عمان- في إدلب، شمال غرب سوريا، تظهر جلياً ارتدادات أي حدث عسكري أو سياسي في سوريا، حتى وإن كان غير متعلق بالمحافظة ذاتها بشكل مباشر. المثال الأحدث على ذلك، أزمة المحروقات المتفاقمة حالياً، نتيجة العملية العسكرية التركية "نبع السلام" في شمال شرق سوريا، بمشاركة الجيش الوطني السوري المعارض.

ورغم أن فصائل المعارضة السورية المتواجدة في إدلب، والتي تمثل هيئة تحرير الشام القوة الأكبر بينها، لا تشارك في العملية التركية التي بدأت في 9 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فإن تأثير العملية يبدو واضحاً في المحافظة، لاسيما على صعيد توفر الوقود بالتزامن مع دخول المنطقة فصل الشتاء القارس عموماً، وتزيده قسوة ظروف الحرب المتواصلة منذ أكثر من ثماني سنوات.

فقد نفد صنف "المازوت المكرر" من مناطق إدلب وريف حلب الشمالي. وإن توفر، فإن سعره ارتفع بنسبة 50% عما كان عليه قبل العملية التركية. وهو ما ينطبق أيضاً على أسعار الأصناف الأخرى من المحروقات، إذ ارتفعت بشكل غير مسبوق، وفق ما ذكرت مصادر عدة لـ"سوريا على طول".

أحد أسباب ذلك أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عمدت عقب انطلاق عملية نبع السلام إلى "قطع إمدادات مادة الفيول [الوقود] الخام عبر معبر الحمران (أم جلود)، والتي يعتمد عليها سكان المناطق المحررة [الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة]"، كما قال مدير القسم الأمني لمعبر جرابلس، النقيب أنس يحيى، لـ"سوريا على طول".

هذا الأمر أدى إلى "ارتفاع سعر برميل المازوت المكرر من 50 ألف ليرة سورية [59 دولاراً] قبل عملية نبع السلام، إلى 145 ألف ليرة سورية حالياً [171 دولاراً]، في حال توفره"، بحسب أحمد الإدلبي، العامل في إحدى محطات الوقود بريف إدلب. وهو ما يعني أن "سعر المازوت المكرر محلياً أصبح قريباً من سعر المستورد من تركيا، والذي يبلغ سعر برميله 118 ألف ليرة سورية [139 دولاراً]" استناداً إلى سعر صرف مساء يوم أمس، إذ بلغ الدولار 848 ليرة، بحسب موقع الليرة اليوم. "فيما ارتفع أيضا سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 7200 ليرة سورية [9 دولارات] بعد أن كانت 6500 ليرة [8 دولارات]".

ورغم وجود واردات للوقود من تركيا، فإن الجزء الأكبر، والذي قدرته مصادر بما يزيد عن 70%، يصل محافظة إدلب من شمال شرق سوريا الخاضعة لـ"قسد"، مروراً بمناطق المعارضة السورية المدعومة من تركيا في ريف حلب الشمالي. وهناك "يتم تكريرها وفرزها من قبل أهالي المنطقة، بأدوات محلية في حراقات بدائية، لاستخراج المازوت المكرر والبنزين"، وفقاً لما أوضح النقيب يحيى. مشيراً إلى أن "عمليات الفرز تنشط في بلدة ترحين بريف حلب، ومعارة نعسان في ريف إدلب".

وقبل "نبع السلام"، كانت معركة غصن الزيتون، التي أطلقتها تركيا أيضاً بمشاركة فصائل من المعارضة السورية، في كانون الثاني/يناير 2018، ضد قوات "قسد" المتواجدة في عفرين، قد أدت إلى أزمة محروقات مشابهة وقتها، بعد قطع "قسد" طريق عفرين الرئيسة التي كان معبراً لوصول المحروقات إلى مناطق المعارضة في الشمال السوري.

حرب ضد "الحاضنة الشعبية"

"سبق ارتفاع أسعار المحروقات ارتفاع أسعار المواد الغذائية أيضاً"، نتيجة تدهور سعر صرف الليرة، بحسب محمد الأسعد (35 عاماً)، من مدينة جرابلس بريف حلب الشمالي.

هكذا صار الأسعد، والذي يتقاضى راتباً شهرياً قيمته 80 دولاراً أميركياً، مضطراً، كما ذكر لـ"سوريا على طول"، إلى "تقنين مصاريفي أكثر، رغم أنني أصلاً أعيش وأسرتي تقشفاً كبيراً في الغذاء واللباس. وبالنسبة للتدفئة، فأعتمد الوسائل البدائية لأنها أقل كلفة، رغم ما تحمله من أضرار صحية كبيرة".

الجيش الوطني بادل "قسد" إغلاق معبر الحمران من جهته، بعد أن "تم ضبط عدة شاحنات أقدمت "قسد" على تفخيخها، عدا عن منعها دخول شاحنات محملة بالمحروقات [إلى مناطق المعارضة]، وفرضت تفريغ حمولتها في نقطة جسر قرقوزات على نهر الفرات"، بحسب النقيب يحيى. معتبراً أن هدف "قسد" هو "محاربة الحاضنة الشعبية للجيش الوطني بقطع هذه المادة الأساسية [المحروقات] عنه".

