في إحدى الليالي الباردة من أشهر الشتاء التي انقضت مؤخراً، اجتمع مجموعة من المنشقين السابقين في الجيش السوري، في شقة في إحدى الدول المجاورة لسوريا.

وتم تحديد الاجتماع بشكل مفاجئ، حيث اتفق الرجال على الموعد قبل أيام قليلة فقط.

وبينما كانوا يحتسون القهوة ويدخنون السجائر في وقت متأخر من الليل، أصبحت المحادثة أكثر خطورة، فقد بدأوا بمناقشة السؤال الذي جمعهم.

"هل العودة إلى الوطن آمنة؟".

واستضاف أبو عبدلله هذا الاجتماع، وهو ضابط سابق في الجيش السوري، خلفه عقود من الخدمة، مثله كمثل جميع الضيوف الذين يجلسون في الغرفة، حيث انشق بعد فترة قصيرة من بدء الانتفاضة السورية، متخليا عن منصبه و هاربا مع عائلته عبر الحدود إلى دولة مجاورة.

لم يكن الاجتماع  فكرته، فقد طلب العديد من المنشقين الآخرين الزيارة لسماع آرائه حول مرسوم صدر مؤخراً عن الحكومة السورية، تعد فيه بالعفو عن المنشقين.

وكرر أبو عبد الله ما قاله لأصدقائه سابقاً، العودة ليست آمنة، لن تنسى الحكومة ما فعلناه. واتفق الجميع مع أبو عبد الله بينما كانوا يشربون القهوة، إلا أبو ممدوح، أحد الحاضرين.

وكان أبو ممدوح قد فرّ من سوريا منذ عدة سنوات، حيث تعاقبت عليه السنين، واشتغل خلالها بالعديد من الوظائف الغريبة المتقطعة، التي أثرت فيه وزادت من رغبته في العودة إلى وطنه - أو ما تبقى منه.

حاول معظم الرجال المجتمعين، ذلك المساء، إثناءه. قال أبو عبد الله لسوريا على طول "لقد أمضينا معظم الليل في محاولة لإقناعه بعدم الذهاب. لقد كنت صديقًا له لسنوات، حتى قبل الثورة".

وعلى الرغم من بذل قصارى جهدهم، إلا أنه عاد. وأبو ممدوح، واحد من بين عدد غير معروف من الضباط والجنود والشبان المنشقين المطلوبين للخدمة العسكرية في سوريا، الذين عادوا في الأشهر الأخيرة من البلدان المجاورة، مقتنعين بوعود العفو من الحكومة السورية على ما يبدو.

لكن البعض الآخر يتساءل ما إذا كان ذلك آمنا.

ومنذ عودته، لم يسمع أحد من أصدقائه أو عائلته شيئاً عنه. وأخبر أحد الأقارب، الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الأمر، سوريا على طول، أنه تم فصله عن أفراد أسرته من قبل السلطات السورية فور عودته، ونقله بعيدا، ولايزال مكانه مجهولا.

وقد حجبت سوريا على طول أي معلومات تتعلق بأسماء وأماكن وأوقات محددة، لحماية وسلامة أبو ممدوح وعائلته.

لقراءة مقابلة أبو ممدوح مع سوريا على طول، عن قراره بالعودة إلى الوطن كاملة، انقر هنا.

بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011، انشق الآلاف من الجنود والضباط من الجيش السوري، وكان لكل شخص أسبابه الخاصة، حيث وقف البعض مع موجة الاحتجاجات السلمية ضد الرئيس السوري بشار الأسد والحكومة السورية، بينما رفض الآخرون ببساطة المشاركة في قمعهم العنيف.

وكان آلاف المنشقين يشكلون الجزء الأكبر من الجيش السوري الحر، عندما تم تشكيله في خريف عام 2011. وكان غالبا مايصور الجنود السوريون أنفسهم حين إعلان انشقاقهم، بعد انضمامهم إلى الجيش السوري الحر.

ولا يزال شريط فيديو على يوتيوب يظهر الرائد في الجيش السوري سابقاً، ماهر النعيمي، وهو يعلن عن انشقاقه في عام 2012. الصورة من سلطان الزهران.

وكان لهذا الانشقاق ثمن. فإن أولئك الذين تخلوا عن وظائفهم كانوا مطلوبين على الفور من قبل دمشق، في حين يُمنعون إلى حد كبير من إجراءات الحماية وإعادة التوطين الدولية - حتى بعد فرارهم من سوريا لفترة طويلة - بسبب وضعهم كمقاتلين سابقين.

كما يستبعد المقاتلون في النزاعات المسلحة الذين يفرون إلى دولة ثالثة من طلب اللجوء، على الرغم من أن القانون الدولي للاجئين ينص على أن أولئك الذين قطعوا علاقاتهم مع الأطراف المتحاربة، قد يتم منحهم الحماية على أساس كل حالة على حدة.

ومع ذلك، فإن العديد من الضباط السوريين السابقين الذين انشقوا وفروا باتجاه البلدان المجاورة أو أوروبا، أخبروا سوريا على طول أنهم حرموا من إعادة التوطين، بل وحتى الطعام والمساعدات الطبية في بلدان إقامتهم. بالنسبة للبعض، مثل أبو ممدوح، فإن واقع الحياة القاسية في المنفى، تجعل احتمال العودة إلى الوطن أكثر جاذبية في النهاية.

وقال أبو محمد، الضابط السوري السابق، البالغ من العمر 40 عاماً، والموجود حالياً في دولة مجاورة، لسوريا على طول "لقد سئمت من الحياة هنا"

وأضاف "إذا كانت سوريا آمنة بنسبة 1 في المائة فقط بالنسبة لي، فسوف أعود، ولكن هذا يعني فقدان حياتي وعائلتي. في الحقيقة، لقد تعبت من الحياة هنا".

وانشق أبو محمد عن الجيش وهرب مع أسرته في عام 2012. وبعد فرارهم من سوريا، تم فصل أبو محمد عن زوجته وأطفاله بعد أن علمت السلطات المحلية أنه ضابط في الجيش السوري، وتم وضعه في المخيم.

وقد أنشأت معظم البلدان المجاورة لسوريا مخيمات خاصة للضباط والمجندين العسكريين المنشقين، وغالبًا ماكانت هذه المخيمات تقيد حريتهم في الحركة.

وكانت النتيجة، حالة من الجمود بالنسبة للضباط المنشقين مثل أبو هادي، وهو عضو بارز في الجيش السوري سابقاً، ترك منصبه وهرب إلى الأردن في عام 2012. ومنذ ذلك الحين، كان يعيش في مخيم صحراوي شمال الأردن، مخصص للمقاتلين السابقين، ويزور عائلته عبر تصريح الإجازة المؤقتة للمخيم.

وقال أبو محمد لسوريا على طول "نريد أن نعيش بشكل طبيعي، ولكن ماذا يمكننا أن نفعل؟".

"عندما بدأ القتال، لم أستطع البقاء"

في يوم من الأيام، بعد وصوله إلى الأردن، رن هاتف أبو هادي، الضابط السوري سابقا، بينما كان يجدد تصريح الإجازة الشهرية لزيارة أسرته خارج مخيم الراجحي حيث يقيم منذ سنوات.

ومخيم الراجحي، الذي أنشأته الحكومة الأردنية حصرياً للمنشقين السوريين والمقاتلين السابقين، هو المكان الذي أقام فيه أبو هادي بشكل قانوني على مدار السنوات الثلاث الماضية، قبل أن يتم كفالته من قبل مواطن أردني ليخرج في النهاية.[أغلقته الحكومة الأردنية نهائياً في 2014، بعد توزيع قاطنيه على مخيم الزعتري والأزرق]

وكان على الطرف الآخر من المكالمة، موظف من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الذي دعا أبو هادي وعائلته للسفر إلى العاصمة الأردنية لمناقشة ملف إعادة التوطين.

وتذكر أبو هادي قائلاً "لقد أعطونا تاريخًا ووقتًا لإجراء مقابلة، وذهبنا إلى مكتبهم، لقد اختاروا لنا السويدا".

حينها، جمع أبو هادي أوراق عائلته، بما في ذلك شهادات الميلاد والهويات الصادرة عن الحكومة السورية ووزارة الداخلية الأردنية، ومخيّمين للاجئين، بالإضافة إلى بطاقة الهوية العسكرية السورية.

وأكمل أبو هادي "عندما رأى موظف مفوضية شؤون اللاجئين أنني عسكري، أخبرني أننا قد رفضنا. لقد أغلقوا الملف بأكمله".

وأضاف، أن ابنته الشابة تعاني من حالة صحية مزمنة، وتتطلب علاجًا شهريًا باهظ التكلفة. فهل تستطيع أسرته مغادرة الأردن دونه؟.

