبحسب البيان، فإن الرحيل عن المخيم سيكون طوعياً، فيما سيتم توزيع المساعدات الإنسانية عند بدء عمليات الإخلاء، وستشمل كلاً من الراغبين في المغادرة أو البقاء.

استطلاع الركبان هو الثاني، بعد استطلاع شبيه كان أجراه الهلال الأحمر السوري، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، في شباط/ فبراير الماضي "للتشاور مع النازحين حول رغباتهم وأولوياتهم لدعم النقاش حول تسهيل الحلول الدائمة"، وفقاً لبيان صادر عن المنظمة الأممية في السادس من الشهر ذاته. وقد وصلت قافلة مساعدات مشتركة للأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري آنذاك، هي الوحيدة التي تدخل إلى المخيم منذ شباط/ فبراير الماضي.

بين هذين الاستطلاعين غادر آلاف من قاطني "الركبان" إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية، نتيجة تشديد الحواجز الحكومية على دخول المواد الغذائية والطبية إلى المخيم. إذ بحسب تصريح سابق لـ"سوريا على طول" نهاية حزيران/تموز الماضي، قال مسؤول في الإدارة المدنية في "الركبان" إن "العدد الحالي في مخيم الركبان لا يتجاوز 12 ألف نسمة، فيما كان عدد قاطنيه قبل فتح المعابر الإنسانية [التي أعلنت الحكومة السورية ومركز المصالحة الروسي إنشاءها في شباط/ فبراير الماضي] ومنع دخول المواد الأساسية، أكثر من 40 ألف نسمة". مشدداً على أن "من ترك المخيم، تركه قسراً نتيجة الحصار وتدهور الأوضاع المعيشية".

وقد شهد "الركبان" في تموز/يونيو الماضي فقدان مادة الطحين، ما أدى إلى توقف أحد المخبزين الوحيدين هناك عن العمل، فيما استمر الثاني في إنتاج خبز "بجودة رديئة".

ضمانات أممية!

انقطع الاتصال بين ربا الحمصي، مديرة "نقطة شام الطبية" في "الركبان" وعدد من النساء اللواتي غادرن المخيم خلال الأشهر الماضية، وكان بعضهن يعملن ممرضات في النقطة الطبية التي تشرف عليها.

وكما ذكرت الحمصي لـ"سوريا على طول"، فإن "بعض من عملن معي من النساء محتجزات في المدارس التي حولها النظام إلى مراكز مخصصة لإيواء المغادرين، ولا يمكن التواصل معهنّ داخل تلك المراكز". مشيرة إلى أن "مناطق النظام ليست آمنة للنساء أيضاً، وهو ما يدفع عدداً منهن إلى استبعاد خيار العودة".

ورغم أن الوفد الأممي الذي يزور "الركبان" حالياً قدّم ضمانات للراغبين في الخروج، إلا أنه لم يأت بجديد عما قدمته "المعابر/ الممرات الإنسانية" التي افتتحتها الحكومة السورية وروسيا قبل أشهر.

وفيما يُفترض أن تلعب الأمم المتحدة والهلال الأحمر "دور الضامن في عمليات الإجلاء القادمة، وليس كمراقب كما في عمليات الإجلاء السابقة"، فإن دورها "كضامن سيكون فقط منذ لحظة نقل الراغبين عن أرض المخيم إلى حين خروجهم من الإيواء، ولا توجد ضمانات لما بعد ذلك"، بحسب ما قال مسؤول الإدارة المدنية.

وأضاف أن "ضمانات الأمم المتحدة لا تشمل عودة النازحين إلى منازلهم وقراهم". مشيراً إلى أن ذلك "يشكل تحدياً أمام الراغبين في مغادرة المخيم، [إذ] من خرجوا في الدفعات السابقة عبر الممرات الروسية لم يعودوا كذلك إلى منازلهم".

وتساءلت الحمصي: "ما الفائدة من أن تتكفل الأمم المتحدة بعملية خروجنا من المخيم إلى مناطق النظام، إذا لم تتكفل بتسوية أوضاعنا الأمنية مع النظام؟!".

ومما يزيد من قلق الراغبين في العودة إلى مناطق الحكومة السورية، التعتيم الإعلامي الذي تمارسه السلطات الرسمية على مراكز الإيواء، عدا عن أنباء تفيد بوقوع انتهاكات بحق المحتجزين داخل تلك المراكز. إذ تداولت وسائل إعلام سورية معارضة في نيسان/ أبريل الماضي أخباراً –لم يتم التأكد من صحتها حتى الآن– تفيد بمقتل رجلين على يد القوات الحكومية أثناء محاولتهما الفرار من أحد مراكز الإيواء في حمص. وقد كانا غادرا المخيم عبر "الممر الإنساني" المدعوم من روسيا.

الطريق إلى الشمال

مضى عامٌ على الحديث عن قافلة إجلاء مخطط لها من مخيم الركبان إلى مدينة جرابلس في ريف حلب الشمالي، والواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا.

ويعدّ فتح ممر آمن من "الركبان" إلى الشمال السوري أحد مطالب قاطني المخيم من فئة الشباب تحديداً، خوفاً من عمليات الاعتقال أو التجنيد الإجباري في صفوف القوات الحكومية. ونتيجة عدم التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن، عاد عشرات الشباب إلى مناطق الحكومة السورية، فيما سلك البعض منهم طرق التهريب إلى الشمال السوري.

ولا تُدرج الأمم المتحدة في زيارتها الحالية للمخيم خيار "الشمال السوري" أمام قاطنيه، ما دفع "عدداً من أهالي المخيم إلى مطالبة الأمم المتحدة بفتح ممر إلى الشمال" بحسب ما ذكرت مصادر لـ"سوريا على طول".

وقال الناشط الإعلامي عماد غالي إن "خيار المغادرة إلى الشمال السوري لم يكن مطروحاً من الأمم المتحدة، ولكننا طرحناه في اجتماعنا مع الوفد خلال لقائنا معه". وكان الوعد بأن يتم نقاش ذلك مع "النظام وروسيا" بحسب قوله.