يعاني العشرات من سكان أحد مخيمات النزوح بالقرب من الحدود السورية - الأردنية من انخفاض درجات الحرارة، في الأسابيع الأخيرة التي تعدّ من أشد أيام السنة برودة، بحسب ما يقوله مسؤولون في المخيم لسوريا على طول، حيث أن ارتفاع سعر الوقود يدفع السكان لحرق الملابس والأكياس البلاستيكية للتدفئة.

ويعد كانون الثاني أكثر الأشهر برودة في مخيم الركبان، وهو مخيم عشوائي يقع في صحراء جنوب شرق سوريا على طول الحدود مع الأردن، وهناك يعيش حوالي ٦٠ ألف نازح في الصحراء الواسعة، لا يقيهم برد الشتاء سوى الخيام والمنازل الطينية.

وقال شكري شهاب، وهو ممرض يعمل في إحدى العيادات الطبية في الركبان، لسوريا على طول، هذا الأسبوع، أن ما لا يقل عن ٢٠ مريضاً، منذ بداية كانون الثاني، جاؤوا لتلقي العلاج حيث كانوا يعانون من أعراض انخفاض حرارة الجسم وفقدان الوعي.

وأضاف شهاب إن معظم المرضى كانوا من الأطفال وكبار السن، وبعضهم كان "فاقداً للوعي" بسبب البرودة الشديدة. وبالنسبة لهم، فإن كل ما يمكنهم القيام به هو إعطاء المرضى المشروبات الساخنة كمحاولة لرفع درجات حرارة الجسم.

وتابع شهاب "لا يوجد حتى ما يكفي من مواد إسعاف أولية".

وفي كل شتاء، يخوض سكان الركبان معركتهم ضد البرد القارس في محالة للحصول على الدفء، ولكن بحسب ما يقال فإن هذا الشتاء هو الأشد قسوة بسبب شح وارتفاع سعر المازوت، ويستخدم الأهالي المازوت وقوداً لسخانات صغيرة، حيث أن مصادر الحرارة الأخرى مثل الحطب غير متوفرة في الصحراء التي يقيمون فيها.

كما أن القتال الدائر في الأشهر الأخيرة في الصحراء الشرقية الغنية بالنفط في سوريا، تسبب بقطع الطريق الذي كان يستخدم لنقل المازوت الرخيص إلى الركبان، وهناك بدائل أخرى للمازوت تصل من الأراضي المجاورة التي يسيطر عليها النظام، ولكنها ببساطة مكلفة للغاية بالنسبة للنازحين.

ومن بين سكان الركبان الذين يعانون من البرد في هذا الشتاء، أبو فايز، وهو أبٌ يبلغ من العمر ٣٥ عاماً ويعيش في المخيم مع أولاده الأربعة ووالده المسن.

هربت عائلة أبي فايز من تدمر في عام ٢٠١٦ ووصلت إلى الركبان ولم يكن بحوزتهم أية نقود، حيث يعتمدون على ما يرسله شقيق أبي فايز في الأردن كمصدر وحيد للدخل.

أطفال في الركبان يجمعون القمامة لاستخدامها في التدفئة، كانون الثاني. تصوير: شكري شهاب.

ويعيش أبو فايز في منزل طيني بناه بعد الاستقرار في الركبان في عام ٢٠١٦، وعلى الرغم من أنه يملك مدفأة ( سخان معدني) إلا أنه لا يستطيع تحمل نفقات المازوت المطلوبة لإبقاء النار مشتعلة فيها.

وبدلاً من ذلك، يجمع أبو فايز وأولاده أكياس البلاستيك المتناثرة على الأرض في الركبان ويحرقونها في المدفأة  للحصول على الدفء، كما يقول لسوريا عل طول، وعندما لا يجدون أكياساً بلاستيكية، تحرق الأسرة أية نفايات أخرى يمكن العثور عليها، بما في ذلك حفاضات الأطفال.

