بيروت- في 5 أيلول/سبتمبر الحالي، شعر محمود توفيق إبراهيم (42 عاماً)، اللاجئ من حلب، أنه أزف الرحيل عن لبنان وآن الأوان لمغادرتها. وما لبث أن همّ بالرحيل من بيروت التي عاش فيها لعامين، رفقة زوجته وابنته وابنه، متجهين إلى معبر المصنع على الحدود اللبنانية السورية قرابة الساعة 1:30 من بعد ظهر ذلك اليوم.

تقيم العائلة بشكل قانوني في لبنان "فكل الوثائق قانونية وسارية وفق المطلوب"، كما قال محمود لـ"سوريا على طول". ولكن عندما ذهب لمتابعة الجوازات على الحدود "أخبرني الضابط [اللبناني] أن أبقى خارجاً. حاولت ثانية، فدفعني بعيداً".

وبحسب محمود، فقد تم ختم جوازي سفر زوجته وابنه للعودة إلى سوريا، لكن لم يختم له ولابنته ذات السبعة عشر ربيعاً. "أخبرني أن أخرج، وحين سألته لماذا أجابني: خليك برا، كلب سوري".

بعد أن وجد محمود أنه وابنته زينب عالقون على الحدود، أخبره أحدهم أن يحاولوا العبور بطريقة غير شرعية عبر الطريق الجبلي. لكن في أثناء محاولتهما العبور فارقت زينب الحياة. وتم نقل جثمانها من قبل الدفاع المدني اللبناني في الساعة 17:45 إلى مستشفى في زحلة، لتدفن فيما بعد في وادي البقاع.

وكانت عائلة محمود تحاول الهروب من مأساة الانهيار الاقتصادي التي حلت بلبنان.  موضحاً ربّ العائلة بأنه "لا يوجد عمل. الوضع في لبنان سيء. لا يمكننا أن نأكل أو نشرب، ولا أن نتنقل بحرية". لافتاً إلى أنهم لا يتلقون المساعدات من أي منظمة، وليس بإمكانهم دفع الإيجار. لذلك "كنت فقط أريد العودة إلى سوريا، أن أعود إلى بلدي" ردد هذه العبارة طيلة حديثه في المقابلة.

هذه العائلة السورية، هي واحدة من عشرات العائلات التي وجدت نفسها خلال الأيام القليلة الماضية عالقة في المنطقة العازلة بين الحدود اللبنانية-السورية، عند معبر المصنع الحدودي. ولم يكن بإمكان معظمهم دفع 100 دولار"رسم" الدخول إلى سوريا، وما إن غادروا أراضي لبنان لم يعد بمقدورهم العودة إليها.

وحتى وقت نشر هذه القصة، لم يتضح كم هو عدد السوريين الذين تقطعت بهم السبل على المعبر. إذ لم يتمكن الأمن اللبناني من حصر أعداد الناس العالقين هناك، بحسب مصدر في الأمن العام اللبناني، وذلك كما قال لـ"سوريا على طول" "لأنهم غير عالقين على الجانب اللبناني"، فهم على بعد خمس كيلومترات من المعبر الحدودي اللبناني. كما لم تتلق "سوريا على طول" رداً من السفارة السورية في لبنان حتى لحظة نشر التقرير.

ومن جهتها، قالت هيا الأتاسي، المتحدثة باسم الرابطة السورية لكرامة المواطن، وهي هيئة شعبية حقوقية تم تأسيسها من قبل سوريين لخدمة مواطنيهم، "من الصعب تحديد الأعداد بدقة، لأن النظام السوري يفتح المجال للدخول أحياناً، كما يفتح اللبنانيون معبرهم أحياناً، وفي أحيان أخرى يتمكن الناس من العبور عبر المهربين". لذلك، كما أوضحت لـ"سوريا على طول" فإن "الوضع يتغير يومياً، والأرقام تبقى في صعود وهبوط".

ادفع 100 دولار مقابل الدخول إلى بلدك

توجّب اعتباراً من 1 آب/أغسطس الماضي، على المواطنين السوريين الراغبين في دخول سوريا تصريف 100 دولار إلى الليرة السورية، وفقاً للسعر المحدد من مصرف سورية المركزي، وهو 1250 ليرة سورية لكل دولار، فيما تبلغ قيمة الدولار في السوق السوداء 2.170 ليرة سورية. ما يعني أنهم يخسرون نحو50 دولارًا في عملية التصريف هذه، كما أوضح مزيد الكريدي، محامي سوري مقيم في بيروت.