وأضاف أن "المعابر بين شرق الفرات وغربه تغلق بعد كل عملية عسكرية يطلقها الجيش الوطني ضد قوات سوريا الديمقراطية، وتتجدد مشكلة استيراد النفط من شرق الفرات إلى مناطقنا".

أبعد من "نبع السلام"

ورغم أن المعابر بين تركيا ومناطق المعارضة في شمال غرب سوريا لم تتأثر بعملية نبع السلام، فقد شهدت المنطقة "ارتفاعاً جنونياً بسعر المازوت التركي. إذ وصل سعر اللتر 565 ليرة سورية [ 0.6دولار]، فيما كان يباع سابقاً بـنحو 260 ليرة [ 0.3 دولار]"، بحسب ما ذكر التاجر محمد بدران لـ"سوريا على طول".

وعدا عن تراجع الكميات نتيجة "نبع السلام"، عزا بدران الذي ينقل المحروقات من تركيا إلى جرابلس بريف حلب الشمالي، ارتفاع أسعار المحروقات المستوردة من تركيا إلى "هبوط سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار". ذلك أن "التسعيرة التركية ثابتة، وهي 4.60 ليرة تركية [ 0.8 دولار] للتر المازوت الواحد، لكن سعر الليرة في هبوط مستمر".

يضاف إلى ذلك أيضاً، احتكار استيراد المنتجات النفطية من تركيا إلى محافظة إدلب من قبل شركة واحدة. إذ تعد شركة وتد للبترول، والمرتبطة بـ"هيئة تحرير الشام"، المستورد الحصري للمشتقات النفطية من تركيا، والتي تدخل عبر معبر باب الهوى.

وعلاوة عن أن "وتد" ومن خلفها هيئة تحرير الشام تتحكمان بأسعار المحروقات، فإن تجار هذا القطاع وموزعيه في السوق "يحتكرون المحروقات ويبيعونها بأضعاف ما حددته الشركة، من دون رقابة للأسواق ومحاسبة المحتكرين"، بحسب ما ذكرت مصادر في إدلب لـ"سوريا على طول".

إذ أكد الإدلبي أن "نشرات الأسعار التي تنشرها وتد على صفحتها على "فيسبوك" غير دقيقة، ولا تتوافق مع الأسعار المعمول بها في المحطات". 

وقد سعت "سوريا على طول" للحصول على رد من القسم الإعلامي الخاص بالشركة، من دون نجاح.

وذهب الأسعد إلى أن "المازوت التركي لا يناسب الطبقة المتوسطة والفقيرة من عامة الشعب نظراً لارتفاع سعره، [عدا عن] أنه سينعكس على أسعار الكهرباء، والمياه والخبز ومصاريف التنقل".

لكن ارتفاع أسعار المحروقات، وانقطاع أصناف منها، زاد الطلب على وسائل أخرى للطاقة، من مثل مادتي الفحم والحطب، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها أيضاً. إذ "أصبح سعر طن الحطب الناشف  80 ألف ليرة سورية [94 دولاراً] بعد أن كان بـ50 ألف ليرة [59 دولاراً]"، بحسب ما ذكر مرشد الأحمد، أحد تجار الحطب في مدينة سرمدا، لـ"سوريا على طول".

التكيف ببدائل غير صحية

بدأت فاطمة يونس (35 عاماً) استعداداتها لفصل الشتاء بشراء "ثياب وأحذية بالية لاستخدامها في التدفئة"، كما قالت لـ"سوريا على طول" من مكان إقامتها في أحد المخيمات العشوائية في بلدة كفرلوسين بريف إدلب الشمالي.

وأضافت: "يبلغ سعر حقيبة الألبسة المستعملة، وزن 5 كيلوغرام، نحو 500 ليرة سورية [ 0.6 دولار]. أما حقيبة الأحذية البالية، فيبلغ سعرها نحو 1000 ليرة [قرابة 1 دولار]". لافتة إلى أنها قد تضطر في حال عدم قدرتها على الشراء إلى "إشعال إطارات السيارات، أو ما يتوفر في الأراضي الزراعية من حولنا".

ووصفت يونس حالة المخيم في أيام الشتاء الباردة بأنه "يمكنك رؤية غمامة سوداء في سماء المخيم ناتجة عن انبعاث الأدخنة من حرق الملابس والإطارات". ذلك أن "أهالي المخيمات في كل شتاء لا يعرفون طعم الدفء، ولا يستخدمون المازوت حتى قبل أن يرتفع [سعره] لعدم قدرتنا على شرائه".

أيضاً، فإن المازوت المكرر محلياً، والذي يعاني سكان شمال غرب سوريا من انقطاعه حالياً، هو "ذو نوعية رديئة ورائحة كريهة"، بحسب وصف المواطن أحمد الرحال، من مدينة إدلب. إلا أنه يتناسب مع القدرة الشرائية للمدنيين، لكن "ارتفاع [سعره] منعني من تركيب المدفأة حتى الآن. ووفق هذه الأسعار فإن البديل المناسب هو استخدام الحطب".

وختم متسائلاً: "لماذا نكون ضحية التفاهمات الدولية في كل مرة، والتي تنعكس على ظروفنا المعيشية كافة؟"