واقترح أبو هادي على الموظف متشفعا "افصل ملفي عن عائلتي، واسمح لعائلتي بالمغادرة حتى تتمكن ابنتي من العلاج"... "لكن الموظف لم يقبل هذه الفكرة".

كانت مقابلة الأسرة أولية، ومن المحتمل أن تكون الأولى من بين الكثيرين. فإعادة التوطين للاجئين السوريين، هي عملية معقدة تنطوي على فحوصات أمنية من عدة بلدان، وفحوصات صحية ومقابلات متكررة تستغرق سنوات في الغالب.

ورفض متحدث باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التعليق عندما طلب منه توضيحا بشأن الوضع القانوني للمقاتلين السابقين والمنشقين.

"لم أقتل أحداً"

يقيم الآن أكثر من مليون لاجئ سوري في أوروبا، بعد سنوات من الرحلات غير النظامية والمحفوفة بالمخاطر في كثير من الأحيان، عبر البر والبحر باتجاه القارة. وقد قامت أعداد قليلة من المقاتلين السابقين بهذه الرحلة، بما في ذلك المنشقين.

و يعد أبو إبراهيم يومه من منزله في أوروبا، حيث يعيش مع زوجته وأطفاله. فبعد أكثر من ثلاث سنوات في أوروبا، لازال يخشى من أن يكون يومه الأخير هناك.

وخدم أبو إبراهيم في الجيش السوري، منذ حوالي 30 عامًا، لكن عندما تم قمع الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للحكومة بعنف في محافظة درعا مسقط رأسه، تخلى عن منصبه وهرب مع أسرته.

وقال أبو إبراهيم لسوريا على طول "عندما بدأ القتال، وعلمنا أن النظام كان يقتل شعبنا، لم أستطع البقاء، من يقتل شعبه؟"

ودفع أبو إبراهيم للمهربين لإحضاره وأسرته إلى تركيا، و بعد ثلاث سنوات، في عام 2015، كان أبو إبراهيم وعائلته من بين مئات الآلاف من السوريين الذين قاموا برحلة محفوفة بالمخاطر في بحر إيجه، من تركيا إلى اليونان.

وطلب أبو إبراهيم من سوريا على طول عدم نشر المزيد من التفاصيل حول رحلته، أو تحديد البلد الأوروبي الذي يقيم فيه الآن.

لكن أبو إبراهيم يخشى أن ينقل مرة أخرى قريبًا، وعلى الرغم من حصول زوجته وأطفاله الآن على تصاريح إقامة، إلا أنه قال أن طلبه للجوء السياسي رُفض لكونه مقاتلًا سابقًا في نزاع مسلح.

وأكمل أبو إبراهيم لسوريا على طول، وصوته يهتز وهو يتذكر جلسة استماع اللجوء الأخيرة "سألت [السلطات المحلية] عن سبب رفضهم لإقامتي، لم أرتكب أي جرائم مع النظام".

وأضاف " كما أنني لم أقتل أحداً، ولم أحارب أحداً على الإطلاق، ولا لمرة واحدة".

ويتم تقييم طلبات اللجوء المقدمة في أوروبا، من قبل المنشقين عن الجيش السوري على أساس كل حالة على حدة، حيث يجب تحليل كل سنة من الخدمة العسكرية والتحقيق فيها، مع الأخذ في الاعتبار التقارير واسعة النطاق عن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، التي يرتكبها الجيش السوري، وكذلك سلسلة واسعة من الانتهاكات ضد المعتقلين في سوريا حتى قبل بدء الثورة.

و سافر حفنة من الأفراد المتهمين بارتكاب هذه التجاوزات والفظائع في سوريا إلى أوروبا، والكثير منهم تلاحقهم السلطات المحلية، حيث يزيد وجودهم، بالإضافة إلى عدم وجود فرز مسبق على المعابر غير الرسمية إلى أوروبا، من تعقيد قضية المقاتلين السابقين.

وأوضحت حنين بيطار، المحامية في المركز القضائي للمساعدة القانونية، أن الضباط السابقين ذوي الرتب العالية، ممن لديهم عقود من الخدمة العسكرية، يواجهون صعوبة أكبر في الحصول على حق اللجوء من الجنود الشباب أو المجندين.

