سيدتان من مخيم اليرموك، ٢٠١٥. تصوير: نيراز سعيد.

خلال أيام الحصار، كان الشابان المصوران نيراز سعيد وأحمد عباس يجوبان شوارع مخيم اليرموك- الذي كان يضم أكبر تجمع للفلسطينيين في سوريا- بحثا عن القصص غير المروية في المنطقة المحاصرة في جنوب دمشق. وفي تحد للقصف والجوع والتهديدات من كل أطراف النزاع، كرس الاثنان حياتهما لإيصال صوت أهالي اليرموك.

قال عباس لمراسل سوريا على طول، محمد الحاج علي "نيراز أحد  المصورين والصحفيين الكثر في سوريا الذين ضحوا بكل ما لديهم، ضحوا بمستقبلهم وحياتهم".

في الأسبوع الماضي، أعلنت لميس الخطيب، زوجة سعيد، والتي تعيش حالياً في أوروبا، عبر صفحتها على موقع فيسبوك نبأ استشهاد سعيد في سجن الحكومة السورية، بعد سنوات من الاعتقال.

وكتبت "ما في أصعب من إنو أكتب هاد الكلام...بس نيراز ما بموت عالساكت".

في هذه المقابلة مع سوريا على طول، وبعد أسبوع من إعلان الخطيب عن وفاة سعيد، يحيي صديقه المقرب وزميله المصور أحمد عباس ذكراه والإرث الذي تركه خلفه للمجتمع الفلسطيني في سوريا، ولمخيم اليرموك على وجه الخصوص.

قال عباس "نيراز كان أكثر إبداعاً وفنا مني ومن البقية".  بعد اختفاء سعيد في عام ٢٠١٥، واصل عباس ومن تبقى من النشطاء تصوير وتوثيق الأحداث في جنوب دمشق، لكن عملهم كان دائما يفتقد "اللمسة الأخيرة" بحسب عباس.

وقد نالت صورة سعيد "الملوك الثلاثة" التقدير والثناء على مستوى العالم عندما فازت في مسابقة التصوير الفوتوغرافي للشباب في عام ٢٠١٤. وظهر في الصورة، باللونين الأبيض والأسود، ثلاثة أشقاء من مخيم اليرموك في انتظار نقلهم إلى خارج المخيم لتلقي العلاج.

وعلى الرغم من أن مساحة المخيم لا تتجاوز ٢ كيلومتر مربع، كان قبل عام ٢٠١١ يضم أكبر جالية فلسطينية في سوريا، حيث يعيش فيه أكثر من ١٦٠ ألف فلسطيني. كما كان واحداً من أكثر المواقع رمزية للشتات الفلسطيني.

وشقت الثورة طريقها ببطء داخل المخيم على الرغم من بعض المحاولات المبكّرة للناشطين والجماعات المحلية للبقاء على الحياد. ولكن قبل كانون الأول ٢٠١٢ قصفت القوات الجوية السورية اليرموك واقتحمت قوات المعارضة المخيم في اليوم التالي. وبحلول عام ٢٠١٣، أصبح المخيم محاصرا والحركة منه وإليه مقيدة.

عندها عاد سعيد من مكان إقامته المؤقتة في الجزائر، مصمماً- بحسب العباس- على الوقوف "إلى جانب الأهالي المحاصرين في المخيم".

وفي حزيران ٢٠١٣، فرضت الحكومة وحلفاؤها حصاراً خانقا على المخيم الفلسطيني، حيث منعوا دخول المواد الغذائية الأساسية والإمدادات الطبية والوقود تاركين سكان المخيم على حافة الموت جوعا. وبحسب التقديرات، قتل حوالي ١٣٥٥ فلسطيني من مخيم اليرموك منذ بداية النزاع، بما في ذلك أكثر من ٢٠٠ فلسطيني لقوا حتفهم خلال الحصار على المخيم، بسبب التجويع وعدم الحصول على الرعاية الطبية، وفقا لتقرير صادر عن مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا.

نيراز سعيد على سطح أحد المنازل في مخيم اليرموك. تصوير: أحمد عباس.

وعندما سيطر تنظيم الدولة على معظم أجزاء المخيم في ربيع عام ٢٠١٥، فر سعيد وعباس- جنبا إلى جنب مع زملائهم من الناشطين وآلاف العائلات- إلى منطقة يلدا المجاورة التي تسيطر عليها المعارضة. وبعد بضعة أشهر، سهلت اتفاقية سرية بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطات السورية والشخصيات الفلسطينية المؤيدة للحكومة خروج السعيد مع عدد من النشطاء الآخرين إلى دمشق. وفي حين تمكن معظمهم من الفرار من البلاد، إلا أنه بعد ذلك بفترة قصيرة، تم تسليم سعيد للسلطات واختفى في تشرين الأول٢٠١٥، وفقاً لعباس. ولم تسمع عائلة سعيد وأصدقاؤه أي أخبار عنه مرة أخرى.

وغادر عباس جنوب دمشق إلى دير بلوط، وهو مخيم للنازحين تابع للمعارضة في شمال سوريا، في أيار من هذا العام، كجزء من اتفاقية تسوية تمت بوساطة روسية بين المعارضة والحكومة، تضمنت إجلاء السكان إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في الشمال، ثم انتقل عباس إلى تركيا.