إن دفع رسم 100 دولار بالنسبة للاجئين السوريين في لبنان أمر صعب جداً، نظراً إلى أنهم يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية التي فقدت نحو 70% من قيمتها بسبب انهيار العملة اللبنانية.  وبما أن "الإجراء  ينطبق على من هم فوق 18 سنة، فهذا يعني أن العائلة المكونة من والدين وأطفال قد تحتاج إلى 300 دولار، وهو مبلغ كبير جداً"، بحسب المحامي الكريدي. فيما اعتبرت الأتاسي أن هذا الإجراء "منافٍ للمنطق حقيقة، فهؤلاء يفرون في الدرجة الأولى من وطأة الظروف الاقتصادية القاسية". وذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في بيان حديث لها أن "النظام سيستمر بسن قوانين تنتهك المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان وتُشرِّع نهب أموال المواطنين لإثراء خزائنه"

وأوضح الكريدي أن "رسم" المئة دولار ينتهك المادة 38 في الدستور السوري التي تنص على الحيلولة دون منع دخول المواطنين إلى بلدهم.

في المقابل، كان اقتراح مدير إدارة الهجرة والجوازات، ناجي النمير، خلال مقابلة أجريت معه على أثير إذاعة نينار إف إم في 3 أيلول/سبتمبر الحالي، أن يتصل العالق على الحدود بذويه أو أحد أصدقائه ليجلب له مئة دولار أو ما يعادلها.

اللاجئون أمام أزمة اقتصادية وبين فكي كماشة كورونا والانفجار

لا يعدّ مشهد السوريين الذين تقطعت بهم السبل عند معبر المصنع الحدودي جديداً. ففي أيار/مايو الماضي، وجد الفارون من الضائقة الاقتصادية في لبنان أنفسهم عالقين على الحدود اللبنانية-السورية، بسبب القيود المفروضة لاحتواء فيروس كورونا المستجد.

ويمر لبنان في دوامة هي الأسوأ في تاريخ أزماته الاقتصادية، التي فاقمتها التأثيرات الاقتصادية لوباء كورونا (كوفيد-19)، والدمار الذي نجم عن انفجار مرفأ بيروت. لذا قد يتعذر على نصف سكان لبنان تأمين احتياجاتهم الغذائية الأساسية بحلول نهاية العام 2020، بحسب تحذير للأمم المتحدة.

هذا يدفع مزيداً من السوريين للعودة إلى سوريا، رغم المستقبل الضبابي هناك.  فبحسب الأتاسي "الوضع في سوريا غير آمن لعودة هؤلاء الناس، ولكنهم يستميتون للعودة يأساً، ونحن قلقون على من أُجبِروا على العودة غير الآمنة إلى سوريا". وبحسب استطلاع رأي حديث للرابطة السورية لكرامة المواطن والذي شمل 1100 نازح سوري، رأى 80٪ منهم وجوب تغيير الوضع الأمني في سوريا ليتمكنوا من العودة، فيما ذكر 84٪ منهم أن التجنيد العسكري الإجباري يحول دون عودتهم. 

ودعت الأتاسي إلى زيادة المساعدات الدولية للسوريين المقيمين في لبنان، وضرورة التوصل إلى "حل سياسي شامل يضمن حقوق هؤلاء اللاجئين السوريين في العودة إلى سوريا عودةً آمنة وطوعية".

في ظل هذه الظروف التي تشهدها لبنان، وصلت أربعة قوارب، يوم الأحد الماضي، تحمل 123 مواطنًا لبنانياً وسورياً إلى جزيرة قبرص -على بعد 170 كيلومتراً من الساحل اللبناني- وفقًا لوكالة أسوشيتيد برس. ما يعكس مدى صعوبة حياة السوريين في لبنان، الذين يقايضون حياتهم في لبنان ليرموا بأنفسهم إلى مصير مجهول في سوريا رغم خطر العودة، أو في مياه البحر الأبيض المتوسط، الذي فقد فيه 1283 شخصاً حياتهم العام الماضي.

 

هذا التقرير تم نشر أصله في الإنجليزية وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور