"هزائم مؤقتة" المحلل السوري حسن حسن يتكلم حول مستقبل تنظيم الدولة في سوريا والعراق

فقد تنظيم الدولة جميع أراضيه في سوريا والعراق تقريباً خلال العام الماضي.

وقال اللفتنانت جنرال بول أي فونك الثاني القائد العام لعملية التسوية التي تقودها الولايات المتحدة في بيان له نشر في الأول من كانون الثاني " أن أكثر من 98 في المائة من الأراضي التي كان تنظيم الدولة يدعي سيطرته عليها أعيدت إلى الشعب"، كما كان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أعلن نصره على تنظيم الدولة في كانون الأول عام 2017.

في سوريا، أدت الهجمات المنفصلة التي قامت بها قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة، والجيش العربي السوري بدعم من روسيا وإيران، إلى طرد تنظيم الدولة من جميع أراضيه في البلاد تقريباً.

وقال حسن حسن، زميل بارز في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة، وشارك في تأليف كتاب داعش: داخل جيش الإرهاب "أن الخسائر الإقليمية لا تعني أن تنظيم الدولة لم يعد يشكل تهديداً كبيراً".

وفي هذا الجزء من المقابلة المؤلفة من جزئين، يعتمد حسن على منشورات تنظيم الدولة ووسائل الإعلام لتعقب تاريخ التكتيكات العسكرية للمجموعة الجهادية في السنوات الأخيرة، من فصائل إلى جيش تقليدي وأخيراً العودة إلى جذور الثوار، لقراءة الجزء الثاني هنا.

واليوم، فإن تنظيم الدولة "في وضع تمرد تام"، إلى جانب بعض الجيوب المعزولة التي لا تزال تسيطر عليها في شرق سوريا وغرب العراق، وفقاً لما قاله حسن لمراسل سوريا على طول طارق عديلي.

وأضاف حسن "عندما يخسرون الأراضي، يقومون بتغيير تكيكاتهم بهدف دحر العدو وإضعافه، سواء كان حكومة محلية أو فصائل محلية أو داعمين دوليين".

وقال " إنها هزائم مؤقتة والقتال ما زال قائماً هناك، والتهديد لا يزال موجوداً بالتأكيد".

في تقريرك "التمرد من جديد"، الذي نشره مركز مكافحة الإرهاب في كانون الأول، قمت بتقديم أدلة على قيام تنظيم الدولة بالانتقال من جديد إلى أساليب التمرد، على غرار أسلوب عمل الجماعة في العراق بعد الغزو الأمريكي، إلى أي مرحلة وصل تنظيم الدولة في هذا الانتقال في كلاً من العراق وسوريا؟

أعتقد أن المرحلة الانتقالية قد اكتملت، وهم في وضع تمرد كامل باستثناء بعض الجيوب [في الأراضي الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة في البلدين].

وكان الانتقال إلى تكتيكات التمرد بشكل تدريجي، أي بعد خسارة التنظيم الكثير من الأراضي، قاموا بتغيير أساليبهم إلى تكتيكات التمرد في المناطق التي فقدوها والانتقال من القتال التقليدي إلى التمرد النمطي أو التكتيكات الإرهابية أي التفجيرات الانتحارية والاغتيالات والقتل المستهدف وعمليات القنص.

واليوم، نادراً ما يعتمد تنظيم الدولة على التحرك كجيش تقليدي، إنما يعتمد بشكل أكبر على مجموعات متنقلة تتألف من شخص أو شخصين، حيث تستطيع هذه المجموعات الانتقال والمناورة من بلدة إلى أخرى بسهولة أكبر من قافلة من المقاتلين، وقد ذكر تنظيم الدولة هذا التحول التكتيكي في كتاباته الخاصة.

