بيروت- في الساعة السادسة وسبع دقائق من مساء يوم الثلاثاء، 4 آب/ أغسطس الحالي، اشتعل 2,750 طناً من نترات الأمونيوم، مؤدية إلى انفجار هز العاصمة اللبنانية، بيروت، دمر أحياءً بأكملها. بعدها مباشرة، هرع أسمر نايف إلى المناطق المتضررة، لإخراج الناس من تحت الأنقاض. كما لم يمض سوى نصف ساعة على الحدث حتى فتح أحمد بيته لأولئك الذين فقدوا منازلهم جراء الانفجار. وبعد ساعتين، وصل فراس الغضبان مع فريقه الطبي من وادي البقاع، شرق لبنان.

هم جميعاً سوريون لجؤوا إلى لبنان فراراً من الحرب في سوريا. ومنذ الانفجار الأكبر في تاريخ لبنان، يعمل السوريون والفلسطينيون وأبناء جنسيات أخرى كتفاً بكتف مع اللبنانيين في إزالة الركام من الشوارع، وتقديم المأوى والمساعدة الطبية والغذائية للناجين. 

وقد بادرت السلطات اللبنانية إلى فتح تحقيق بشأن سبب تخزين نترات الأمونيوم منذ ست سنوات في مرفأ بيروت. إلا أن منظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش طالبتا بـ"تحقيق دولي مستقل" في الانفجار الذي أودى بحياة 158 شخصاً إضافة إلى أكثر من ستة آلاف جريح حتى الآن.

لحن لم تعهده بيروت

صورة تُظهر موقع انفجار 4 آب/أغسطس في مرفأ بيروت، 06/ 08/ 2020 (سوريا على طول) 

بعد 48 ساعة على الانفجار، كانت ما تزال أعمدة الدخان تتصاعد من موقع الانفجار في المرفاً، وعدد من السيارات ملطخة بالدماء. لكن رغم حرارة الطقس والرطوبة، كانت شوارع مار مخايل، أحد أكثر أحياء بيروت تضرراً، تعج يوم الخميس الماضي بأشخاص يحملون مكانس ومجارف لإزالة الأنقاض. من هؤلاء جهاد المصري، السوري البالغ من العمر 31 عاماً، والذي جاء إلى لبنان من مدينة حماة، وسط سوريا، العام 2017. 

يقول جهاد الذي يعمل مدرساً للرياضيات في تل تعلبايا، بوادي البقاع، إضافة إلى تطوعه مع منظمة بسمة وزيتونة: "كسوريين، نعرف أن هذا واجبنا. لقد أتينا إلى هنا [لبنان] هاربين من ألم مماثل؛ نحن نتشارك الألم ذاته". وقد قام مع مجموعته المؤلفة من عشرة متطوعين بإزالة الركام من شارع غورو الذي يعد بمثابة الشريان للأحياء المنتشرة على امتداد مرفأ بيروت، وينتهي بساحة الشهداء التي انطلقت منها شرارة الثورة اللبنانية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي ضد النخبة السياسية الحاكمة. 

جهاد المصري، لاجئ سوري يبلغ من العمر 31 عاماً، يساعد في إزالة الأنقاض بحي مار مخايل في بيروت، 06/ 08/ 2020 (سوريا على طول)

في تلك الساحة، يتواجد أيضاً فراس الغضبان في خيمة. فهو طبيب يبلغ من العمر 35 عاماً، لجأ إلى لبنان من مدينة الزبداني في ريف دمشق. وهو المدير الطبي لمنظمة "إندليس ميديكال أدفانتج" (إي. إم. إيه) التي تدير مركز رعاية صحية أولية في وادي البقاع.