وعلى الرغم من أن حرق القمامة يعطي بعض الدفء، إلا أن أبو فايز لا يزال يشعر بالقلق إزاء والده البالغ من العمر 70 عاماً، قائلاً " قبل أسبوعين شعرت أنه سيتجمد" ووالده يواجه صعوبة في تحريك جسده.

وأضاف "أبي سيموت من هذا الطقس البارد.

أسعار مرتفعة

على الرغم من أن مخيم الركبان هو موطن لعدد من السكان مثله مثل معظم المدن السورية الصغيرة، إلا أنه یفتقر إلی الغذاء والماء والإمدادات الطبیة.

وكانت الأمم المتحدة قد أرسلت مساعدات إلى مخيم الركبان في أوائل كانون الثاني للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، لم تتضمن أي مستلزمات لتدفئة خيام السكان كالمازوت، وفقاً لما صرح به مسؤولون من المخيم لسوريا على طول في ذلك الوقت.

وكان السوريون الفارين من تنظيم الدولة شرق البلاد استوطنوا مخيم الركبان لأول مرة عام 2014، وفي فصول الشتاء السابقة كانوا يعتمدون على المازوت الرخيص الذي يحضره سائقو الشاحنات من أراضي تنظيم الدولة من مدينة دير الزور شرق سوريا.

لكن القوات السورية الموالية للحكومة حققت تقدماً ملحوظاً منذ أيلول الماضي عبر الصحراء الشرقية، وفي النهاية تمكنت من طرد تنظيم الدولة من معظم المناطق الريفية في دير الزور وقطع طريق المازوت الذي كان يستخدم للوصول إلى الركبان.

والآن، فإن سائقي الشاحنات والبائعين هم من يحضرون المازوت إلى المخيم من المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام "بالقرب من دمشق" بحسب ما ذكر مشعل أبو محمد، أحد تجار المحروقات في المخيم، لسوريا على طول.

يعيش أبو محمد في الركبان، لكنه يبيع مازوت الحكومة المستوردة في محطة تقع خارج المخيم مباشرةً، حيث يشتري السكان هناك الوقود "بأسعار مرتفة جداً" بسبب ارتفاع تكلفة النقل على حد قوله.

مضيفاً "علينا أن نرفع أسعارنا قليلاً حتى نتمكن من تحقيق بعض الأرباح".

وذكر المسؤول عن معسكر الركبان محمد درباس الخالدي لسوريا على طول أن سعر لتر المازوت قد يختلف إلأ أن الأسعار تتراوح بين 500 ليرة سورية إلى 650 ليرة سورية.

وبالنسبة لأبي فايز، الذي يشعر بالقلق إزاء صحة والده المعاق، فإن هذا السعر من المستحيل تأمينه، وهو بحاجة إلى "حوالي خمسة لترات" من المازوت يومياً للحفاظ على منزله الطيني دافئاً بشكل يناسب أبيه البالغ من العمر 70 عاماً.

وقال أبو فايز "إذا اشتريت خمسة لترات في اليوم، فهذا يعني أنني سأدفع حوالي 3000 ليرة كل يوم " كما أن شقيقه يرسل له 50 ألفاً كل شهرين من الأردن، وهذا غير كاف لدفع ثمن المازوت اليومي.

ومع ذلك، عندما تدهورت حالة والده الأسبوع الماضي، وجد أبو فايز نفسه أمام خيارين إما الاحتفاظ بالمال القليل المتبقي الذي أرسله أخيه مؤخراً أو انفاقه على المازوت لإبقاء والده على قيد الحياة، وقال أنه اختار شراء 10 لترات من المازوت.

ومنذ ذلك الحين يستخدم أبو فايز المازوت لتشغيل الصوبية لمدة ساعة واحدة فقط لإبقاء والده دافئاً، على حد قوله وبعدها "نعود إلى حرق الأكياس البلاستيكية".