قبل أن يسيطر تنظيم الدولة على الموصل في حزيران عام 2014، كانوا يعملون كمليشيات منذ عام 2013 تسيطر على بعض الأراضي مع جماعات أخرى، على سبيل المثال داعش، معروفة آنذاك بإسم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وجبهة النصرة اللذان حافظا على وجودهما في مدينة الرقة في 2013، ولكن قبل عام 2013 كانوا يتبعون أساليب التمرد ويستخدمون عملاء سريين لتنفيذ هجمات إرهابية في المراكز الحضرية.

وفي سوريا، استطاع التنظيم من السيطرة على الأراضي إلى جانب مجموعات أخرى مثل جبهة النصرة، المعروفة الآن باسم جبهة فتح الشام، ولكن في حزيران 2014 بدأوا في الاحتفاظ بهذه الأراضي مما ألزمهم بحماية تلك الأراضي وهذا يتطلب مزيداً من الموارد والقوى العاملة والخطوط الأمامية، وهنا للمرة الأولى كان لتنظيم الدولة خطوط أمامية يتوجب عليه الدفاع عنها ضد أعدائهم.

مقاتلو تنظيم الدولة في الصحراء الشرقية في سوريا عام 2018. صورة من وكالة الحياة الإعلامية.

عندما بدأت معركة كوباني في أواخر عام 2014، بدأ تنظيم الدولة يلاحظ أن هذه التكتيكات (الاحتفاظ بالأراضي أو ارسال القوى البشرية إلى الخطوط الأمامية في المعارك) مكلفة.

وفي كوباني فقد التنظيم العشرات من المقاتلين  وربما المئات، لذلك بدأوا يفكرون في التغيير، مركزين بشكل أساسي حول فكرة التحايل على القوات الجوية الأمريكية، أي كيف يمكنهم تجنب الضربات الجوية قدر الإمكان.

حاول التنظيم تجنب الضربات الجوية عن طريق الاختباء واستخدام الخداع العسكري، كاستخدام قواعد وهمية لتهاجمها الطائرات الأمريكية أو بدء معركة صغيرة في مكان ما ثم الانتقال إلى الهدف الحقيقي، و بدأ تنظيم الدولة باستخدام هذا التكتيك أواخر عام 2014، واستمر باتباعه لمدة عامين تقريباً.

وكانت سيطرة تنظيم الدولة على الأراضي في العراق وسوريا في ذروتها في عام 2014، وبعد مرور الوقت بدأ تنظيم الدولة بخسارة تلك الأراضي بسرعة في شمال سوريا بسبب الهجمات المنفصلة التي قامت بها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة بالإضافة إلى فصائل درع الفرات المدعومة من قبل تركيا، كيف تكيَف تنظيم الدولة مع تلك الخسائر؟

في ربيع عام 2016، انتقل التنظيم إلى ما وصفته في ذلك الوقت بالأسلوب الهجين، أي عودته إلى جذوره كقوة متمردة محاولاً السيطرة على بعض المناطق واستخدام أساليب التمرد في مناطق أخرى، لقد كان انتقالاً تدريجياً وما زال يستخدم القتال التقليدي في بعض المناطق التي يسيطر عليها، إلا أن هذا النهج الهجين حرر بعض الموارد.

فلم يعد على تنظيم الدولة السيطرة على الأراضي أو التحرك كقوات قتالية تقليدية أو قوافل، بل ركزوا على التسلل والهجوم على مناطق جديدة أي المناطق التي لم يتمكنوا من مهاجمتها في عام 2014 في ذروة قوتهم، حيث تمكنو من مهاجمة اللاذقية وطرطوس للمرة الأولى، وضربوا قلب بغداد في ذلك الوقت أيضاً، أي مناطق بعيدة عن أراضيهم كان من المفترض أن تكون آمنة.

وفي أيار 2016، بدأ تنظيم الدولة التحدث عن تراجع نحو الصحراء، وعن عدم أهمية الاحتفاظ بكل هذه الأراضي والمدن، حيث قال أبو محمد العدناني، الناطق الرسمي باسم تنظيم الدولة سابقاً، في خطابه الأخير في أيار 2016 "يمكننا أن نخسر الرقة والموصل، ويمكننا التراجع إلى الصحراء" ثم توفي بعدها بشهرين.