مساء يوم الانفجار، توجه فريق المنظمة المؤلف من خمسة أشخاص إلى بيروت، في رحلة استمرت ساعتين بالسيارة، وشرعوا فور وصولهم بمساعدة الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبنانيين. ويستذكر فراس: "ذهبنا إلى مار مخايل، حيث رأينا شخصين تحت أنقاض مبنى منهار، لكن لم نستطع فعل شيء لهما". ويضيف: "كنت مرعوباً. كان هناك كثير من الجرحى". وقد أخذ الفريق على عاتقه أيضاً تنسيق عمليات التبرع بالدم في المستشفيات.

كان فراس قد فر من الحرب السورية في العام 2017. إلا أن كل ذكريات تلك الحرب المؤلمة أخذت تطارده وهو يسير في شوارع بيروت المدمرة. إذ "كان الدمار نفسه الذي عانته سوريا"، كما يقول لـ"سوريا على طول"، "عادت بي مخيلتي إلى تلك الأيام التي فقدنا فيها أصدقاء وعائلات لنا، إلى تلك الأيام التي كنا نرى فيها الناس يصرخون، إنها المشاهد ذاتها".

يوم الثلاثاء الذي شهد الانفجار، تعامل الفريق مع الإصابات والجروح الطفيفة. ومع حلول يوم الخميس، كانوا يعتنون بمرضى ضغط الدم والدُّوار. وكما يصف فراس: "كان أمس أفضل من الثلاثاء، واليوم أفضل من أمس". موضحاً أن فريقه يركز الآن على الرعاية الأولية، كون مستشفيات بيروت "لا تستطيع استقبال أي مرضى حالياً". فقد تضرر المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت ومستشفى القديس جورج، بشدة جراء الانفجار، بحيث تم "إرسال العديد من المرضى إلى صيدا والبقاع وطرابلس، كما توافد أطباء من مدن أخرى للمساعدة، لكن المستلزمات على وشك النفاد، وهم يحتاجون للتبرعات"، وفقاً لفراس. إذ حتى ما قبل الانفجار، كانت المستشفيات اللبنانية تعاني نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وعدم سداد المستحقات الحكومية وندرة المواد الطبية بسبب صعوبة الاستيراد الناجم عن تدهور قيمة العملة اللبنانية.

بعد فحص عشرة مرضى، أخذ فراس قسطاً من الراحة متحدثاً مع صديقه أسمر نايف، وهو سوري أيضاً يبلغ من العمر 23 عاما، لجأ من ريف حلب إلى بيروت في العام 2013. 

لحظة الانفجار، كان أسمر في منزله في مار إلياس بضواحي بيروت الجنوبية. "اهتز المنزل، وشعرت أن الأرض تتحرك بي"، كما يستذكر، "وقد ذكّرني بأول انفجارٍ سمعته خلال الحرب في سوريا". ومن خلال خبرته في تلك الحرب، علم أن الانفجار كان بعيداً، لأن "الانفجار القريب لا تسمعه"، كما يوضح.

أسمر نايف، لاجئ سوري يبلغ من العمر 23 عاماً، يقف في أحد شوارع بيروت، حيث تطوع لمساعدة الناجين منذ اليوم الأول للانفجار، 6/ 8/ 2020 (سوريا على طول)

بعد الانفجار مباشرة، ذهب أسمر مع مجموعة من الأصدقاء إلى المرفأ لإنقاذ الأشخاص العالقين تحت الأنقاض. وهو يتواجد منذ ذلك الحين في الشوارع للمساعدة. فصباح يوم الخميس، كان منهمكاً بإزالة الأنقاض من مستشفى سان جورج، مقرراً العودة ليلاً أيضاً بعد غفوة قصيرة. ويقول: "سأبقى هنا حتى نزيل الركام من شوارع بيروت كلها، ونساعد كل المحتاجين".

