عمان- "نزوح فوق نزوح"، يصف أحمد العلي حاله وأسرته المكونة من والدته وأشقائه الثلاثة، وهم يحاولون الفرار من مدينة تل أبيض شمال مدينة الرقة، مع اشتداد القصف التركي على المدينة عقب إعلان أنقرة، أمس، انطلاق عملية "نبع السلام" التي تستهدف، بمساعدة الجيش الوطني السوري، إخراج المقاتلين الأكراد التي تعتبرهم تركيا إرهابيين، من منطقة شرق الفرات في سوريا.

فهذه ليست المرة الأولى التي ينزح فيها العلي(21 عاماً). إذ هو يقيم في مدينة تل أبيض نازحاً أيضاً، منذ العام 2017، من مسكنه الأصلي في منطقة أبو الحمام بريف دير الزور الشرقي الواقعة تحت سيطرة المليشيات الإيرانية التي تقاتل إلى جانب القوات الحكومية السورية. 

"هربت مع أهلي العام 2017 من العصابات الإيرانية"، كما قال لـ"سوريا على طول"، و"الآن أنا نازح بسبب الأتراك".

كان العلي خلال سعيه الوصول إلى الشمال السوري في العام 2017، قد اعتقل، كما روى، من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي وضعته في مخيم السد في الريف الجنوبي لمحافظة الحسكة. لكن بعد تسعة أشهر من الاحتجاز، "هربت من المخيم عن طريق مهرب إلى إحدى القرى المجاورة"، إنما ليتم اعتقاله مجدداً في مخيم عين عيسى في شمال مدينة الرقة، قبل أن يهرب مجدداً بعد دفع مبالغ طائلة لمهربين، مستقراً في غرفة واحدة مع 4 من أفراد عائلته في مدينة تل أبيض.

وقد خرج العلي صباح اليوم من تل أبيض من دون أن يحمل معه أي أمتعة شخصية، مع محاولات الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية المتحالفة معه اقتحام المدينة وسط ضربات جوية ومدفعية عنيفة.

"الآن نحن في استراحة سلوق جنوب مدينة تل أبيض، ولا أعرف إلى أين نتجه"، كما قال العلي، مجسداً في الواقع حال مئات آلاف المدنيين الذين يبدون عالقين في منطقة عسكرية لا منفذ آمن منها، بالإضافة إلى امتداد المعارك على طول 650 كيلو متراً، خلافاً لما كان متوقعاً بأن تقتصر الحملة التركية أو تتركز على المنطقة الممتدة بين رأس العين غرب محافظة الحسكة وتل أبيض شمال محافظة الرقة. ولذلك، لا يملك العلي، كما كثير من النازحين، سوى مراقبة سير المعركة ليقرر وجهته مع أهله الذي يتولى مسؤوليتهم نتيجة اختفاء والده عقب اعتقاله على يد القوات الحكومية العام 2012.

وعقب مضي 24 ساعة على بدء العملية العسكرية التركية، قدر عدد النازحين من مدن تل أبيض ورأس العين والدرباسية، وقرى على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، بأكثر من مئة ألف شخص.

أزمة إنسانية وشيكة

فيما تشهد مدينة الحسكة حركة نزوح كبيرة نحوها، كونها تبعد 85 كيلومتراً عن الحدود مع تركيا، تم وضع النازحين في المدارس التي تم تحويلها إلى مراكز للإيواء. كما استقبلت مدينة الرقة، بحسب عضو المكتب الإعلامي في مجلس الرقة المدني، أسامة خلف، ما يزيد عن 10 ألاف نازح من تل أبيض، وسط "مبادرات من أهالي المدينة لاستضافة النازحين".

في الوقت ذاته، أعلنت المديرية العامة لمياه الشرب في مدينة الحسكة خروج محطة المياه الوحيدة عن الخدمة بسبب القصف التركي الذي "استهدف محطة علوك لمياه الشرب في سري كانيه". وبحسب التصريح الصادر عن المديرية، فقد استهدفت المحطة بـ"(10) قذائف سقطت (3) منها في صالة الضخ وأصابت خطوط التغذية بالطاقة الكهربائية مما أدى إلى خروج المحطة عن الخدمة".

كذلك، أوقفت منظمة الهلال الأحمر الكردي "غالبية نشاطاتها في المدن والمخيمات [شرق الفرات] ووجهت جميع الفرق الإسعافية إلى الشريط الحدودي لإنقاذ المدنيين"، كما ذكر مدير المكتب الإعلامي في المنظمة أحمد إبراهيم، لـ"سوريا على طول".

وعقب إعلان الولايات المتحدة سحب عدد من جنودها من شرق سوريا، بما يسمح لتركيا بتنفيذ عمليتها العسكرية، حذرت منظمة "إنقاذ الطفل"، يوم الثلاثاء الماضي، من كارثة إنسانية قد تلحق بـأكثر من مليون ونصف المليون شخص يحتاجون المساعدة في المنطقة، بينهم أكثر من نص مليون نازح بسبب الحرب.

وفيما وثق الهلال الأحمر الكردي، حتى لحظة نشر هذا التقرير، "مقتل 10 أشخاص وإصابة 15 من المدنيين"، كشف إعلامي حربي من قوات "قسد"، لـ"سوريا على طول"، طلب عدم الكشف عن هويته كونه غير مخول بالتصريح للإعلام، أن "قسد" فقدت " 5 من عناصرها، فيما أصيب 14 آخرون". 

في المقابل، قال ناشط إعلامي في مدينة جرابلس، طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن "قسد استهدفت المدينة بأكثر من 10 صواريخ، بالإضافة إلى استهدافات بالرشاشات الثقيلة"، ما أدى، كما ذكر لـ"سوريا على طول"، إلى "مقتل مدني، وإصابة 7 آخرين".

ومع استمرار تضارب الأنباء على التطورات العسكرية على الأرض، بين حديث عن تقدم للقوات التركية والجيش الوطني السوري، وتمكن "قسد" في المقابل من إفشال الهجمات، يظل المؤكد بالنسبة لأحمد العلي أن "النزوح أصبح مصيري". وهو مصير يشاركه آلاف السوريين على اختلاف أعراقهم وأديانهم.