واستخدم العدناني كلمة "تراجع" أو "تراجع مؤقت" إلى الصحراء، مستشهداً بآية قرآنية تشير إلى أن التراجع التكتيكي مسموح به.

وبدا خطاب العدناني الأخير وكأنه آخر خطاب له في حالة الاتحاد، وكان يقول أن "السيطرة على هذه المناطق ليست مهمة، و المهم هو القتال" وهذا هو ما يحدث الآن.

مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يزيل علم تنظيم الدولة بعد السيطرة على مدينة الرقة 17 تشرين الأول 2017. صورة من صفحة حملة الرقة.

قادة تنظيم الدولة يصورون معركتهم كسلسلة متصلة متتالية كجزء من حرب طويلة بدأت في عام 2003 وحتى قبل حرب العراق واستمرت إلى اليوم مع مد وجزر على طول الطريق، أنت تقاتل تضعف عدوك وتفكك النظام الاجتماعي الذي يمسك هذه الحكومات معا.

وسيتحقق النصر النهائي ليس فقط عندما تكون التنظيم قوياً، ولكن أيضاً عندما يضعف أعداءه، عندما يسيطر التنظيم على الأراضي، فإنه يضعف عدوه، وعندما يفقدون الأراضي، ينتقلون إلى استخدام أساليب تهدف إلى دحر وإضعاف العدو، سواء كان العدو حكومة محلية أو فصائل محلية أو داعمين دوليين والهدف هو إنهاء النظام السياسي إقليمياً ودولياً، لإقامة الدولة الإسلامية.

في كتاباتهم، يتحدث قادة التنظيم عن حرب الاستنزاف هذه، ويستخدمون مفهوم النكاية أو حرب النكاية، و يقولون إن المعارك الرئيسية في التاريخ لم تكن هي الأكثر حسماً، بل الصراعات المستمرة هي التي أضعفت العدو بشكل كبير وسهلت المعركة النهائية.

واستشهدوا بمعركة حطين بين صلاح الدين والصليبيين ويقولون أن هزيمة الصليبيين لم تقررها تلك المعركة، بل المعارك الصغيرة التي سبقتها مثل حملات الاغتيال والهجوم على القوافل، هذه المعارك الصغيرة التي لم يركز عليها التاريخ هي من مكنت صلاح الدين من هزيمة الصليبيين.

ويقولون قادة التنظيم "أن الأمريكان كان لديهم الرغبة في محاربتنا في عامي 2007 و 2008، عندما أرسلوا عشرات الآلاف من القوات إلى العراق، ولكن بعد عشر سنوات فقدوا تلك الرغبة  واتبعوا استراتيجية الاعتماد على السكان المحليين للقتال بدلاً منهم".

و الادعاء (الذي ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً) هو أن هذا التحول الأمريكي نتيجة عمل قاموا به لإضعاف عزم العدو وهم يأملون في أن يؤدي استمرار هذا العمل في نهاية المطاف إلى جعل الولايات المتحدة غير قادرة على الدفاع عن السكان المحليين، وبالتالي فإن داعش سيفوز في المعركة النهائية.

بحسب بيان صدر في بداية العام، قال التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أن تنظيم الدولة فقد 98 في المئة من أراضيه في العراق وسوريا، لكن تحليلك للاستراتيجية والتكتيكات العسكرية لتنظيم الدولة يبدو أن الخسارة الإقليمية لا يعني بالضرورة أنهم أصبحوا أقل خطورة، وعلاوة على ذلك فإن الهجمات على غرار التمرد ليس مدمراً بحد ذاته بل هو جزء من استراتيجية شاملة؟

نعم بالتأكيد، وهناك طريقة بسيطة لشرح ذلك، هي طرح سؤال آخر إذا كان الأمريكيون سيغادرون العراق وسوريا الآن، أو سيتوقفون عن استخدام الضربات الجوية ضد التنظيم فما هي المساحة التي ستحتلها الجماعة على مدى ستة أشهر؟ وأعتقد أن الجواب بسيط، سيستعيد التنظيم معظم الأراضي التي خسرها، إن لم تكن كلها.