لم يستطع أسمر إنهاء دراسته الجامعية في بيروت لاضطراره للعمل لإعالة أسرته. ونظراً للأزمة الاقتصادية التي يمر فيها البلد، فقد ظل بلا عمل لمدة خمسة أشهر. ويقدر برنامج الغذاء العالمي أن 1.2 مليون لاجئ سوري –من أصل 1.5 مليون لاجئ يقيمون في لبنان- يعيشون على أقل من 2.9 دولار في اليوم. فيما يتوقع البنك الدولي أن تبلغ نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع في لبنان خلال العام 2020 حوالي 45%. وقد جاء انفجار الميناء ليفاقم الأمور سوءاً، إذ تسبب بأضرار تجاوزت قيمتها خمسة مليارات دولار.

وقد أدى الانفجار إلى تطاير شرفات المباني ونوافذها، بل وحول بعض المباني إلى مجرد ركام. وعلى جدار أحد المطاعم في قلب حي الجميزة، لم ينل منه الانفجار، توجد رسمة للمغنية اللبنانية الأشهر فيروز التي أهدت الحب لعاصمة بلادها بأغنية عنوانها "لبيروت... من قلبي سلام لبيروت".

لوحة للمغنية اللبنانية فيروز مرسومة على حائط مطعم في الجميزة، أحد أكثر أحياء بيروت تضرراً بالانفجار، 6/ 8/ 2020 (سوريا على طول)

لكن اللحن الذي يمكن سماعه هذه الأيام في بيروت هو لعشرات الأشخاص الذين يكنسون شظايا النوافذ المكسورة، كما نداء المتطوعين مقدمين عبوات المياه والمنقوشة للفرق التي تقوم بإزالة الركام.

وحتى بعيداً عن بيروت، وفي مدينة طرابلس إلى الشمال، لم يكد يمضي نصف ساعة حتى سارع أحمد القصير، السوري من بلدة القصير بريف حمص، إلى فتح منزله "لإخوتي اللبنانيين والسوريين المقيمين في بيروت المتضررين من الانفجار"، كما يقول.

وعلى امتداد لبنان، تتزايد المبادرات لتقديم مأوى لنحو 250 ألف شخص فقدوا منازلهم ببيروت. من ضمن ذلك خريطة تدل على أماكن الملاجئ، أو منشورات على موقع إنستغرام، وصولاً إلى موقع إلكتروني "بيروت هوم فايندر" (إيجاد منزل في بيروت). "كما فتح بعض اللاجئين السوريين من البقاع وطرابلس منازلهم للمنكوبين"، بحسب أحمد. "أما من لا يستطيعون ذلك، فإنهم يقومون بالتبرع بالدم أو توزيع الطعام أو تقديم  أعمال الترميم للمنازل المتضررة.

"كلنا واحد وألمنا واحد"

 أشخاص يحملون مكانس في أحد شوارع بيروت، 6/ 8/ 2020 (سوريا على طول)

عانى ما يقدر بنحو 1.5 مليون سوري يعيشون في لبنان –والذي يبلغ عدد سكانه ستة ملايين نسمة- من سياسات تمييزية وعنصرية منذ لجوئهم إلى هذا البلد بعد اندلاع الحرب السورية. لكن هؤلاء "السيئين" لا يمثلون لبنان، كما يشدد جهاد. "نعم، نعاني من بعض العنصرية من اللبنانيين، لكننا إخوة في نهاية الأمر"، كما يضيف، "ونحن هنا للمساعدة اليوم. نحن عرب، كلنا واحد، ألمنا واحد". وهو ما يؤيده فراس، إذ "صحيح أننا لم نشعر دائماً بترحيب، لكن الأمر يتعلق بالإنسانية، فهو أكبر من اللبنانيين والسوريين". معتبراً أن ما يقومون به حالياً "واجبنا. نحن نحتاج بعضنا الآخر".

وبالنسبة لأسمر، فإن "هذا يُظهر أننا جميعا في النهاية بشرٌ. وهذه طريقة لمواجهة العنصرية". مختتماً حديثه وقد علت وجهه ابتسامة حزينة: "في النهاية، بيروت هي أم العالم".

 

تم نشر أصل التقرير باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.