وفي الوقت الذي كان نبأ وفاة سعيد صاعقا بالنسبة لعباس، فإنه يقول بأنه واثق من أن إرث صديقه سيعيش.

"أعدموا نيراز ليخنقوا صوته.... [لكنه] ترك وراءه صوره التي كانت تتحدث عن نفسها".

كيف أثر اختفاء نيراز، ومؤخرا نبأ وفاته، عليك؟

شيء يحرق القلب والروح.

كنا أصدقاء منذ الصف العاشر، وعشنا سويا في بيت واحد أثناء الأزمة. تقاسمنا كل شي، حياتنا كلها كانت مشتركة. أتذكره بكل التفاصيل، عشنا لحظات حلوة ومرة معا. وكنا نعمل سوية أحمل كاميرتي ويحمل كاميرته.

عندما علمت بأن نيراز استشهد سقطت كل القوة التي كانت داخلي أحسست بالخسارة. كان من المفترض أن نكمل حلمنا معا، نعيش معا نكمل طريقنا معا، لكن لا نستطيع دائما الحصول على كل الأشياء التي نحبها. نيراز سيبقى حي بداخلنا اليوم وغدا ولآخر العمر.

من الصعب أن يتحمل شخص في هذا العالم أساليب التعذيب الوحشية التي يستخدمها النظام ضد المعتقلين. كنا دائما خائفين من أن نسمع خبر استشهاده وكنا نكذّبه في كثير من الأحيان.

ما يزال لديّ أمل بأن تكون هذه كذبة وأن يكون نيراز حي.

برأيك، ما هي أهم صورة التقطها نيراز؟

كل صور نيراز كانت مهمة، لكن صورة الملوك الثلاثة كانت مختلفة، لأنها كانت تصور الوضع المأساوي الذي يمر به المخيم. الصورة كانت تعبر عن كل الألم في المخيم المحاصر من قبل النظام.

طفل في مخيم اليرموك، ٢٠١٥. تصوير: نيراز سعيد.

كيف أثر اختفاء نيراز على المجتمع المدني في المخيم؟

عندما خرج نيراز فقدنا أحد أهم الأشخاص الذين كانوا ينقلون الصورة للعالم بطريقة صحيحة.

نيراز نشأ بين أساتذة للتصوير داخل المخيم قبل الأزمة ب ١٠ او ١٢ سنة، عمل أكثر من فيلم وأكثر من معرض، قبل الأزمة طبعا.

في البداية كان في الجزائر، ومع بداية الأزمة عاد إلى المخيم، عام 2013، أراد أن يقف إلى جانبنا وإلى جانب الأهالي المحاصرين بالمخيم.

نيراز كان أكثر إبداعا وفنا مني ومن البقية. واصلنا عملنا في مجال التصوير وإيصال الصورة من بعده، لكن كنا دائما نحس بفقدان نيراز، كنا دائما نحس بفقدان اللمسة الأخيرة.

فغياب نيراز أثر كثيرا على مستوى الرأي العام ونسب المشاهدة واهتمام الصحفيين العالميين.

يُعتبر الفلسطينيون غالبا عالقين بين أطراف النزاع المختلفة. كيف كان وضعك أنت ونيراز من هذه الناحية؟

كنا دائما نتحدث انا ونيراز عن هذا الموضوع. كان الضغط كبيرا جدا، كنا عالقين بين فكي كماشة. نحن كفلسطينيين وقفنا مع الشعب السوري الذي تعرض لأبشع أنواع التعذيب والقتل، لأنه طالب بإسقاط الرئيس، كنا نأمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وكان من واجبنا أن نقف مع أطفال حمص ودرعا وحلب وغيرها من المدن السورية، كنا نأمن بسلمية الثورة السورية.

عندما دخلت داعش على المخيم بشهر ٤- ٢٠١٥، خرجنا من المخيم انا ونيراز وكل الناشطين وعدد كبير من الأهالي باتجاه بلدة يلدا التي كانت تحت سيطرة قوات المعارضة.

لم يكن باستطاعتي الدخول إلى المخيم لأني مطلوب لدى النظام وداعش أيضا.

ما هو الإرث الذي تركه نيراز للفلسطينيين في مخيم اليرموك وفي سوريا بشكل عام؟

تمكن نيراز وكثير من الناشطين الإعلاميين داخل المخيم من إيصال صوت المحاصرين لكل العالم. هذا الشيء ترك أثرا كبيرا داخل المحاصرين، كان يعطيهم دفعة معنوية كبيرة على الرغم من كل الألم الذي كانوا يعيشونه.

أعدموا نيراز ليخنقوا صوته. أعدموه لكنهم لا يعلمون أن نيراز ترك وراءه صوره التي رآها كل العالم، والتي كانت تتحدث عن نفسها. كانت الصورة بألف كلمة، وعندما ترى صوره تصلك على الفور رسالتها دون أن تقرأ التفاصيل المكتوبة عنها، إنها تتحدث عن حجم البؤس والألم والأمل في بعض الأحيان.

ونيراز أحد المصورين والصحفيين الكثر في سوريا الذين ضحوا بكل ما لديهم، ضحوا بمستقبلهم وحياتهم مقابل ألا نموت ونحن صامتين.

 

ترجمة: سما محمد.