بيروت- عندما أُطلق سراح أخيها بعد احتجازه لمدة سبعة أشهر في أحد السجون السورية العام 2011، سألته ياسمين: "ما أكثر ما كان يخيفك في السجن؟". منذئذ لا يكاد جوابه يغيب عن ذهنها أبداً: "خفت أن النظام تمكن من خنق صوتي، وأنكم لا تتكلمون عني. إذ سنكون [نحن المعتقلون] بحكم المنتهين إذا لم تقُم عائلاتنا بإعلاء صوتها بشأننا". 

بعد عامين من ذلك، أعيد اعتقال شقيق ياسمين، وهو طالب جامعي شارك في الاحتجاجات في سوريا، وما يزال مصيره مجهولاً حتى الساعة. وهو واحد من 60 ألف مفقود منذ العام 2011. وكما تقول ياسمين، التي تبلغ من العمر 31 عاماً وتقيم في لبنان، لـ"سوريا على طول": "لا يمكنني أن ألتزم الصمت، سوف أرفع صوتي عالياً من أجل أخي لأنه لا يستطيع أن يرفع صوته". 

تنشط ياسمين اليوم مع حركة "عائلات من أجل الحرية". وهي حركة تقودها نساء، وتناضل من أجل قضية المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا. وللحركة مجموعات ناشطة في كل من لبنان، وتركيا، وألمانيا والمملكة المتحدة، فيما يعملن حالياً على إنشاء مجموعات أيضاً في كل من الأردن وهولندا. وقد أُطلقت الحركة في سويسرا العام 2017 من قبل خمس نساء، بينهن المحامية في مجال حقوق الإنسان نورا غازي. 

إذ اختبرت نورا، منذ مرحلة مبكرة من عمرها، محنة عدم معرفة مصير أحبتها. فوالدها كان رئيس حزب معارض، فتعرض للاعتقال مراراً. وقد "كبرت بين المُعتقلين"، كما تذكر لـ"سوريا على طول"، و"قررت أن أصبح محامية حقوق إنسان مذ كان عمري عمري 12 عاماً". 

في بدايات ثورة العام 2011، التقت نورا بالناشط المعروف على صعيد حرية الإنترنت باسل خرطبيل، وتزوجا لاحقاً. لكن تم اعتقال باسل ونقله إلى مكان مجهول. وفي المقهى الذي التقينا فيه في مدينة بيروت، تشرح نورا ما تقوم به حالياً بقولها: "لسنا مجرد أقارب لأشخاص مفقودين أو معتقلين أو مختفين قسرياً. نحن ناشطات ومدافعات عن المعتقلين والمختفين قسرياً". 

وتقود نورا حالياً منظمة "نو فوتو زون (No Photo Zone) التي تقدم الدعم القانوني والنفسي-الاجتماعي وتوفر التعليم لعائلات المعتقلين والمختفين قسرياً. 

وبما أن معظم المُعتقلين هم من الناشطين الذكور، تعتقد ياسمين أن النظام السوري قلّل من شأن قوة النساء بسبب تفكيره الأبوي. موضحة: "اعتقدوا أنه عندما يموت الرجال سوف تموت النساء وهن أحياء، وسيبقين في المنزل طوال اليوم غارقات في الأسى. لكنهم اكتشفوا أن النساء انضممن إلى مجموعات منظمة ورفعن صوتهن عالياً". 

ومن الأرجنتين إلى البوسنة والهرسك ولبنان، لعبت النساء دوراً أساسياً في المطالبة بالمحاسبة بشأن مصير المختفين. فعلى مدار عقود، طالبت مجموعات مثل "أمهات سربرنيتشا"، بالحقيقة بشأن مصير أحبتهن المختفين خلال الحروب. وبعد لقائها نساء من تلك المجموعات، تعلمت نورا، كما تقول، "الصبر، وبناء الخطوات، والتمتع بالقوة مثلهن، وتقبل ما حدث لأحبتنا". وبالنسبة لياسمين، فإن الدرس الرئيس هو توحيد أصوات النساء، إذ إن "هذا ما يجعل قضيتنا أقوى لأنها قضية دولية"، كما تشدد. 

كسر حاجز الخوف

حالياً، تنشط 40 امرأة في مجموعة "عائلات من أجل الحرية" في لبنان وحده. لكن تشكيل هذه المجموعة احتاج إلى تخطي الخوف. وتتذكر ياسمين كيف كانت ترى نساء من هذه العائلات يبكين لوحدهن في بيوتهن، ثم عندما بدأن يُشاركن في الأنشطة "تم كسر حاجز الخوف". وقد أخبرتهن ياسمين: "علينا أن نتحرك، لن تُخرج صلواتنا المعتقلين".  

