آلاء القاسم

عمان- في مخيم الزعتري للاجئين السوريين، تحوّلت السيدة نادية الحراكي من ربّة منزل تعنى بشؤون أسرتها وبيتها، إلى امرأة عاملة تتحمل مسؤولية العمل والإنفاق على أبنائها التسعة.

الحراكي(50 عاماً)، وصلت إلى مخيم الزعتري، في محافظة المفرق شمال الأردن، منتصف عام 2013 هرباً من القصف على مدينتها "المليحة الغربية"، الواقعة شرقي مدينة درعا، كما قالت لـ"سوريا على طول"، وبعد شهور من وصولها إلى المخيم أصيب زوجها بمرض أدى إلى تآكل مفصل قدمه، وتدهورت صحته إلى أن فارق الحياة.

ونتيجة لذلك، عملت الحراكي في متجر لبيع الألبسة، داخل المخيم، إلى أن سمعت عن دورات مهنية تستهدف نساء المخيم، فتملّكها رغبة المشاركة في إحدى الدورات، ولحسن حظها، تنشط مجموعة من المنظمات في الزعتري تعنى بدعم مثل تلك المشاريع، في إطار تمكين المرأة اقتصادياً.

تحققت رغبة الحراكي، إذ التحقت بدورة لتدريب فن الخياطة، نظّمتها "هيئة الأمم المتحدة لتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين" داخل المخيم، ومن ثم عملت معها لمدة عامين في المجال ذاته "ضاعفتُ خبراتي وحصلت على عائد مادي أصرف به على عائلتي" بحسب قولها.

نموذجان من إنتاج السيدة نادية الحراكي في مخيم الزعتري

 

قصة الحراكي تتشابه إلى حدّ كبير مع نساء أخريات في المخيم، من مثل لمياء الطويل (44 عاماً) ، التي تعيش مع أمها وأخواتها دون معيل في الزعتري، بعد عودة أخويها إلى سوريا.

لمياء، هي الأخرى قررت التغلب على ظروفها المعيشية، من خلال تعلّم حرفة يدوية، تعود عليها بمردود مادي، فالتحقت بعدة دورات، بحسب ما ذكرت لـ"سوريا على طول". إذ "تعلمتُ عدة حرف يدوية، كحياكة الصوف في دورة مع منظمة IRD، والخياطة في المركز السعودي لخدمة المجتمع، وتصنيع الصابون في مركز زحل التابع لليونيسيف، بالإضافة إلى دورات أخرى في إدارة المشاريع ومهارات الحياة".

دورة تصنيع الصابون فتحت لها باباً للعمل في "منظمة هيلين"، التي تعنى بتوفير مساحة لممارسة النساء أعمالهن اليدوية، وعبر المنظمة، "تبيع النساء منتجاتهن المتنوعة من تصنيع الاكسسوارات أو الصابون أو مواد التجميل للزبائن" بحسب قولها، لافتة إلى أن "الأرباح تعود للعاملات، [إذ] يستخدمن جزءاً منه لتغطية تكاليف معيشتهن، ويشترين بالقسم الآخر المواد التشغيلية الأولية".

وتعد مشاريع التمكين الاقتصادي للمرأة واحدة من عدة مشاريع تدعمها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين داخل مخيم الزعتري، إذ "تتوزع مجالات تمكين المرأة على عدة مستويات منها: التعليمي، الحماية، الاقتصاد، الثقافة" بحسب ما ذكر عضو مكتب العلاقات الخارجية في المفوضية، محمد طاهر، لـ"سوريا على طول". لافتاً إلى أن "عدد المشاريع الاقتصادية البيتية التي تديرها السيدات في المخيم تبلغ نحو 165 مشروعاً من أصل 311".

من التمكين الشخصي إلى الريادية

بعد عامين من عملها مع هيئة الأمم المتحدة لتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، تحوّلت نادية الحراكي من عاملة في مجال الخياطة إلى مدربة، وشاركت في التدريب مع عدة منظمات منها منظمة الإغاثة والتنمية الدولية IRD، ومنظمة الاتحاد اللوثري LWF.

وتشرف الحراكي على تدريب نساء وفتيات من الزعتري "في أربع دورات سنوياً، بمعدل 27 متدربة في كل دورة" إلى جانب عملها "كمتطوعة ومشرفة في اللجنة النسائية التابعة لمنظمة IRD] بحسب قولها. 

ميسون الحوراني، سيدة أخرى من سيدات الزعتري، حصلت على دورة مع منظمة "كويست سكوب"، لمدة أربع أشهر، أتقنت خلالها مزاولة فن السيراميك والرسم على الزجاج، والتدريب عليها، بحسب ما ذكرت لـ"سوريا على طول".

بعد ذلك عملت الحوراني مع هيئة الأمم المتحدة لتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، كمدربة لغيرها من السيدات السوريات، لقاء راتب شهري يكفيها لإعالة عائلتها. كما أسهمت مع مجموعة من المتدربات في تشكيل شعارات لعدد من المنظمات مصنوعة من السيراميك، إذ "توفر الهيئة المواد الأولية، ومن ثم يتم بيع اللوحات في معارض عمّان" بحسب قولها.

لوحة مصنوعة من السيراميك، فيها أعلام الداعمين الرئيسيين لمخيم الزعتري، من صنع ميسون الحوراني وزميلاتها

 

نموذج الحراكي والحوراني هو ما تعمل عليه الهيئات والمنظمات المدعومة من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إذ إلى جانب دعم وتمكين المرأة "تسعى المفوضية إلى التركيز على دور المرأة الفعال في المجتمع ودعم غيرها من السيدات" بحسب ما ذكر العضو في مكتب العلاقات الخارجية للمفوضية محمد طاهر.

ومن أجل ذلك، "تتبع هيئة تمكين المرأة في تشغيل اللاجئات واللاجئين السوريين ضمن كوادرها داخل المخيم سياسة التناوب، أو تبديل الموظفين، والمعروف بالإنجليزية Rotaion، بهدف توزيع الفرص على أكبر عدد من المستفيدين والمستفيدات في المخيم من برامج المنظمة" بحسب ما ذكرت مديرة المركز السعودي لخدمة المجتمع في مخيم الزعتري، رنا الصيص، لـ"سوريا على طول".

بدأ نشاط الصيص كمتطوعة مع هيئة الأمم المتحدة قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات، وكانت وظيفتها تسجيل أسماء الحضور والغياب في أنظمة الهيئة، وترقت إلى أن بلغت مرتبة "مساعد إداري" في ثلاثة مشاريع تابعة للهيئة، قبل أن تغادر وظيفتها بهدف إتاحة المجال لغيرها.

الصيص، والتي تدير حالياً مركزاً مدعوماً من إدارة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، هي في الأصل لاجئة سورية من محافظة درعا جنوب سوريا، كان جلّ تركيزها قبل اللجوء على تربية أطفالها ومتابعة تعليمهم، كما ذكرت، إلا أن "ظروف اللجوء دفعتني إلى البحث عن عمل يلبي احتياجاتنا المنزلية" 

واليوم، تعدّ الصيص، واحدة من السوريات اللواتي تحولن من مستفيدات من برامج المنظمات والهيئات العاملة في المخيم إلى داعمات لغيرهنّ اقتصادياً ونفسياً وحقوقياً.

ويقدم المركز الذي تديره الصيص "دورات مهنية في مجال الخياطة والتطريز والحرف اليدوية ومهارات الطبخ، إلى جانب دورات تعليمية مثل الحاسوب ومحو الأمية وتحفيظ القرآن الكريم والآداب الإسلامية، [عدا عن] دروس تقوية للطلبة في كافة المراحل الدراسية من الأول حتى الثانوية العامة" بحسب قولها.

الاستفادة من مشاريع تمكين المرأة في مخيم الزعتري، الذي يقدر عدد سكانه بنحو 78 ألف نسمة، مهمٌ بالنسبة لنساء المخيم، من مثل نادية الحراكي، ولكن إفادة غيرها من نساء بلدها اللاجئات في المخيم لا يقل أهمية. إذ ختمت قولها "دعم نساء بلدي ونقل الخبرات لهم والمساهمة في تمكينهن يشعرني بالسعادة والرضا".

 

تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع مؤسسة سوريا على طول "ربط المجتمعات من خلال التشارك المهني" والذي ينفذ بالشراكة مع برنامج "دايركت إيد" التابع للسفارة الأسترالية في عمان.