وقالت البيطار، لسوريا على طول "من الخطير للغاية الاستعانة بضباط أصغر سناً قضوا وقتاً محدوداً في الجيش، إعادة التوطين صعبة للجميع هذه الأيام، ولكن الأمر أصعب بكثير بالنسبة للاجئين السابقين في الجيش".

ويؤكد أبو إبراهيم أنه لم يشارك في أي أعمال عنف قبل أو بعد بدء الحرب. وخلال ثلاثين سنة من خدمته كانت سوريا "بلداً في حالة سلم" كما أوضح.

وقال لسوريا على طول "لقد غادرت لأنني لا أريد القتال، أنا لن أحارب، لن أقتل، وليس لدي أي سبب لفعل ذلك".

العودة "ستزيد اذا اقتضت الظروف"

يعمل أبو إبراهيم مع محاميه لاستئناف قرار اللجوء، وموعد المحكمة النهائي، هو الشهر المقبل. فقد تم تعيينه للمثول أمام القاضي للدفاع عن قضيته، فإذا فشل استئنافه، فسيُطلب منه مغادرة البلاد.

وعلى الرغم من أن القانون الدولي للاجئين سيمنعه من العودة إلى سوريا بغير إرادته، إلا أنه يمكن أن يقتصر على الاحتجاز الإداري مع تقييد حريته في التنقل بشدة.

والعودة إلى الوطن ليست خيارا متاحا، على حد قوله. فابنه الأكبر في سن الخدمة العسكرية، وحتى في أوروبا يخشى من أعمال انتقامية قد ترتكبها أجهزة المخابرات التابعة للحكومة السورية.

وقال لسوريا على طول "حتى هنا، يمكن أن تجدني المخابرات".

وأضاف أن ثلاثة من إخوته اعتقلوا على يد المخابرات بعد فترة وجيزة من مغادرته لسوريا، وتم إعدامهم فيما بعد. وأضاف أبو إبراهيم إنه فشل في إثبات مقتلهم للسلطات الأوروبية.

وتابع قائلا "كيف يمكنني إثبات هذا؟ لا أستطيع... لا أحد يستطيع. إن ما نسمعه من أخبار هو مجرد جزء صغير مما يحدث فعليا- حتى الأمم المتحدة لا تستطيع أن ترى ما يحدث داخل سوريا".

ولا تنصح الأمم المتحدة ومعظم منظمات الإغاثة الدولية السوريين بالعودة إلى البلاد، مشيرين إلى أن الظروف غير آمنة والنزاع ما يزال مشتعلا.

ولكن لا تزال هناك حالات عودة، حيث عاد حوالي ١٣ ألف سوري من الأردن إلى سوريا منذ تشرين الأول من العام الماضي، بينما ادعى الرئيس اللبناني ميشال عون أن ١٦٧ ألف سوري عادوا إلى سوريا من لبنان في الأشهر الأخيرة.

ومع ذلك، فإن متابعة ظروف العائدين تشكل تحديا إلى حد كبير بسبب الظروف التي فرضتها الحكومة السورية. ودعت المفوضية الحكومة السورية، في مؤتمر "بروكسل الثالث" الدولي الذي عقد الأسبوع الماضي، إلى السماح للأطراف المحايدة بمراقبة عمليات العودة داخل سوريا.

وأشار رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي، في بيان إلى المؤتمر في ١٤ آذار، إلى أن العودة إلى سوريا "ستزداد إذا اقتضت الظروف، لكن الحركة الواسعة النطاق في سوريا ستستغرق بعض الوقت".

وأضاف غراندي "يجب أن تستمر عمليات العودة، كما هي عليه حتى الآن. حيث يتم تقديم المعلومات والمشورة للعائدين بشكل طوعي وعودتهم لا علاقة لها بأي اعتبارات سياسية".

ومع ذلك، فإن العائدين لا يشكلون سوى جزء صغير من عدد اللاجئين السوريين في الخارج، الذين ما يزالون غير مقتنعين بفكرة العودة إلى سوريا في الوقت الحالي.

وبالنسبة للمنشقين مثل أبو إبراهيم، فإن فكرة العودة ترافقها مخاوف من التعذيب والسجن.

وقال أبو إبراهيم لسوريا على طول "أفضل أن أرمي بنفسي أمام سيارة بدلا من العودة".

" سيكون موتي سريعا على الأقل بهذه الطريقة"

 

قامت سوريا على طول بتغيير أسماء جميع المصادر المذكورة في هذا التقرير لأسباب أمنية.