على الرغم من أن التنظيم ضعف بشكل ملحوظ، إلا أنه لا يزال قادراً على استعادة معظم هذه الأراضي مع تكتيكاتهم ووحشيتهم، وهذا اتهام لما كانت الولايات المتحدة قادرة على القيام به على مدى السنوات الثلاث الماضية، هذه هي الهزائم المؤقتة.

الجيش العراقي، على سبيل المثال، أقوى الآن مما كان عليه في حزيران 2014، ولكن الولايات المتحدة لم تنجح في دعم أو إنشاء جيوش محلية يمكنها أن تدافع عن نفسها وهذا يخبرك بأن التهديد الذي يشكله التنظيم لم ينتهي بعد.

قافلة من مقاتلي التنظيم تسافر عبر الصحراء في محافظة دير الزور عام 2018. صورة من ولاية الخير.

ولا يزال هناك معارك في العراق وسوريا على الرغم من أنه لا يظهر في الصفحة الأولى لصحيفة نيويورك تايمز أو واشنطن بوست، ويضم القتال جميع أنواع هجمات الكر والفر كعمليات صغيرة لاغتيال بعض الأفراد أو مهاجمة قواعد معينة.

المعارك لا تزال هناك والتهديد بالتأكيد لا يزال هناك، كما أن التنظيم يستعيد قوته في مناطق العراق مثل كركوك وصلاح الدين وديالا.

يعتمد بحثك وتحليلك الاستراتيجي العسكري لتنظيم الدولة بشكل كبير على قراءة منشورات التنظيم ووسائل الإعلام، فكيف يمكن القول بأن استراتيجية تنظيم الدولة الإعلامية، التي تعتبر في كثير من الأحيان قوة الجماعة الجهادية، تغيرت بالتزامن مع التحول الذي حدث في التكتيكات العسكرية؟

ركز التنظيم على وسائل الإعلام لفترة طويلة، وحاول الاستفادة منها بشكل كبير، وفي ذلك الوقت حاول تنظيم الدولة في العراق أو تنظيم القاعدة في العراق آنذاك التسلل واختراق المنتديات الجهادية الموجودة سابقاً عبر الإنترنت [المنتديات غير التابعة لتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية].

ولكن كان هناك نقلة نوعية في عام 2014 فكنت أراقب الصراع السوري منذ اليوم الأول متابعاً كيفية استخدام التنظيم أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا لوسائل الإعلام،  وبعد أن سيطروا على الموصل كان استخدامهم لوسائل الإعلام مختلفاً تماماً.

وفي حزيران 2014، تمكن التنظيم من إنتاج مقاطع فيديو وصور ذات جودة عالية، فهم كانوا يوصلون رسائل ذكية ليس فقط للجمهور العراقي والسوري بل للجمهور العالمي كله.

لذلك، على الرغم من أن التنظيم ركز بشكل دائم على أهمية وسائل الإعلام، إلا أن الطريقة التي استخدموها بعد 2014 كانت مختلفة، وستبقى وسائل الإعلام مهمة، ولم نشهد تراجع كبير في استخدام وسائط الإعلام هذه.

ولم تكن وسائل الإعلام تجربة تعليمية لتنظيم الدولة فقط وإنما لجبهة النصرة أيضاً، التي أصبحت الآن جبهة فتح الشام، وغيرها من المنظمات الجهادية والإسلامية.

وهذا الاستخدام الجهادي لوسائل الإعلام لن يختفي كما تعلمت الناس بفعالية كيفية استخدام تويتر وفيسبوك وغيرها وقد ينتقلون إلى برامج أخرى، وستبقى هذه الجماعات تشكل خطراً في المستقبل.

لقد فات الأوان

 

أجرى الحوار: طارق عدلي

ترجمة: بتول حجار