في البداية، ولبناء الثقة، قامت النساء بتوزيع الأكل في شهر رمضان على عائلات المعتقلين. ثم تم تعليمهن كيفية توثيق القضايا والبحث عن أقاربهن المختفين عن طريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كما تقدم المجموعة الدعم النفسي-الاجتماعي، وكيفية التعامل مع التوتر أو نوبات الهلع، وتناقش بأريحية أثر الفقد على حيواتهن. تقول ياسمين: "نحتاج أن نكون قويّات لنتحمّل مسؤولية الدفاع [عن المعتقلين]".

وتعبر ياسمين، التي قاربت على إتمام دراستها الجامعية في تخصص علم النفس، عن ألمهن باستخدام مصطلح "الفقد غير المحسوم"، إذ إن أخي "اختفى، فهل هو حيّ أم ميّت؟ لا نعلم، وهذا أمر صعب للغاية". 

في تموز/يوليو 2018، أصدر النظام السوري مئات شهادات الوفاة لمعتقلين، كان من بينهم والد ياسمين وزوج نورا. وقد كان وجود "عائلات من أجل الحرية" أمراً أساسياً في تلك اللحظات الحرجة، كما تقول نورا؛ إذ "تشعرين أنك لست وحدكِ، بل محاطة بعائلة. لديكن الألم ذاته ونحلم بمعرفة الحقيقة".

وعلى الرغم من الأخبار المأساوية، استمرت ياسمين ونورا في نضالهن من أجل قضية المعتقلين. "كان بإمكاني أن أستسلم للتعب والحزن، وأن أسلّم بأن الأمر لن يُفيد والدي، أو أخي أو بقية المعتقلين" بحسب ياسمين، "أو أن أختار القيام بشيء". ونظَّمت 25 امرأة فعاليةً تكريماً للمعتقلين، حيث وزعن الورد والمياه بهدف رفع الوعي بقضيتهم في لبنان. تقول ياسمين: "يطالبنا بعض الناس هنا بالعودة إلى سوريا، بدعوى أنه لم يعد هناك نزاع. لذا نظمنا هذه الفعالية لنريهم ما يفعله النظام؛ لقد قتل أحبتنا". 

أطفال يحملون صور أقاربهم الذين قضوا أو ما زالوا مختفين في سجون النظام السوري خلال فعالية نظمتها "عائلات من أجل الحرية" في لبنان. تموز/يوليو 2018 (عائلات من أجل الحرية) 

لم يتم إعلام ياسمين بمكان دفن والدها، وكذلك الأمر بشأن زوج نورا. وفي مشوارهما للبحث عن الحقيقة، تأمل كلتاهما أن "تتم محاسبة مرتكبي الجريمة وتحقيق العدالة من أجل السوريين ومستقبل سوريا، فلا يوجد سلام دائم من دون حل هذه القضية"، بحسب نورا.  

بصيص أمل من كوبلنز

في الأسابيع الأخيرة، توجهت أنظار عائلات المعتقلين والناجين من التعذيب في سجون النظام السوري إلى مدينة كوبلنز الألمانية، حيث بدأت أول محاكمة في العالم لمتهمين بممارسة التعذيب في تلك السجون، هما الضابطان سابقان في الأجهزة الأمنية السورية أنور رسلان وإياد الغريب. 

وتمثّل هذه المحاكمة بصيصاً من أمل، وإن كان محدوداً. فهي "الخطوة الأولى نحو العدالة"، برأي ياسمين، "نحن نسير بالاتجاه الصحيح. ما يزال الضوء بعيداً جداً، لكنني أستطيع أن أراه". أما نورا فترى أن "هذه المحاسبة هي لأشخاص تلقوا الأوامر ممّن هم أعلى منهم رتبة، وآمل أن تتم محاسبة القادة". 

لقد ترك فشل المجتمع الدولي في وقف المذبحة في سوريا ندبة في نفوس كثير من الناشطين، بحيث تقول ياسمين: "نحن لا نثق بالمجتمع الدولي، لأنهم يرون ما حدث ولكنهم لا يرغبون في التحرك". وهو عبرت عنه نورا أيضاً عندما خاطبت مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لمدة عشر دقائق، في 16 حزيران/يونيو الماضي، متحدثة عن معاناة الشعب السوري. إذ يومها سألت نورا الحضور: "هل وجودي هنا يشكل حقاً أي إضافة لإيجاد حل لقضية المعتقلين والمختفين قسرياً في سوريا؟" وتضيف نورا لـ"سوريا على طول": "أشعر أنه في بعض الأحيان يتم استخدامنا بطريقةٍ ما لأنه لا توجد إرادة سياسية دولية لوقف معاناتنا". 

العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي كجريمة ضد الإنسانية

تقود النساء السوريات أيضاً معركة أخرى تُطالب بمحاسبة مرتكبي العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي في مراكز التوقيف والاعتقال السورية. وفي مؤتمرٍ صحفي، في 17 حزيران/يونيو الماضي، أعلن كل من المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، وشبكة النساء السوريات ومنظمة أورنامو عن تقديمهم شكوى لدى المدعي العام الاتحادي الألماني ضد مدير إدارة المخابرات الجوية السورية السابق جميل الحسن، وثمانية مسؤولين آخرين رفيعي المستوى، بسبب العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي في مراكز التوقيف والاعتقال في دمشق ومدينة حماة. وهناك سبعة ناجين (أربع نساء وثلاثة رجال) يقيمون حالياً في المنفى في أوروبا، هم أطراف في الشكوى؛ إذ شهدوا أو تعرضوا للاغتصاب أو التهديد به، والتحرش الجنسي، وصعقات كهربائية للأعضاء التناسلية، والتعرية الإجبارية والإجهاض القسري. 

ليلي كاثر (يسار)، المستشارة القانونية في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان ليلي كاثر، وجمانة سيف، الباحثة الزميلة في المركز، تُحضّران وثائق الشكوى الجنائية ضد مرتكبي جرائم جنسية في سوريا، 17/ 06/ 2020 (المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان) 

وفي مؤتمر صحفي عُقد في 18 حزيران/يونيو الماضي، ذكرت خبيرة قانون حقوق الإنسان ساريتا أشرف أن "النساء والنسويات من أعضاء المجتمع المدني ومنظماته" قدن الجهود لمحاسبة مرتكبي العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي حول العالم؛ من رواندا إلى يوغسلافيا. وأضافت: "نرى اليوم هذه السردية تتكرر في الطريق نحو المحاسبة بشأن الجرائم المرتكبة في سوريا، والتي يتم النظر فيها حالياً ضمن الاختصاص الدولي في محاكم ألمانيا". 

لم يتم حتى الآن اعتبار جرائم العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي جرائم ضد الإنسانية، وإنما تُعامل كأساليب تعذيب وحسب. وتقول أشرف: "الاعتراف بجريمة يعني أن تسميها باسمها الحقيقي". مضيفة أنه عندما يتم اعتبارها جريمة ضد الإنسانية، يتم التعامل معها حينها لا بوصفها "فعلاً معزولاً وحسب، بل كاعتداء واضطهاد من قبل الدولة". 

وكانت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا، خلصت، في العام 2018، إلى أن العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي "جزء من اعتداء ممنهج وواسع الانتشار ضد المدنيين ويرقى إلى جرائم ضد الإنسانية". وأشار تقرير اللجنة إلى تعرض النساء للتفتيش الجسدي المهين والاغتصاب، بينما تعرض الرجال للاغتصاب، وصعق أعضائهم التناسلية بالكهرباء وقطعها.  

بيد أن النساء واجهن عقوبة مزدوجة. فإلى جانب تعرضهن للتعذيب داخل السجون، فإنهن عانين أيضاً من الوصمة الاجتماعية عقب إطلاق سراحهن. وكما تقول سيما ناصر من أورنامو، فإن المجتمع السوري "ينظر للنساء المعتقلات على أنهن يحملن شرف العائلة، وقد فقدن هذا الشرف في الاعتقال". مضيفة في المؤتمر الصحفي ذاته أن "هذه كانت سياسة متبعة لنزع إنسانية وأخلاقية العائلات والنساء باستخدام العنف الجنسي وذلك لإحداث أثر طويل الأمد بعد إطلاق سراحهن". 

 لهذا السبب، تعتبر جمانة سيف، الباحثة الزميلة في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، أن النظام السوري "كان يعوّل على صعوبة الإبلاغ عن مثل هذه الجرائم في مجتمع مثل المجتمع السوري واعتقد [مسؤولو هذا النظام] أن بإمكانهم الإفلات من العقوبة والتمتع بالحصانة". 

وبالتالي، ما لم يكُن في حسبان النظام السوري هو أن النساء السوريات، بعد مرور سنوات، سيواصلن النضال من أجل محاسبة المسؤولين. وتتوقع سيف أن تتم ملاحقة آخرين من عناصر النظام السوري، ممّن ارتكبوا الجرائم، في المستقبل، إذ إن "ما حدث في ألمانيا ليس إلا البداية نحو المزيد"، كما تشدد.  

*لم يتم الإفصاح عن اسم ياسمين الكامل حرصاً على سلامتها. 

 

تم نشر أصل هذا التقرير باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية لينا شنك